فخر فرنسا تحت حذاء هتلر، نظرات الفرنسيين تُخبر أنهم أدركوا في لحظةٍ مأساوية خطأ رهانهم، لكن فات الأوان، هتلر يلتقط الآن صورًا تذكاريةً مع برج إيفل. المناعة الوطنية انهارت، المشككون في جدوى تطوير الجيش الميداني ليتناسب مع تطور الألمان، سكتوا. لا شيء في أجواء باريس، سوى رائحة الدماء الفرنسية وعرق الألمان، والصمت الناتج عن الهزيمة والصدمة، بعد أن انهار «خط ماجينو» الدفاعي المتين.

يُعرف قاموس «ويبستر» كلمة ماجينو، بأنها كل حاجز دفاعي أو إستراتيجية تُلهم شعورًا بالأمان، لكنه شعور زائف. لكن بالرغم من أن كلمة ماجينو صارت دلالةً على الأمان الزائف والفشل الذريع، فإن المقصود منها لم يكن أيًا من الاثنين.

تعتمد ألمانيا مبدأ الحرب الخاطفة، فكان على فرنسا أن تصل على الأقل لحل يُعطل الألمان، ريثما يستجمع الجيش الفرنسي شتاته لصد الهجوم. آمنت فرنسا عميقًا بهذا المبدأ بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918، ففكرت في بناء خط دفاعي ضخم على الحدود الشمالية الشرقية مع ألمانيا.

قال المؤمنون بتلك الفكرة: «إن خطًا من الأسلاك الشائكة والخنادق العميقة المتفرقة، التي امتدت على مسافة 400 ميل، استطاعت تأخير الألمان أربعة أيام سابقًا؛ مما أفسد إستراتيجيتهم في الحرب الخاطفة»، وبالتالي فإذا بنى الفرنسيون خطًا حصينًا، فإن فرص نجاحه في عرقلة الألمان لا شك فيها.

كان شارل ديجول، وبول رينو، على رأس فريق مُعارض لفكرة إنشاء تحصينات ثابتة؛ إذ آمنوا أنه من الضروري صناعة الدبابات والطائرات، بدلًا عن الانكباب على بناء خط دفاعي ضخم؛ فالحرب الميكانيكية المُتحركة أهم من الحرب الدفاعية الثابتة.

اختلفت المدرستان في البحث عن الوسيلة، لكنهما اتفقتا في الهدف: حماية فرنسا، التي عانت من خسائر في الأرض، وفي الأرواح كذلك. 12 ألف كيلو متر مربع من الأراضي الفرنسية احتلها الألمان في الحرب العالمية الأولى، وسيطر الألمان على 40% من احتياطات الفحم الفرنسي، ووقع في قبضتهم 64% من الحديد الخام.

حشدت فرنسا 8 مليون مواطن للقتال، 52% منهم صاروا ضحايا للألمان، أي أن فرنسا خسرت 5% من إجمالي عدد سكانها في تلك الفترة. لذا كانت تلك الحساسية المفرطة التي أصابت الرأي العام الفرنسي تجاه فقد الأرواح، ولذا صار البرلمان الفرنسي مدفوعًا بالدعوات الشعبية المطالبة بتحصين الجنود وبذل كل شيء من أجل حماية أرواحهم، على أن تكون أهم مواصفات الأمر المبذول أن يكون مرئيًا للعامة. وقف وزير الحربية «أندريه ماجينو» أمام البرلمان المتردد ليُلقي فيهم خطابًا تاريخيًا.

خط ماجينو.. ضرورة واجبة

أخبرهم ماجينو أنهم مهما تصوروا أن بإمكانهم تجهيز أنفسهم لحرب مستقبلية، فلا يمكنهم التأكد من الانتصار فيها، لكن الضرورة المُلحة هي حماية أرض الوطن من الاحتلال. ماجينو قال أيضًا أن المصائب يمكن أن تأتي مجتمعة، فإذا أتت الهزيمة، فعلى الأقل على الفرنسيين أن يحرصوا أن لا تتدمر بلادهم بالقوات المهاجمة، وإذا انتصروا في الحرب أيضًا، فإن عليهم أن يقللوا من كلفة الدمار التي ستلحق ببلادهم.

Embed from Getty Images

بهذه البساطة جعل ماجينو إنشاء خط تحصينات ضرورة واجبة، مهما كان المستقبل الذي يتربص بفرنسا. فصوّت البرلمان الفرنسي على إنشاء خط ماجينو على خمس مراحل أساسية، ثم صوّت على قانون ضخم يحمل اسم «قانون ماجينو» يتم بموجبه تخصص 2.9 مليون فرنك فرنسي لتشييد حصون منيعة متفرقة على طول الحدود الألمانية والإيطالية. وسيمر جنين ماجينو بأطوار خمسة حتى يصبح قادرًا على مواجهة الوحش الألماني.

أول مرحلة استغرقت ثلاث سنوات، وتركزت فقط حول الدراسات العسكرية والفنية النظرية للتأكد من سلامة الفكرة التي طرحها ماجينو، واختيار الأماكن المناسبة. في تلك السنوات الثلاث عملت لجنتان بالتنسيق، الأولى تُحدد السيناريوهات المتوقعة لتقدم العدو الألماني، واللجنة الثانية تقرر وضع التحصينات المناسبة لمنع تقدم العدو وفقًا للسيناريوهات اللجنة الأولى.

ثلاث سنوات أخرى استغرقتها المرحلة الثانية التي تشكلت فيها عدة لجان إقليمية لدراسة تقارير اللجان السابقة وتقرر ما سيتم تنفيذه. تلك اللجان الإقليمية كان دوروها أن تُبقي الإنشاءات متناسبة مع الميزانية المخصصة، ليس لقلة المخصصات المالية، لكن لضخامتها، فكان لابد عن التأكد أن كل شيء يذهب لمكانه دون التعرض لاختلاسات في منتصف الطريق.

أما المرحلة الثالثة فاستغرقت منفردةً 11 عامًا، مرحلة التشييد والبناء. صادفت تلك المرحلة رواجًا اقتصاديًا لفرنسا ما جعل الفرنسيين لا يبخلون على حصنهم المُرتقب. فأُنشأت الدُشم والملاجئ، وتمت أعمال الحفر والبُنى التحتية، وبُنيت أماكن المدافع والخنادق الأمامية المخصصة لتواجد الجنود. بعد ذلك بدأ القائمون في بناء أعمال التهوية، والمصاعد الكهربائية، وأماكن مبيت تسع النصف مليون جندي القائمين بالعمل في طوال الخط، ثم إنشاء موانع الدبابات وأنظمة إنذار للحريق، وشبكات للصرف الصحي.

هتلر يتجاهل «فرساي».. وفرنسا تضطر لتغيير الخطط

بانتهاء المرحلة الثالثة عام 1936، كان الفرنسيون قد صبّوا في الخط الدفاعي أكثر من 1.5 مليون متر مكعب من الحوائط الخرسانية وباتوا يمتلكون أكثر من 100 كيلو متر من الدهاليز والأنفاق تحت الأرض، فيهم أكثر من 1536 فرن لصهر المعادن بدرجة حرارة عالية لتصنيع الأسلحة واستخدام المعادن المذابة في أغراض عسكرية. في تلك المساحة الشاسعة من التحصينات وُضع 23 موقعًا ممتلئين بالدبابات، بجوارهم 339 مدفعًا بأعيرة مختلفة، يحرص كل ذلك 152 برجًا متحركًا.

Embed from Getty Images

كان من المفترض أن المرحلة الرابعة تتعلق بالجنود وتدريبهم، اختير لـ«خط ماجينو» مجموعة منتقاة من الجنود أُطلق عليهم «حماة الحصون». بينما الفرنسيون في خضّم تلك العملية، قرر الرايخ الألماني خرق معاهدة «فرساي» وقرر إعادة الانتشار في أراضي الراين منزوعة السلاح منذ الحرب العالمية الأولى، كما أعاد هتلر نظام التجنيد الإجباري بعد أن كان قوام جيشه بالكامل 100 ألف رجل فقط رضوخًا لمبادئ معاهدة فرساي. لم ترد قوات الحلفاء على ذلك الخرق بما يناسبه، فبعضهم اكتفى بالصمت، والآخر أعلن الحياد. بلجيكا كانت من الدول التي اختارت الحياد؛ مما أثار الرعب الفرنسي من احتمالية هجوم ألماني عبر الأراضي البلجيكية.

لذلك طرأ تعديل سريع وكامل على خطة «ماجينو»، الاتجاه نحو الشمال الغربي لبناء جبهات جديدة على الحدود مع بلجيكا، وأطلق الفرنسيون على تلك التحصينات «ثغرة الثأر». ربما أخطأ الفرنسيون حين أعلنّوا أنهم دعمّوا دفاعاتهم من جهة بلجيكا، فكونها بلا تحصينات سيغري الألمان بالدخول منها، والدخول منها يعني انتهاكًا للسيادة الإنجليزية البريطانية؛ ما يعني أنه سيكون على هتلر أن يقابل الحلفاء جميعًا قبل أن يصل إلى فرنسا.

