تلاحقنا إعلانات الأزياء السريعة  في كل مكان، على «فيسبوك»، على «إنستجرام»، وفي لافتات الشوارع تعدك بالسعادة والأناقة إذا ما اشتريتها، وما إن تشتريها حتى تحتاج المزيد منها، وهذا المزيد الذي تشتريه يدفع ثمنه الكوكب كله. وتتميز صناعة الملابس السريعة بصفتين: سرعة الإنتاج، ورخص الثمن «في بلادها».

تستهلك قطعة الملابس التي تشتريها كثيرًا من الموارد الطبيعة، وكثيرًا من صبر العمال ومن المصانع الصغيرة التي يموتون فيها بسبب نشوب حرائق، ويتعرض في سبيلها المزارعون الذين يزرعون القطن لأمراض جسيمة بسبب المبيدات الحشرية المستخدمة في زراعة القطن. هذه هي التكلفة الحقيقية لهوس شراء الملابس السريعة الذي يكاد يبتلعنا.

لماذا نلتهم الملابس السريعة؟

تجلب صناعة الملابس 1.2 تريليون دولار عالميًا ومن أمريكا وحدها 250 مليار دولار. وتُنتج صناعة الأزياء السريعة سنويًا 150 مليار قطعة، وهذه الأزياء السريعة تُسعّر بأثمان رخيصة لكي تجعلك تشتري أكثر من قطعة حتى لو لم تكن تحتاجها.

تقول الكاتبة إليزابيث إل كلاين في كتابها «المبالغة في الملبس، الثمن المروّع للأزياء الرخيصة» إن محلات «زارا» أحد رواد الأزياء السريعة تجلب بضائع جديدة مرتين في الأسبوع، ومحلات «H&M» و«فورايفر 21» تجلب يوميًا بضائع جديدة، و تقدم شركة «توب شوب» أسبوعيًا 400 موديل.

إغراق السوق بكل هذه القطع متعددة الأشكال والألوان يجعل المستهلك يفقد صوابه؛ فمحلات الأزياء السريعة الموجودة في كل ركن في مدينتك مصممة لتقدم لك أحدث صيحات الموضة وأنت مطالب طوال الوقت أن تتبعها.

نحن نتخلص كل عدة أشهر من كم هائل من الملابس إما برميها في القمامة أو بالتبرع بها لجمعيات خيرية والأخيرة لن تخفّض من تكلفة صنعها بالطبع. هذا هو تأثير صناعة الأزياء السريعة لأنها لم تُصنّع لتبقى، هي أشبه بالمناديل الورقية. فالفرد الأمريكي يتخلص كل عام من 37 كيلوجرام من القماش. أي ما يصل إلى أكثر من 11 مليون طن من المخلفات القماشية من الولايات المتحدة وحدها.

تلوث مرتبط بصناعة الملابس المصدر

 

معظم هذه المخلفات غير قابلة للتحلل. أي أنها تبقى في مكبّات القمامة 200 عام وأكثر. ليس هذا فحسب إنما تُخرج أيضًا غازات ضارة للهواء الذي نتنفسه. فما هي الرحلة التي يخوضها قميصك القطني حتى يصل إلى دولاب ملابسك؟ هل يعنيك أن يصنع قميصك طفل؟ أو عامل بالسخرة؟ أو عامل يحصل على أجر أقل من الحد الأدنى للأجور؟ إذا كانت الإجابة نعم فتعرّف إلى كيفية صناعة الملابس ذات الماركات الشهيرة في المصانع.

من قال إن العبودية انتهت؟ عمال «أبل» ينتحرون ليصلك الـ«آيفون» الأنيق!

أين تُصنّع ملابس الشركات العالمية؟

نحن نقرأ على قطعة الملابس «صُنع في الصين» لكننا لا نعرف ما هي الظروف التي جرت فيها صناعة الملابس. تريد الشركات العالمية في أمريكا وأوروبا وكندا إنتاجًا سريعًا وأرباحًا ضخمة، بأجور منخفضة، ولا تريد تحمل المسؤولية البيئية والاجتماعية للمنتج ولا يعنيها الظروف التي يُصنع فيها المنتج، فماذا تفعل؟

هناك بلاد نامية وعالم ثالث وبشر في مرتبة أقل وعمال يقبلون بالاستغلال من أجل توفير أساسيات العيّش. البلاد النامية تتكالب للحصول على توكيلات الشركات العالمية والتي لا يهمها إلا تحقيق الربح كأي كيان رأسمالي، هذه البلاد التي تستخدم عمالة منخفضة التكلفة وهذه الشركات تهدد دائمًا بنقل إنتاجها إلى دول أخرى منخفضة التكلفة وبالتالي تصرف الحكومة أجورًا زهيدة للعمال.

ولا مجال للسؤال بالطبع عن قوانين العمل، فتلك الشركات الكبرى لا تتعاقد مع العمال بشكلٍ رسميّ، ولا تمتلك المصانع التي تُنتج لها من الأساس، فهي بذلك معفيّة من المسؤولية عن الكوارث التي ستحدث للعمل، حتى لو انهار المصنع فوق رؤوسهم؛ أول هذه الدول الصين وثانيها بنجلاديش إحدى أكثر الدول جاذبية لهذه الشركات، في الحقيقة بنجلاديش جنة صناعة الملابس العالمية، فهناك عمال بأجور زهيدة، بلا معاشات، وبلا قوانين عمل، وماذا تريد الشركات أفضل من ذلك من أجل تراكم رأس المال؟

هذه العمالة الرخيصة ما هي إلا آباء وأمهات تركوا أبناءهم ليعيشوا في مساكن غير آدمية، غير قادرين على اصطحاب أبنائهم معهم إلى المدينة الصناعية، ولا يرونهم سوى مرة أو مرتين في العام. وفي كل مرة ترتدي فيها قطعة ملابس كُتب عليها «صنع في كمبوديا» التي تزود المولات الأمريكية بملابس لماركات مثل: «GAP» و«ماركس وسبنسر» و«أديداس»، تذكر حينها خروج عمال الملابس الكمبوديين ليطلبوا حدًا أدنى للأجور 160 دولارًا، لترد عليهم الحكومة بوحشية، وتقتل البعض ضربًا والبعض ترسله إلى المعتقل.

وقد بيّن تقرير لـ«هيومان رايتس ووتش» بعنوان «اعمل بسرعة وإلا ستُطرد» أن هناك أطفالًا تحت سن 15 يُدفعون للعمل في هذه المصانع، وتبعًا للتقرير فالمصانع التي تزود «H&M» بالملابس نسبة الأطفال العاملين بها 20 -60%، ولأن الغالبية العظمى من العاملين بهذه المصانع نساء قد تصل نسبتهم إلى 90%، فإنهن يتعرضن للتحرش الجنسي، والحوامل منهن يعانين من التمييز فلا أحد يريد عاملًا بطيئًا وغير منتج ولا يتحمل ضغط العمل اللاإنساني.

وبحسب التقرير نفسه يُمنع العمال من الذهاب لدورات المياه، فمسموح لهم بالذهاب مرة واحدة أو اثنتين خلال 10 ساعات. فأحد المصانع في التقرير يُعلن في مكبرات الصوت قائلًا «لا تذهبوا إلى الحمامات أنتم بحاجة للخياطة بشكل أسرع».

«صُنِع بدماء العمّال»

تُصنع أغلب منتجات صناعة الملابس في مصانع استغلالية تسمى بالـ«sweat shops» هي المورّد للشركات الكبرى وهو مصطلح يشير إلى مصانع صغيرة، يعمل فيها الناس في ظروف شديدة السوء، بدون وسائل أمان، بأجور متدنية، لساعات طويلة؛  تصل إلى 15 ساعة، لمضاعفة الإنتاج، وغير مسموح بالتحرك من مكان العمل، باختصار عمل بالسخرة.

وتوجد هذه المصانع في الدول النامية حيث لا يطبّق أحد قوانين العمل. ويُذكر أنه في الفترة من 2005-2013 فقد 1800 رجل وامرأة حياتهم في بنجلاديش من أجل صُنع الملابس، سواء بسبب انهيارات المصانع أو الحرائق. فالإنتاج السريع يتطلب عمالة بأجر زهيد وهو نموذج مثالي للاغتراب عند ماركس، فالعاملة التي تصنع هذه الملابس لن تستطيع شراءها أبدًا.

مصنع في بنجلاديش، المصدر

في 24 أبريل (نيسان) 2013 وقعت كارثة «رانا بلازا»، فقد انهار مصنع «رانا بلازا»  للملابس في مدينة سافار ببنجلاديش، وأسفر انهيار المصنع ذي الثمانية طوابق عن مصرع 1100 من العمال والعاملات، وأصيب أضعافهم بجروح شديدة سببت لبعضهم العجز وعدم القدرة على العمل مجددًا.

وقد ضم مبنى «رانا بلازا» عدة مصانع ملابس مزودة لشركات عالمية، وما يثير الأسى والغضب أيضًا أن العمال قد أخبروا المديرين قبل وقوع الحادث بوجود شقوق في المبنى، لكنهم أُمروا -أو أُجبروا بمعنى أصحّ- بالعودة إلى العمل ولو على حساب أرواحهم، وهو ماحدث فعلًا.

وقد قدّرت منظمة «الشفافية العالمية» أن 10% من أعضاء البرلمان بالبلاد على صلة بقطاع صناعة الملابس ببنجلاديش. ووصفت إحدى العاملات الكارثة بأنها «جريمة قتل»، نفذها السياسيون وأصحاب العمل فالجميع كان يعلم في اليوم السابق للحادث أن المصنع غير آمن. ترى هل ارتديت قميصًا صُنع في «رانا بلازا»؟

قصَّة العبودية.. متى بدأ الإنسان يستعبد الإنسان؟

صناعة الملابس تقتل الكوكب ببطء

تُعد صناعة الأزياء ثاني صناعة ملوثة للبيئة بعد النفط، وثاني أكبر مسبب لتلوث المياه، سندرك ذلك عندما نعلم أن 84% من الملابس تم التخلص منها في أمريكا عام 2012 عن طريق الترميد ومكبات القمامة. وعندما تحترق الألياف الطبيعية كالقطن والكتان والحرير، وشبه المصنّعة المخلّقة من سليلوز لب الشجر مثل الرايون، واللايوسل والمودال، تنبعث منها غازات دفيئة مثل الميثان.

فالملابس القديمة لا يمكنها التحلل حتى لو كانت مصنوعة من مواد طبيعية. لأن الألياف الطبيعية تمر بعمليات تبييض وصبغ وطباعة وتنظيفها في حمامات كيميائية، وحرق الملابس في عملية ترميد النفايات يُطلق مواد سامة إلى الهواء. ومن ناحية أخرى فإن الأزياء السريعة تستخدم شيئًا آخر خطيرًا هو الرصاص، لتشكيل ألوان الأحمر والأخضر والأصفر والبرتقالي، والخطر في الأمر أنه لا توجد نسبة آمنة للتعرض للرصاص.

حملة لحث صانعي الأزياء السريعة على عدم استخدام مواد كيميائية ضارة في إندونيسيا- المصدر

ثمن فادح تدفعه الأنهار والطبيعة

نحن نستخدم الماء في صناعة الملابس والأرض التي نزرع فيها القطن الذي يستخدم في النسيج ومواد كيميائية في الصباغة. وإحدى المدن الصناعية التي تعاني بسبب ملابسنا هي كانبور عاصمة تصدير الجلود في الهند وأحد أكثر مدن العالم تلوثًا، والتي تقع على ضفة نهر غانغا الذي تموت الأسماك على جانبيه بسبب تلوث الماء والذي  ينتفع منه 800 مليون مواطن هندي.

