من المتعارف عليه في عالم المشاهير، أنهم لا يتهاونون في الحصول على حق الظهور العلني واستغلال اسمهم وصورتهم، لكن هناك دائمًا بعض الحالات الاستثنائية التي يتنازلون فيها عن هذا الحق المادي، مثل الوجود على هيئة تمثال شمع في أحد متاحف «مدام توسو». بل على العكس، فإنهم يعدون الأمر مدعاة  للفخر؛ لأن متحف «مدام توسو» هو من يختار الشخصية التي يضيفها لمجمل أعماله، وهم الأشخاص الذي يرى المتحف أن لهم تأثيرهم الخاص في العالم، كان آخرهم اللاعب المصري في نادي ليفربول الإنجليزي، محمد صلاح، والذي رُفع الستار عن تمثاله مؤخرًا. 

من مدعاة للفخر إلى نذير شؤم.. بداية تاريخ تماثيل «مدام توسو» المثير

ولدت ماري جروزهولتز المشهورة لاحقًا بمدام توسو عام 1761 في فرنسا، لأم تعمل مدبرة منزل لعالم التشريح فيليب كيرتيس، وهو الذي تعلمت على يده صناعة التماثيل الشمعية، هذا العمل مع موهبتها الفطرية أهَّلاها كي تنضم لفريق تعليم الفنون لمدام إليزابيث شقيقة الملك لويس السادس عشر، في  قصر فرساي.

Embed from Getty Images

عاشت مدام توسو، في القصر عدة سنوات سعيدة حيث قابلت العديد من الشخصيات الشهيرة والمؤثرة في العالم، أهمهم على سبيل المثال السياسي والفيلسوف الأمريكي بنجامين فرانكلين، لكن مع قيام الثورة الفرنسية عام 1789 هربت ماري الشهيرة لاحقًا بـ«مدام توسو» إلى باريس.

لم يستمر هروب ماري فترة طويلة، فقد ألقت قوات الثورة الفرنسية القبض عليها مع والدتها معتبرين إياها من الشخصيات الرأسمالية استنادًا إلى سنوات معيشتها في قصر فرساي، ولإثبات ولائها للثورة الفرنسية وتجنُّب إعدامها، تعيَّن عليها صناعة أقنعة موت للقتلى من النبلاء والرأسماليين الفرنسيين، والذين كانت تجمع بينها وبينهم يومًا ما، معرفة ولو بسيطة بحكم حياتها السابقة. وبهذا تحوَّلت سمعة تماثيل «ماري» في سنوات الثورة الفرنسية من مدعاة للفخر، إلى خبر مشؤوم، يعني أن صاحب التمثال قد أُعدم.

بانتهاء الثورة وموت معلمها الأول، فيليب كيرتيس، الذي أورثها مجموعته من التماثيل الشمعية، جابت أوروبا برفقة تماثيلها الشمعية مقدِّمة عروضًا فنِّية متنقِّلة، في أثناء ذلك وفي عام 1795 قابلت فرانسوا توسو، الذي أصبح زوجها وأخذت اسمه الأخير، وأطلقت لقب «مدام توسو» على عروضها الفنية. 

مدام توسو والاستقرار في لندن

في عام 1802 قررت مدام توسو ترك زوجها مع الاحتفاظ بلقبه، والذهاب برفقة ولديها إلى لندن لعرض مجموعتها في أحد المسارح، وفي عام 1835 استطاعت أخيرًا افتتاح متحفها الخاص لعرض أعمالها دون أن يشاركها في دخله المادي أحد، فاستقرت في «شارع بيكر» بلندن حيث بدأ متحفها يجتذب القليل من الشهرة.

ظلَّت مدام توسو تدير متحفها وتماثيلها الشمعية حتى لقت حتفها عام 1850، لكن انتهاء حياة مدام توسو، لم تعنِ انتهاء حياة متحفها الذي أداره الورثة من بعدها، ونُقل من مكانه لشارع آخر بلندن عام 1884، وظل هناك حتى يومنا هذا، حتى بيع المتحف لمجموعة من رجال الأعمال في عام 1889.

Embed from Getty Images

تعرَّض المتحف لضربتين كارثيتين أضاعتا أغلب الأعمال الأصلية لمدام توسو، الأولى بنشوب حريق في المتحف عام 1925، والثانية بانفجار قنبلة ألمانية إبَّان الحرب العالمية الثانية عام 1940، لكنهم استطاعوا إنقاذ القليل من أعمال مدام توسو، كان أهمها القوالب الأصلية التي صنعت منها تماثيل الشخصيات التاريخية، ولا يزال المتحف يحتفظ بهذه القوالب في أرشيفه الخاص.

كل المشكلات والكوارث التي أصابت المتحف ودمَّرت أغلب الأعمال الأصلية التي صنعتها مدام توسو بنفسها، لم تقف عائقًا أمام توسُّع المتحف عالميًّا، وفي عام 1970 افتُتح أول فرع للمتحف خارج إنجلترا في أمستردام بهولندا، ومن وقتها حتى اليوم افتُتح 24 فرعًا لمتحف مدام توسو حول العالم، آخرها كان في دبي بالإمارات العربية المتحدة في العام الجاري.

«تتحدى الملل».. سبب شهرة متحف مدام توسو في عصر التكنولوجيا

«المتاحف مملة»، نظرية شائعة يؤمن بها الكثيرون مهما حاولنا تفنيدها، فقد يكون غير مسموح بالتقاط الصور بداخلها، وأحيانًا كثيرة ما يتناول المتحف موضوعًا لا يهم قطاعًا كبيرًا من الجماهير، لكن متحف «مدام توسو» استطاع تحدي ملل المتاحف، بل استطاع كذلك قهر التكنولوجيا الحديثة.

ففي الوقت الذي يستطيع فيه الجميع بهواتفهم المحمولة، صناعة صورة زائفة لأنفسهم وهم يسلِّمون باليد على ملكة إنجلترا أو يرقصون مع «جيمس بوند» في الشارع، إن جاءت الفرصة لأي منهم لزيارة متحف «مدام توسو» فلن يتردد، لأنها وقتها ستكون تجربة فريدة بحق؛ فكل فرع من أفرع المتحف يضم عددًا من الشخصيات في مختلف المجالات، كل شخصية لها وضعية جسم مختلفة عن الآخرين، وتليق بأفعال الشخصية الحقيقية، حينها يمكن تصوير مقاطع فيديو كوميدية مع «باراك أوباما» أو تبدو وكأنك تجري حوارًا جادًا مع «سوبرمان».

«حجرة الرعب».. تماثيل وأدوات تعذيب وصرخات بشرية في الخلفية!

منذ بداية عروض مدام توسو حول أوروبا، كانت تفصل التماثيل العادية عن تماثيل أفراد العائلات الملكية والأرستقراطية الفرنسية، الذين أُعدموا بالمقصلة خلال الثورة الفرنسية ووضعتهم في «حجرة منفصلة» في عروضها.

وعند اتخاذها مقرًّا مستقلًّا للمتحف، فصلت قاعة عن باقي المتحف لعرض مجموعتها المخيفة التي صنعتها بعد إعدام أصحابها، وهي القاعة التي لقَّبتها مجلة «بانش» بـ«حجرة الرعب»، وكان يُدفع تذكرة إضافية من أجل مشاهدة تلك المعروضات.

في عام 1995، رُصدت ميزانية كبيرة لإعادة تجديد هذه الحجرة، وصناعة العديد من التماثيل الجديدة لشخصيات شريرة مثل «فلاد الوالاشي» و«جنكيز خان» و«جاي فوكس»، وانضم لهم تمثال «أدولف هتلر» في 2014 بعد أن أعلنت الطائفة اليهودية في لندن من تضررها من تعامل السيَّاح بحفاوة مع تمثال مؤسس النازية، كما كان هناك أيضًا تمثال بلا ملامح للقاتل المتسلسل مجهول الهوية «جاك السفاح».

كانت حجرة الرعب تجربة متكاملة، فبالإضافة للتماثيل الشمعية، أضيفت مجسَّمات لأدوات التعذيب والإعدام المستخدمة في الـ50 قرنًا الأخيرة، وكل ذلك مصحوبًا بصرخات بشرية حقيقية طوال الوقت. كانت هذه القاعة الموجودة في فرع لندن، مخيفة بحق، حتى إنه كان يُمنع من دخولها كلٌّ من  الأطفال تحت سن الثانية عشرة، والسيدات الحوامل وأصحاب الأمراض القلبية، وظل كذلك حتى إغلاقها في 2016 واستُبدل بها قاعة «شرلوك هولمز» المحقق البوليسي الذي ابتكره خيال «آرثر كونان دويل». جدير بالذكر أنه لا يوجد سبب معلن وراء هذا الإغلاق، لكن يقال إنه كثرت الشكاوى بشأن الحجرة والخوف الحقيقي الذي شعر به زائروها. 

السبب وراء تميُّز متحف مدام توسو

قد يعد الكثيرون أن أهم ما يميز متاحف مدام توسو المنتشرة حول العالم هو اختيار الشخصيات أو الأوضاع التي تتخذها التماثيل، لكن ما يميِّز تماثيل المتحف بحق، هو أنها لا تزال تُصنع بشكل يدوي بالكامل في عصر تحكمه التكنولوجيا حتى الثمالة.

فكل تمثال من التماثيل المعروضة حول العالم صُنع في مكان واحد فقط، وهو الاستوديوهات المركزية الخاصة بمدام توسو في لندن، حيث تستغرق عملية صناعة التمثال الواحد ما يقارب من 800 ساعة عمل، تبدأ بتصوير الشخصية من عدة زوايا وبمختلف الوضعيات المشهورة بها، ثم أخذ ما يزيد على 200 قياس للشخصية، وفي حالة كان التمثال لشخصية تاريخية أو متوفية، حينها يلجأون لمئات الصور ومقاطع الفيديو الخاصة بها إن وجدت.

بعد ذلك تبدأ عملية تصنيع قالب الشخصية الذي يكون أكبر بنسبة 2%؛ لأن الشمع عندما يتجمد ينكمش حجمه بهذه النسبة، ثم تأتي مرحلة تركيب العيون والأسنان والشعر الذي غالبًا ما يكون من الشعر الطبيعي، ثم تبدأ عملية وضع الملابس على الشخصية وإنهاء عملية الماكياج والرتوش الأخيرة، تُشحن حينها التماثيل لوجهة العرض المطلوبة، وقبل أن تُعرض على عامة الجمهور، يقيِّمها الخبراء ويعطون موافقتهم بعرضها.

وهذه أشهر التماثيل المسحوبة من العرض

قليلة هي الحالات التي يلجأ فيها القائمون على المتحف لسحب تمثال من العرض لشخصية لا تزال شهيرة، سواء كان السحب دائمًا أو مؤقتًا، أكثرها شيوعًا كان لتماثيل سياسيين مشهورين مثل «دونالد ترامب» و«باراك أوباما» و«جورج بوش»، التي تعرضت للكثير من الضرب واللكم، نظرًا إلى أن سياسة المتحف لا تمنع تعامل زوار المتحف بشكل مباشر مع التماثيل، فكانت التماثيل تُسحب للإصلاحات ثم تعود مكانها مجددًا.

حتى تمثال «أدولف هتلر» المعروض بمتحف ألمانيا تعرض لهجوم مباشر أدى لفصل الرأس عن الجسم، وصدر أمر من المتحف بعدم السماح للزوار بالتعامل مع هذا التمثال أو حتى التقاط الصور التذكارية معه. أما أحدث التماثيل المسحوبة من العرض بشكل مؤقت كان للاعب كرة القدم البرتغالي «كريستيانو رونالدو» والمعروض في متحف دبي، وسُحب لأنه كان يرتدي زي ناديه القديم «يوفينتوس» الإيطالي، بينما هو الآن متعاقد مع نادي «مانشستر يونايتد» الإنجليزي، وصرَّح مسئول عن المتحف بأنه سيُعرض مجددًا عند الانتهاء من ارتداء زي ناديه الحالي.

عند اختيار الشخصية التي ستُعرض في أحد متاحف «مدام توسو» حول العالم، يقع الاختيار إما على شخصيَّة تاريخيَّة وإما ذات شهرة مؤثرة، وعندما تخفت حدَّة شهرة الشخصية الحقيقية، فإن المتحف يسحب التمثال الخاص بها ويضعها في مخازنه الخاصة، وهذا لكونه يمتلك قاعدة بعدم تدمير أي تمثال عُرض بالفعل، لكن هذه القاعدة خرقها المتحف بنفسه عدة مرات استثنائية، وذلك عندما دمَّر تمثال «جاري جليتر» مغني الروك بعد سجنه بتهمة التعدي الجنسي على الأطفال والتصوير الإباحي للأطفال، وتمثال «جيمي سافيل» مقدِّم البرامج، بعد ظهور مزاعم بالتحرش الجنسي.

Embed from Getty Images

كما أنه من الممكن أحيانًا أن تُنقل التماثيل من مكانها، مثل تمثال «هتلر» بمتحف لندن، كما ذكرنا سابقًا، أو تمثالَيْ الأمير «هاري» وزوجته «ميجان ميركل» اللذين نُقلا من قسم العائلة الملكية إلى قسم المشاهير المرموقين، وأتى هذا النقل بعد تخليهما عن واجباتهما الملكية.

ورغم أن متحف مدام توسو ليس متحف الشمع الوحيد في العالم، فهناك متحف الشمع في مدريد بإسبانيا، ومتحف الشمع موفي لاند في شلالات نياجرا بأمريكا، ومتحف سيدهاجيري جرامجيفان في كولهابور بالهند. لكنه الأعرق والأكثر شهرة وعالمية، وصموده بوصفه متحف تماثيل شمع لما يقارب قرنين من الزمان، يجعل الأمر مدعاة للفخر، بأن يدعوك المتحف لجلسة تصوير وقياس من أجل صناعة تمثال لك؛ لذا إن واتتكم الفرصة لزيارة أحد فروعه المنتشرة حول العالم فلا تفوِّتوها.

تاريخ

منذ شهر
«قلعة المرجان».. قصة «أعجوبة معمارية» حيّرت العلماء وتحاكي غموض أهرامات الجيزة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد