منذ قرون طويلة كان الهِجاء وتمجيد الذات جزءًا أصيلًا من الشعر العربي القديم؛ إذ انبرى الشعراء حينذاك في اتّخاذ اللسان سلاحًا لإذلال العدوّ وإظهاره ضعيفًا وجبانًا، وقد جاء هذا مقترنًا بتقديس الذات وتمجيدها وانتصار الشاعر لنفسه أو قبيلته أو مجتمعه؛ فيقول ابن العباس الرومي في إحدى قصائده الهجائية: «أمِثل عمروٍ يُهينُ مثلي؟»، كنوعٍ من الاحتقار والتقليل من شأن الآخر، في مقابل مديح النفس وتمجيدها.

كما نجد نوعًا آخر من الشعر غارقًا في تمجيد الذات عند المتنبي؛ فيقول في بيته الشهير:

أنا الذي نظرَ الأعمى إلى أدبي *** وأسمعت كلماتي من به صممُ

إذ كان المتنبي نموذجًا فذًا لروح الشاعر المعتدّة بنفسها، كما جاءت بعض أشعاره نابعة من الغرورِ والشعور بالتميّز على الآخر، في قوله: «ما أبعد العيب والنقصان عن شرفي، أنا الثريا وذان الشيبُ والهرمُ».

إلا أن أشعار تمجيد الذات والهجاء لم تقِف عند تلك الفترات السحيقة من تاريخ العرب؛ إذ اتّخذ الأمر عبر العصور شكلًا آخر.

نجده الآن حاضرًا في فنونٍ عدّة منها المسرح والتليفزيون، وحتى البرامج الحوارية، ذلك حتى اقتحم فن «الراب» وموسيقى الهيب هوب المجتمعات العربية منذ سنواتٍ قليلة، لتبدأ «حروب الراب» اليوم في استبدال معارك الهجاء القديمة، ويتجدّد معها فنّ السباب وتعظيم الذات، ليستخدمه الممثّل محمد رمضان اليوم، باعتباره قادرًا على تحقيق أعلى نسب المشاهدة والوصول إلى قاعدة أوسع من الجمهور.

بالأمس طرح الفنان المصري محمد رمضان أغنيته الجديدة «مافيا» على موقع التواصل الاجتماعي «يوتيوب»، والتي حققت خلال ساعات قليلة من طرحها نجاحًا كبيرًا؛ إذ تخطت حاجز 5 مليون مشاهدة في 24 ساعة، كما احتلت الأغنية قائمة الأوسمة والترندات على المنصة الاجتماعية «تويتر»؛ إذ يشيد جمهور محمد رمضان بجودة الصورة في المقطع المصوّر مؤكدين أنه يشبه الأفلام الهوليودية القديمة.

اعتمد محمد رمضان في الفيديو على الإثارة والإبهار البصري، كما قام باختيار رقصة جديدة وسهلة متوقِّعًا أن تتحوّل إلى صيْحة يؤديها الآلاف من بعده، في فيديو من إخراج ياسر سامي، وجاءت كلمات الأغنية مُغرقة في الشعور بتمجيد الذات؛ لا لشيء سوى أنها تستحق أن تُمجّد، فلماذا في رأيك قد تصبح «مافيا» هي الأكثر نجاحًا في 2019؟ وهل يمكن لأغنية أن يكون لها أعراض جانبية وآثار نفسية على المدى البعيد؟

عبد الفتاح القصري.. «ابن الذوات» الذي أضحك الجميع وبكى وحيدًا

«الأسطورة» وسلسلة تمجيد الذات

منذ عرض مسلسل الأسطورة في رمضان 1437هـ (2016)، حقّق محمد رمضان شعبيّة كبيرة في أعمالٍ اتّسمت بتمجيد الذات؛ وبدأ الجمهور العريض على مقاهي القاهرة ينتظرون ساعة عرض المسلسل ليشاهدوا ناصر الدسوقي (محمد رمضان) وهو يحلّ محل أخيه رفاعي – محمد رمضان أيضًا – في عالم تجارة السلاح، مُتخليًا عن حلمه في أن يدخل سلك النيابة بعد أن قُتل أخوه عمدًا بالرصاص؛ ليصبح «الأسطورة».

وقد وصف بعض الكتّاب المسلسل بأنه نجح في خلق جوّ مصريّ أصيل، يشبه سلسلة أفلام الأب الروحي «The Godfather»، ويتحول فيه الأسطورة إلى أبٍ روحي مصري يقدّس بعض المصطلحات الكلاسيكية مثل «العائلة» و«الوفاء» و«الانتقام».

ومنذ ذلك الحين بدأ محمد رمضان في تصدير ذاته كـ«بطلٍ شعبي»، مُخَلِص، يشبه أبطال السيرة الهلالية وأدهم الشرقاوي، حتى أنه في فيلم «الكنز» عام 2017 قد لعب دور علي الزيبق «أشطر الشطار» في التراث الشعبي ورمزًا للثورة على الظلم والفساد، وتحقيق المظالم في ظل الحكم العثماني للبلاد، كما لعب دور الأب والابن في الوقت ذاته، كما كان الأخ في «الأسطورة»، وكأنما لا يمكن لأحدٍ أن ينجبه سواه.

في عام 2018 بدأ محمد رمضان سلسلته الغنائية، والتي بدأت بإعلان اتصالات «أقوى كارت في مصر»، وظهر فيه محمد رمضان يرتدي الملابس الفضفاضة، والسلاسل المتدلية على الصدر، وهو مظهر يشبه هذا الذي تميزت به موسيقى «الهيب هوب» الأمريكيّة ومغنوها، إضافةً إلى السيارات الفارهة دلالةً على رغد العيش، ويصطحب معه أسدًا، باعتباره حيوانه الأليف، وكلمات بها شيء من تمجيد الذات.

تلك التيمة التي استغلّها بعد ذلك في سلسلة من المقاطع المصوّرة الناجحة، حققت شعبية كبيرة خلال العام الماضي.

كانت الأغنية الأولى هي «نمبر وان»، والتي جاءت في إطار سرد انتصارات ذاتية على الظروف، ليصبح رمضان فيما بعد «نمبر وان»، يجلس على أريكته غالية الثمن ويشاهد مجموعة من أجهزة التلفزيون تُذيع أخباره، وتصدُّره الإيرادات، متربّعًا على العرش فيما يتعلق بالإيرادات والجماهير، ويحط من قدر المنافسين مُبرزًا الثروة الهائلة، وهو ما وصفه البعض بأنه نموذج مُعلّب لأغاني «الهيب هوب» الأمريكية، أضيفت له بعض اللمسات الزائفة ليبدو محليّ الصنع؛ فظهر كمسخ هجين.

إلا أن هذا لا ينفي ما حقّقته الأغنية؛ مما يزيد عن 68 مليون مشاهدة خلال العام الفائت، وفيديوهات المعجبين التي انتشرت بعدها وهم يؤدّون حركات الأغنية ويرقصون عليها.

أما الأغنية الثانية والتي جاءت بعنوان «الملِك» يظهر فيها محمد رمضان بصحبة الأسد «ملك الغابة» مرّةً أخرى باعتباره حيوانه الأليف، ويتشبّه به، وتحيط به النساء من كل جانب، ويعيش حياة البذخ، معتبرًا نفسه «الملك» في هذا الزمان، ومتسائلًا عن هؤلاء الذين شككوا في نجوميته.

على صعيدٍ آخر قام وصف نجوم ومشاهير الفن محمد رمضان بالغرور؛ إذ علّقت ناهد السباعي على ذلك بنشر إحدى صُور جدها الفنان الراحل فريد شوقي، قائلة: «فريد شوقي، ملك الترسو، وحش الشاشة، آخر ملوك مصر»، في حين علّق آخرين بقول «الملك هو الله». وهاجم وائل الإبراشي الأغنية عبر برنامجه العاشرة مساءًا بقول: «محمد رمضان لا ينقصه سوى ادعاء النبوة».

وقد جاء رد الفنانة بشرى بطريقة مختلفة؛ إذ طرحت منذ أيام أغنيتها «كوبرا»، والتي جاءت على نفس الرتم الموسيقي لأغنية محمد رمضان، تهاجمه فيها بقولها: «ملك الغابة لدغته كوبرا»، إلا أن الأغنية لاقت انتقادات عديدة على مواقع التواصل الاجتماعي؛ إذ صرح الناقد طارق الشناوي أن ما فعلته بشرى يندرج تحت طائلة الحماقة، وأن بشرى ليست من مُنافسي محمد رمضان، ولن تكون؛ في حين ردت بشرى على مهاجميها قائلة: إن ما قدمته نوع من الفن الغربي، يطلق عليه «Cross song»، وأن حق الرد مكفول لمحمد رمضان.

محمد فوزي.. «ابن طنطا» الذي غنَّى لأم كلثوم وأبي نواس ولحَّن النشيد الوطني الجزائري

الجذور النفسية لـ«مافيا» محمد رمضان.. قفزة نوعيّة تتخطى ما قدّمه من قبل

في تجارب محمد رمضان الفائتة، سواء في «نمبر وان» أو «الملك»، كانت الأغاني غارقة في الذاتية، تستعرض أعماله الفنية أو إيراداته وأمواله وما وصل إليه من مكانة، ويمكن للجمهور أن يدندنها أو يرقص على أنغامها، إلا أنّه لا يشعر بالتوحّد معها؛ لأنها وإن كانت تعبر بذاتية عن الفنان، فهي لا تعبر بنفس الذاتية عن أي من جمهوره.

أما أغنية «مافيا»، فالوضع مختلف؛ إذ جاءت الأغنية تمجّد أيّ ذات تستمع إليها، لا لشيء سوى لأن ذواتنا تستحق أن تمجّد، ولذا يمكن للجمهور بسهولة أن يشعر بالتوحد معها، ويردّد كلماتها دون الشعور بالانفصال عن ما يردّده، فيرقص على حركاتها السهلة، والتي يمكن أن يؤديها أي شخص، وهو يشعر بالزهو وحب الذات والانتصار على كل ما يواجهه، وهو ما يؤهلها لأن تصبح الأكثر نجاحًا في مصر خلال العام الحالي، على الرغم من طرحها في بدايته. لكن هل هناك آثار جانبية نفسية لهذه المبالغة في تمجيد الذات؟

يُقسّم مؤسّس عِلم التحليل النفسي سيجموند فرويد النفسَ البشرية في كتابه «الأنا والهو» إلى ثلاثة أقسام: «الأنا العليا، والأنا، والهُوَ»، وأن أية شخصية هي مُحصّلة مزج بين الأقسام الثلاثة، وأن الأنا ما هي سوى المنطقة الوسطى والمعتدلة ما بين الهُوَ والأنا العليا؛ والتي نتعامل بها مع العالم الواقعي، في حين يمثل النزاع ما بين الأنا والأنا العليا، خلافًا بين ما هو واقعي وما هو نفسي، أي بين العالم الخارجي للنفس البشرية والذي تتعامل به الأنا وبين العالم الداخلي للنفس والذي تعبّر عنه الأنا العليا، تلك الأنا المثالية التي يرغب المرء في الوصول إلى ما تمثله، وهو الكمال، والتي يعبّر عنها ما يرمز إليه محمد رمضان في أغنياته، فقد وصل أخيرًا إلى الوجه الكامل الذي ينشده.

صورة من الأغنية الأخيرة (مافيا)

يرى فرويد أن أية انحرافات أو تضخّم في الأنا يُصاحبه مجموعة من السلوكيات الغارقة في الأنانية والغرور والفخر وتمجيد الذات، في حين تقول عن ذلك الدكتورة مرسلينا شعبان حسن في ورقتها البحثية «الأنا القاتلة واستثماراتها النرجسية»: إن النرجسية هي الشذوذ النفسي الأكثر انتشارًا بين الإنسان المعاصر؛ فإذا كانت الشخصية النرجسية تهدف إلى الحصول على القبول والاستحسان والإعجاب؛ فإنها من ناحية أخرى تحاول تعويض مشاعرها الداخلية التي تتمثل في اليأس والنقص والحزن.

الأنا في عصرنا المعاصر، بحسب مرسلينا، تتمثَّل قيمها في تحقيق السلطة والنجاح؛ إذ يصبح من الصعب مقاومة هذا الإغراء، والسقوط والاستسلام للغواية؛ مما يوضّح أن تحقيق تلك السلطة أو النجاح أو الثراء أصبح الهدف المنشود لأي شخص يعيش في عالمنا.

تشير أيضًا إلى أن الأنا يمكن أن تصبح قوى إبداعية، إلا أنها في بعض الأحيان تتحول إلى أداة تدميرية؛ إذ إن الغرق في حب الذات وتمجيدها قد يكون له أثر عكسي في إخفاقاتها، كما أنّه يعمل على حجب رؤيتنا للواقع كما هو، وهو الخط الفاصل ما بين الثقة بالذات وتدميرها.

في الوقت الذي نظر فيه «نارسيس» – بطل الأسطورة الإغريقية – إلى وجهه المنطبع على سطح البُحيرة، أعماه حب الذات وسقط فيها، ومن هنا تنبع الصورة القاتمة لحب الذات، تلك التي قد تقود صاحبها إلى التهلكة، أو تعميه عن رؤية حقيقية لواقعه.

قد تكون «مافيا» محمد رمضان، والتوحّد معها قادرًا على أن يخلق لدى الأفراد نوعًا من الثقة بالنفس، طالما احتاجته البلاد العربية في ظل ما تحياه الآن من يأس وتخبّط وإحباط على المستوى السياسي والاقتصادي؛ فالمحبطون والمهزومون يحتاجون إلى الشعور بأنهم «مافيا، مافيا، مافيا»، وأن لديهم القدرة للتغلب على ما يواجهونه من ظلمٍ وصعاب واكتئاب، وأن يرقصوا على أنغام انتصاراتهم الذاتية بزهو، إلا أنه – وكما تشير المحللة النفسية مارسيليا – قد تكون الثقة بالنفس ظاهرية فقط، إذ إنّ ممجدي الذات يشعرون في أعماقهم بالقلق وعدم الإحساس بالأمان.

محمد صبحي.. «وزير الأخلاق» الذي لا يمل اللعب على كل الحبال

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!