لكن استمر الفرنسيون في تدشين ثغرة الثأر، ثم في عامي 1939 و1940 دخل خط ماجينو مرحلته الخامسة والأخيرة، تدعيم التحصينات. التدعيم كان يعني أن يُوضع في الحصون ما يمكنها من مواجهة المشاة والدبابات، والتصدي للهجمات الجوية أيضًا. وزيادةً في التدعيم أُنشى موقع دفاعي مشابه لخط ماجينو على بُعد 25 كيلو مترًا منه، لكن بإمكانات وبُنى تحتية أقل، نظرًا لاستنزاف وإنهاك الاقتصاد الفرنسي في بناء الخط الأساسي.

وإمعانًا في الأمان زُرعت الألغام على مسافات متباعدة ومتناثرة حول الخط الدفاعي، وبنوا سدودًا حول التجمعات المائية المحيطة به، كي يمكنهم إغراق أية قوة مهاجمة. لكن تلك التحصينات الأمامية القوية لا يماثلها التحصينات الخلفية، كي يمكن للفرنسيين الفرار من التحصينات حال مهاجمتهم، ثم الكرّ على من يحتل ماجينو بسهولة.

النظرية تفشل عند التطبيق

إستراتيجية مُحكمة، وشعور طاغٍ بالأمان، لكن كما يقول قاموس «ويبستر»، فإن الأمان زائف والإستراتيجية فاشلة. ببساطة شديدة قاد هتلر الفرنسيين لفخ بدائي، قوة شكلية تُهاجم الخط، تجذب انتباه الفرنسيين وتستنزف نيرانهم، بينما يلتف الألمان حول الخط من الخلف، قادمين من بلجيكا، التي لم تنفعها تحصيناتها، والأراضي المنخفضة. خلال أربعة أيام كان الخط قد سقط، استسلم الفرنسييون وأُمروا بمغادرة حصونهم، وبعد 20 يومًا آخرين كان الألمان قد دخلوا باريس.

Embed from Getty Images

استطاع الفرنسيون أن يُسوّقوا لخطهم الدفاعي في الداخل والخارج، فبدأت العديد من الدول تحذو حذو فرنسا؛ فأنشأت اليونان خط «ميتاكساس»، نسبةً لرئيس وزرائها آنذاك، كذلك أنشأت تشيكوسلوفاكيا شبكتها الخاصة من المخابئ والتحصينات الدفاعية عام 1935، حين بدأ خط ماجينو يتبلور ويتشكل. لكن بالرغم من اختلاف أسماء الدول وقدرات الخطوط الدفاعية، تبقى حقيقة أن العديد من تلك الدفاعات الثابتة قد انهارت لاحقًا.

فمن المفارقات أن خط سيجفريد قد انهار هو الآخر بعد انهيار خط ماجينو، وفي نفس الحرب، العالمية الثانية. بناه الألمان على امتداد 630 كيلو مترًا، من سويسرا جنوبًا إلى مدينة كليف في ألمانيا شمالًا، وكان مواجهًا لـماجينو الفرنسي. أحاطت معاقل خرسانية ضخمة أطلق عليها الألمان، أسنان التنين، لكن التنين تكسرّت أسنانه على يد الحلفاء في أواخر عام 1944.

من الغريب أن ينهار الغريمان في النهاية، لكن الأغرب أنهما ليسا أول ولا آخر الخطوط الدفاعية التي تنهار. سور الصين العظيم، قرابة 7 آلاف كيلو متر امتدادًا، و50 مترًا ارتفاعًا، لكن لم يُجدِ أمام غزو المغول وغزو إمبراطورية لياو. ومؤخرًا لاقى خط التحصينات الإسرائيلي «بارليف» نفس المصير، 300 مليون دولار أنفقها الإسرائيلون على تحصين الخط الدفاعي، لكن بحيلة بسيطة وتكلفة قليلة في الأموال والأرواح، ضخ المياه بضغط مرتفع لخلق فجوة في الساتر الترابي، استطاع الجنود المصريون هدمه.

ليكون المنتصر بالرغم من كل هذه الهزائم هو «ويبستر»، فخطوط الدفاع تمنح شعورًا بالأمان، لكنه زائف، والإستراتيجيات النظرية مُحكمة، لكن تفشل غالبًا عند الاختبار.

المصادر

تحميل المزيد