لكن المياه تصل للناس بلون أصفر وطعم مالح، ويتعرض هذا النهر لتلوث شديد بسبب مصانع الجلود في كانبور؛ فيوميًا يخرج إلى النهر أكثر من 50 مليون لتر من المخلفات السامة من مصانع الجلود المحلية. المخلفات الكيميائية الثقيلة التي تستخدم في معالجة الجلود مثل الكروم السداسي تذهب مع المياه وتصل إلى الأراضي الزراعية وكذلك مياه الشرب.

تحصل الشركات الأمريكية الكبرى على المواد الرخيصة وتتجنب كل هذا العناء، والتكلفة يدفعها فقط من يسكنون حول هذا النهر مصدرهم الوحيد للشرب. وما يجنيه سكان البلدة هو الأمراض التي تجتاحهم بسبب المخلفات الكيميائية من الطفح الجلدي والثآليل وحتى سرطان المعدة.

الموت نظير 100 جنيه يوميًا.. تعرف إلى معاناة عمال المحاجر في مصر

كي لا يموت عامل في مقابل قميصك

«لا نريد مالك مصنع مثل (رانا بلازا)» هكذا تقول إحدى عاملات الملابس في الفيلم الوثائقي «The true cost» الذي أُنتج عام 2015 للمخرج أندرو مورجان، الذي قال عنه إنه غيّر طريقة رؤيته تمامًا لعالم صناعة الأزياء.

 

الذكرى الخامسة لكارثة «رانا بلازا»

وفي سبيل حماية البيئة من الأثر المدمّر للأزياء السريعة ظهرت الأزياء المستدامة أو الموضة البيئية، والاستدامة تعنى بالطريقة التي تُنتج بها الملابس والطريقة التي نستهلكها بها، وتعتمد على الزراعة العضوية، وعلى الجانب الآخر تشجع استراتيجية الملابس المستدامة على ارتداء ملابس مستعملة، وعلى إعادة التدوير.

سارة عبد الرحمن فنانة مصرية ترتدي ملابس صديقة للبيئة عبارة عن قميص مصنوع من 30 كيسًا من البلاستيك معاد تدويرها، المصدر

ليفيا فيرث صاحبة مكتب استشاري للاستدامة اسمه «ايكو إيدج»  تنادي بتغيير كبير في صناعة الأزياء، وأنشأت ما أسمته بـ«تحدى السجادة الخضراء»  وهي مبادرة تحث المشاهير ومصممي الأزياء على ارتداء ملابس صديقة للبيئة ولا يموت العمال في سبيل تصنيعها، ليفيا سافرت إلى بنجلاديش وتقول إن هذه الزيارة غيّرت حياتها بالكامل، ذلك لأنها رأت بعينيها النساء اللاتي يصنعن ملابسها، ولا يستطعن حتى أخذ إجازة مرضية حتى لا يفقدن عملهن، وقالت أيضًا أنها لا يمكن أن تتجاهل ما رأته.

زارت ليفيا مصنع «رانا بلازا» ووقفت لتقول «أتمنى أن يتحلى صاحب الشركة التي تدر له المليارات بالشجاعة ليجيء إلى هذا المكان التي دُفن العمال تحت أنقاضه وهم يصنعون له الملابس».

بعد خمس سنوات من الحادث المروّع تغير الوضع بعض الشيء فقد تم توقيع اتفاقية في 15 مايو (أيار) 2013 بين الشركات العالمية والنقابات العمالية لضمان سلامة المباني من الحرائق ولضمان سلامة العمال. حتى لا يموت عامل آخر في سبيل صنع قميص لا يستطيع شراءه.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد