«عين الحسود فيها عود» و«العين عليها حارس»، عبارات نسمعها في حياتنا اليومية ونستخدمها دون أن ندري أن لها أصولًا تعود إلى حياة المصريين القدماء الذين آمنوا بالسحر والحسد، وصنعوا الأحجبة والتمائم من أجل الحماية من العين، وقد تكون هي الممارسات التي أشار إليها جمال الغيطاني في كتابة «نزول النقطة» الذي يحكي عما تبقى من الموروثات الفرعونية في الثقافة المصرية المعاصرة.

اليوم قد يكون وقع كلمة «السحر» على آذاننا كريهًا، فنحن نربط بينه وبين «الأعمال السفلية»، لكن المجتمع المصري القديم كانت لديه نظرة مختلفة عن السحر، إذ مارس «السحر الأبيض» من أجل جلب الرزق وصلاح الزرع والحماية من أرواح الشياطين بحسب اعتقاده، وبالتالي كان مرتبطًا بكل تفاصيل حياة المصريين القدماء من ميلادهم وحتى بعد الوفاة. فما الذي تعرفه عن ثقافة السحر في مصر القديمة؟

حياة مُطرزة بالسحر.. المصريون القدماء ومنحة الآلهة

في الحضارات القديمة وبالتحديد الحضارة المصرية، كان السحر شائعًا ومتداولًا حتى إنه تاريخيًّا أسبق لظهور الديانة بحسب بعض علماء المصريات، ومنهم إيفان كونج، صاحب كتاب «السحر والسحرة عند الفراعنة»، ولأن المصريين عرفوا السحر أولًا ثم الآلهة ثانيًا، فقد كان السحر عنصرًا أصيلًا في هذه الديانة.

وقد انقسم السحر إلى نوعين، أحدهما «أبيض»، ذو أهداف نبيلة وسامية، والآخر «أسود» بكل ما ارتبط به من رغبة في الأذى والضرر، وقد كان «السحر الأبيض» هو النوع الذي احترفه المصري القديم ومارسه في حياته اليومية، إلا أن هذا لا يعني أن السحر الأسود لم يكن ممارسًا، لكنه لم يكن شائعًا ومتداولًا مثل «السحر النبيل السامي» كما أطلق عليه إيفان كونج، الباحث في علم المصريات، وهو السحر الذي كانت إحدى مهامه ترتبط بإبطال مفعول السحر الأسود لمن وقع عليه ضرر أو أذى.

تاريخ

منذ شهرين
لا تختلف كثيرًا عن أطباء اليوم.. رحلة في حياة طبيبة مصرية قديمة

فقد عد المصري القديم السحر إحدى الأدوات التي وضعها الخالق العظيم في يديه، فهو هبة الإله للبشر من أجل الحماية، ومن ثم كان من الطبيعي أن يلجأ إليه في كل وقت، فنجده يقدم القرابين للآلهة، ويستخدم الرقى والتعاويذ من أجل التأمين والحماية، كما استخدم السحر في الطب وكانت الرقى جزءًا من عملية العلاج.

عد المصريون القدماء السحر قوة خاصة أطلقوا عليها لفظ «حكاو»، وهي من القوى التي استخدمتها الآلهة في خلق الكون بحسب اعتقادهم، وبالنسبة إليهم ليس السحر سوى إرادة وتعبير عن الرغبة الكامنة في الكائنات؛ إذ تمنحها الإرادة قوة لتتحقق، الأمر الذي نجد أسراره حاضرة فيما خلفوه من نقوشٍ وكتابات على جدران المعابد.

فقد اعتمدت الممارسات الأولى للسحر على الأشكال والنقوش، فما ننظر إليه اليوم على أنه جزء من الفن القديم، كان في حقيقة الأمر ركائز سحرية استخدمت في المعابد والمقابر والمساكن لجلبِ الأمن والاستقرار والخير، ودفع الشرور والأخطار.

Embed from Getty Images

الحياة اليومية في مصر القديمة

وارتبط السحر بكافة مظاهر حياة المصري القديم، لدرجة أنه لا يُحضِّر طعامه أو يتهيأ للنوم إلا إذا تلا بعض التعاويذ والصيغ السحرية، وقد عرف الشعب مختلف أنواع الرقى والتعاويذ الخاصة بالحماية وجلب الرزق والمال؛ وكذلك حافظوا على تقديم قرابينهم للآلهة للأسباب ذاتها.

وبذلك أصبح السحر، تقريبًا، الاهتمام الأول لدى المجتمع المصري القديم؛ مما جعل الكاتبة أبكار السقاف تصفه بـ«مجتمع سحره السحر» في كتابها «الدين في مصر القديمة»، إلا أن المعرفة الحقيقية للسحر حسب ما فهموه في ذلك العصر تركزت في أيدي الكهنة، وبها مارسوا سلطتهم الروحية على الأهالي وسيادتهم.

الكهنة.. سحرة البلاد وعلمائها 

كان السحر بالنسبة إلى الثقافة المصرية القديمة هو الذي يخلق التوازن ويعادل القوى، وهو هبة يمكن الاستعانة بها لمصارعة قوى الشر وقد استخدم المصريون «السحر الدفاعي» لرفع الأذى، ورفض أكثرهم السحر الأسود لأسبابٍ أخلاقية متمثلة في الحكم والأخلاقيات التي رسمت ملامحها الديانة المصرية القديمة، وحثت على التحلي بالورع الشخصي.

ولأن السحر كان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالديانة المصرية، فقد كان سادة هذا العلم هم كهنة المعابد الذين امتلكوا كل فنونه وأسراره، ولم يتركوا للعامة سوى هذه الممارسات البسيطة والموروثة، بل كان احتراف السحر بين الكهنة متدرجًا أيضًا، فإذا كان الكهنة المُلمين بالنصوص يحسنون تطبيقها وممارسة السحر، فقد كان كبار الكهنة القائمون على الشعائر هم أكثر السحرة مهارة.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
هل تحدثت البرديات المصرية القديمة عن قصة موسى؟

حينها كان الكاهن هو العالم الأوحد بالبلاد، فهو القادر على تهدئة الآلهة «سخمت» (آلهة الحرب والأوبئة) حسب اعتقادهم، مثل «كهنة وعت» (كهنة الآلهة سخمت) وكذلك كان الكاهن هو الشخص الذي يجمع علوم الحكمة كلها في يديه من الكيمياء إلى الطب والفلك والتنجيم، مثل «كهنة الترتيل» (الدارسين للعلوم)، ومن ثم كان الكهنة هم حراس المعرفة التي «منحتها الآلهة لبني الإنسان».

وفي ذلك الزمان لم تكن المعابد مجرد أماكن للعبادة؛ بل كانت «بيتًا للحياة» كما أطلقوا عليها؛ فكان المعبد يعد مكانًا لطلب العلم يحضر إليه دارسو الطب والصيدلة لتلقي العلوم، كما أُلحق بها أماكن للتداوي والاستشفاء، كانت تؤدي عمل المستشفيات حاليًا، وكان الكهان هم من يقومون بالعلاج؛ ولهذا كانوا يلبسون جبة بيضاء ويحلقون رؤوسهم.

وقد انقسمت الأمراض حينها إلى نوعين: واحد اعتبروه نتيجة لأسباب مادية، مثل الجروح، وكسور العظام، وأمراض الجهاز الهضمي، والآخر اعتُبر نتيجة مباشرة لغضب الآلهة أو قوى شريرة؛ إذ اعتُبرت الأمراض غير المعروفة حينها قوى مرتبطة بالغيبيات والعوالم اللامرئية، لذا تداخل السحر مع الطب في ذلك العصر، وإلى جانب استخدام النباتات الطبية جرى إلحاق بعض الرقى والتعاويذ تلتحق بفنون التداوي لدفع المرض بعيدًا، واعتقد المصريون أن الأمراض غير الطبيعية من عمل الآلهة، خاصةً «سخمت» أو نتاج أرواح أموات أو عفاريت، فهي تحل بالمرء عن طريق «نَفَس» أحد الآلهة أو أحد الشياطين من فتحات جسمه من جهة اليسار.

 

وبين الكهنة كان هناك بعض الوظائف الأكثر اختصاصًا، فمثلًا هناك «خرب سرقت» وهو القائم بالتعازيم والرقى من أجل الإلهة «سرقت»، والتي جُسِّدت على هيئة عقرب، وهي إلهة الطب والسحر والشفاء من اللسعات، وتركز تخصصه على عمل محدد هو معالجة لدغات وقرصات الحيوانات الخطرة، رغم ذلك كان الكاهن يجيد الشعائر ومختلف العلوم الأخرى إلى جانب تخصصه، ولذلك اشتُهرت مصر في العالم القديم بتطور الطب فيها، وبالتحديد بين كهنة المعبد، الذين وصفهم هيرودوت أنهم «أطباء مشاهير كان ملك الفرس يستدعي بعضهم إلى بلاطه».

«الرقى والتعاويذ».. الكلمة تُغيِّر العالم

اتخذت الكتابة في الديانة المصرية القديمة طابعًا مقدسًا، فكانت تعبيرًا عن الكلمة الإلهية، لذا فإن أي كلمة ترتبط بالشيء الذي تدل عليه، وكانت كتابة اسم شيء ما تعني إظهار هذا الشيء أو إيجاده؛ إذ آمن المصرى القديم بأن للكلمة المكتوبة أو المسموعة (وخصوصًا تلاوة الرقى والتعاويذ) تأثيرًا في العالم المادي الملموس، ولذا عمد إلى استخدامها في السحر. 

وكذلك ارتبط السحرِ بالطهارة في مصر القديمة، فالطهر يساعد على الاتصال بقوى ما فوق الطبيعة؛ مما يسمح للساحر بممارسة عمله، لذا كان على الكهنة المحافظة على طهارتهم، وخاصةً كهنة «وعت»، كي يكونوا ذوي نفوذ وسيطرة على الربة «سخمت» إلهة الحرب والأوبئة، ويستطيعون تهدئتها، فالطهارة الشعائرية تسمح للساحر بأن يدخل إلى نطاق أسرار الأرباب، حيث معرفة سر «حورس» الذي يصرع أي أفعى.

وقد آمن المصريون القدماء بقانون التماثل، فمعرفة سر حورس تعني أن يصبح الساحر نفسه هو «حورس» وبالمنطق نفسه تعد كتابة أي شيء بمثابة إظهاره، لهذا كانت الكتابة وترتيل الصيغ. والطهارة والنقاء يسمحون بالاتصال بما هو فوق طبيعي.

ومن طقوس التطهير لدى الكهنة، والتي تسبق القيام بالشعائر، الامتناع عن أي طعام ذي روح، لمدة لا تقل عن سبعة أيام، وتجنب النساء، والاغتسال ثلاثة مرات في اليوم بالماء البارد، وكان فراشهم من جريد النخيل، أما الوسادة كانت قطعة من الخشب ناعمة على شكل نصف أسطواني، وهم مدربون على العطش والجوع، فتلك الممارسات المتقشفة تساعد على تطهير الروح، حسب اعتقادهم.

تعويذة من كتاب الموتى – المصدر Time travel spells

عُد السحر المصري علمًا له نصوص خاصة وتعاويذ يرجع إليها الساحر قبل القيام بالشعائر، التي انقسمت إلى نوعين: شعائر شفهية مثل ترتيل الصيغ والتعاويذ، تتبعها شعائر عملية يستعين فيها الساحر بجسم وسيط.

واستخدم المصريون القدماء الصيغ والتلاوات السحرية في المقام الأول لدفع قوى الشر وخاصة «العين»، إذ عُدت «النظرة» إحدى قوى الشر التي يمكن أن تصيبهم، لذا كان المصري دائم طلب الحماية منها، فبالنسبة إليه كانت تلك العين تمثل عين «أبوبيس الشريرة»، وهو الثعبان الذي يهدد المركب الشمسي بالخطر أثناء عبورها نحو المغيب.

فيقول في أحد الابتهالات طلبًا للحماية: «تحوت، سوف تقوم بحمايتي، وهكذا فلن أخشى العين»، وفي نصٍ آخر: «أما الإله الأكبر المقيم في بيت الحياة فإنه يعمي أعينكم، أنتم جميعًا، من ينظرون بعينٍ شريرة نحو بوليمينبسوت بن متموسخت».

وعادة ما تبدأ الشعائر بتقنية «الترحيل»؛ أي نسب أمر الحالة التي يعيشها المريض إلى الآلهة، ففي حالة إن لدغ أحدهم ثعبان، يقول الساحر إن المريض قد لدغه ثعبان مثل «حورس»، وبالتالي يُحيل الأمر إلى الآلهة ويُشركها في الحدث، فيقول: «لقد خلص من خلص بفضلِ إيزيس، حورس قد خلص بفضل إيزيس من الأذى».

فالساحر يعد حدثًا عارضًا (مثل لدغة عقرب) إخلالًا بالنظام الطبيعي للكون، ومن ثم كان يجب ألا تحدث، وعن طريق إشراك الآلهة بالحدث وإحالته إلى حدث قديم مرتبط بعالم الآلهة انتهى نهاية سعيدة، فهو يعمل على تغييره لتحقيق الشفاء للمريض حسب اعتقادهم.

وحالما ينتهي الكاهن من ترتيل الصيغ الخاصة بالشفاء، تبدأ الطقوس العملية، وهي العناصر أو النباتات التي يجري استخدامها للاستفادة من فوائدها، مثل نبات «الأثل» دائم الاخضرار، والذي كان يعلق في أعناق الأطفال لجلبِ الحظ، أو غير ذلك من عناصر الطبيعة التي استخدمت للحماية من العين الشريرة أو طرد الشياطين والأرواح.

Embed from Getty Images

مقبرة توت عنخ آمون بوادي الملوك في مصر

ولم يكن السحر خاصًّا بتنظيم شئون المعيشة أثناء الحياة فقط، بل آمن المصرى القديم بأن التعاويذ والصيغ السحرية بإمكانها أن تصاحبه في رحلته إلى العالم الآخر، فقد استخدم المصريون السحر في طقوس تحضير الموتى للانتقال إلى العالم الآخر، وهو ما نجده جليًّا في «متون التوابيت»، التي كان في أغلبها مجموعة من التعاويذ تعمل على مساعدة المتوفى لتعبر روحه إلى الجانب الآخر بسلام. 

لذا استخدموا الرقى والتعاويذ والصيغ السحرية أثناء عمليات التحنيط التي كان لكل جزءٍ منها نصًّا خاصًّا يُتلى، ولذلك فإن النصوص والنقوش التي رسمت على جدران مقابر القدماء، وخصوصًا النبلاء منهم، نقشت بقصدٍ سحري، وهو أن تتحقق محتوياتها في الحياة الأخرى.

ولم تكن تعاويذ القبور هدفها حماية المتوفى من الشرور أثناء رحلته، بل كانت من وجه آخر تهديدًا لمُنتهكي حرمات القبور، وهو أسلوب مألوف منذ عصر بناة الأهرام بدءًا من الأسرة الرابعة، لتوفير الحماية للمقبرة من السرقات، مثل: «فليهاجمه التمساح في الماء، فليهاجمه الثعبان على الأرض، هذا الذي يقترف شيئًا ضد هذه المقبرة».

كل هذه الممارسات كانت تدخل في نطاق «السحر الأبيض» بمصرِ القديمة الذي ارتبط بشتى مناحي الحياة، وحاز اهتمام سكانها، فالفلاح لا يكتفي بالجهد العضلي المبذول كي ينعم بمحصول وفير، بل كان يستخدم التمائم والتعاويذ للحماية من الشرور والأرواح المؤذية، والملك لا يكتفي بإعداد الجيوش بل يستخدم السحر للحماية من الأخطار الخارجية، ولأن السحر كان جزءًا من الديانة المصرية القديمة فقد تمحورت حوله الحياة.

مجتمع

منذ 4 سنوات
من أين أتى المصريون؟ مصر قبل ظهور الفراعنة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد