في يوم الجمعة الثالث عشر من رمضان سنة 515هـ الموافق سنة 1121م، وقف محمد بن عبد الله بن تُومَرْت خطيبًا في أتباعه، وقال: «الحمد لله الفعّال لما يريد، القاضي بما يشاء، لا راد لأمره، ولا معقّب لحكمه، وصلى الله على سيدنا رسول الله، المبشّر بالإمام المهدي، الذي يملأ الأرض قسطًا وعدلًا، كما مُلئت جورًا وظلمًا، يبعثه الله إذا نُسخ الحق بالباطل، وأزيل العدل بالجور، مكانه المغرب الأقصى، منبته وزمانه آخر الزمان، اسمه اسم النبي عليه الصلاة والسلام، ونسبه نسب النبي صلى الله تعالى وملائكته الكرام المقربون عليه وسلم، وقد ظهر جور الأمراء، وامتلأت الأرض بالفساد، وهذا آخر الزمان، والاسم الاسم، والنسب النسب، والفعل الفعل».

وما إن فرغ ابن تُومَرْت من خطبته تلك حتى صاح أتباعه: «هذه الصفة لا توجد إلّا فيك ، فأنت المهدي المنتظر»، ليسمي محمد بن تُومَرْت نفسه بعدها بالمهدي المنتظر، ويقوم بثورةٍ على المرابطين مؤسسًا رفقة أتباعه في ما بعد دولة الموحدين. في الأسطر التالية نسبح ببوابة الزمن إلى عهد دولة الموحدين في بلاد المغرب العربي، حين حكم رجل اعتبره الناس «المهدي المنتظر».

طالب العلم حفيد الحسين بن علي

في الوقت الذي كانت فيه حاضرة المسلمين، بلاد الأندلس، تعاني من حروب الاسترداد وعصر الضعف والانهيار، قامت في بلاد المغرب العربي دولة المرابطين بقيادة الأمير يوسف بن تاشفين، الذي تمكن من العبور إلى الأندلس وصدّ هجمات الصليبيين عليها في واقعة الزلاقة الشهيرة سنة 1080م.

بعد تلك الحادثة بست سنوات ولد محمد بن عبد الله بن تُومَرْت في منطقة السوس جنوب المغرب، ويعود نسبه إلى قرية هرغة، وهي بطن من بطون قبيلة مصمودة البربرية، غير أنّ بعض المؤرخين أرجع نسبه إلى الرسول صلى الله عليه وسلّم، فالمراكشي يقول في كتابه المعجب: «إنّ لمحمد بن تُومَرْت نسبة متصلة بالحسن بن علي وجدت بخطه» وهو ما يزكيه ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان، إذ ذكر: «وجدت على ظهر كتاب النسب للشريف العابد بخط بعض أهل الأدب من عصرنا نسب ابن تُومَرْت فنقلته كما وجدته»، وفي روايةٍ عن سبب كنيته بابن تُومَرْت يذكر أبو القاسم المصري في كتابه «المقتبس من الأنساب»، أنّه يعود إلى أمه التي فرحت به وأسرت بمولده.

 

المهدي بن تومرت، مصدر الصورة: (ويكيبيديا)

ويذكر عبد الحميد النجار في كتابه المهدي بن تُومَرْت، أن عائلته كانت أسرة من أواسط القوم، غير بارزة الثروة والجاه، إلّا أنها كانت ذات مكانة دينية، ويصفها ابن خلدون في كتابه العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، قائلًا: «كان أهل بيته أهل نسك ورباط». وهو ما جعل محمد بن تُومَرْت متأثرًا بالحسّ العلمي لعائلته؛ فانكبّ على دراسة وتعلم العلوم الدينية والشرعية، واستطاع ابن تُومَرْت في فترة تعليمه المبكرة أن يحفظ القرآن الكريم، ويتعلم بعض مبادئ الفقه والشريعة.

يوسف بن تاشفين.. الأمازيغي الذي عاش قرنًا وأخَّر سقوط الأندلس 4 قرون

 

رحلة الشرق.. الرحلة إلى التغيير

كانت عادات أهل المغرب أن يجعلوا تعليم الشباب في السنوات الأولى، منصبًا على حفظ القرآن الكريم داخل الكتاتيب دون تناول العلوم الأخرى، وهو ما يذكره ابن خلدون في كتابه المقدمة: «فأمّا أهل المغرب فمذهبهم في الولدان الاقتصار على تعليم القرآن فقط وأخذهم أثناء المدارسة بالرسم ومسائله واختلاف حملة القرآن فيه، لا يخلطون ذلك بسواه في شيء من مجالس تعليمهم، لا من حديث ولا من فقه ولا من شعر ولا من كلام العرب، إلى أن يحذق فيه أو ينقطع دونه، فيكون انقطاعه في الغالب انقطاعًا عن العلم بالجملة».

ومن هذا المنطلق رأى ابن تُومَرْت ضرورة السفر إلى المشرق الذي كان يعدّ لأهل المغرب محط آمال الراغبين والتواقين للعلم وللتبحر فيه، فشدّ ابن تُومَرْت الرحال إلى المشرق سنة 1106م منطلقًا من بلاد الأندلس، إذ نزل بقرطبة نزلًا يسيرًا قبل أن يغادرها إلى تونس ثمّ مصر، حيث تلقى دروسًا على يد أبي بكرٍ الطرطوشي، ثم أدّى فريضة الحج وانتهى به المقام في العراق والشام حيث التقى بأبي حامد الغزالي.

وأقام في العراق 10 سنوات نهل فيها مختلف العلوم على يد عدّة مشائخ وعلماء؛ أبرزهم أبو حامد الغزالي، وأبو بكر الطرطوشي، وأبو عبد الله الحضرمي، وأبو بكر الشاشي، والكيا الهراسي، والمبارك بن عبد الجبار.

 

لوحة تجسد دولة المرابطين التي أسقطها المهدي بن تومرت مصدر الصورة (دار القاهرة).

ويرى الدكتور موسى لقبال الأستاذ بجامعة الجزائر في كتابه «الحسبة المذهبية في بلاد المغرب العربي»، أنّ طيلة فترة رحلة ابن تومرت التعليمية تلك ولقائه مع أبي حامد الغزالي تولّدت في نفسه هزة روحية، نتج منها تبنيه منهجًا دعويًّا إصلاحيًّا، يقوم على مبدأ التعليم والإرشاد الذي يتطور إلى حد استخدام العنف للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي الدعوة التي دوّنها في كتابه المعروف بـ«أعز ما يطلب»، وهو عبارة عن مزيج من الأفكار والاتجاهات الدينية التي كانت معروفة في عصره، والتي وضعت بعضها إلى جانب بعض، وهو ما جعل الطلبة في كلٍّ من طرابلس وبجاية وقسنطينة يهرعون لاستقباله من رحلة العودة تلك.

 

موسى بن أبي غسان.. بطل غرناطة المجهول الذي فضّل الموت على الاستسلام

«المهدي المنتظر» يعود ويُسقط المرابطين

في أثناء رحلة عودته إلى بلاد المغرب، بدأ محمد بن تُومَرْت في الدعوة لمنهجه في جميع المدن والقرى التي ينزل بها، محدثًا اضطرابات في البقعة التي يحلّ بها، وكان من المنطقي أن تُحدث هذه دعوة الجديدة لابن تُومَرْت صدى واسعًا في أوساط أهل المغرب، نظرًا إلى ما كان يميزها من دعوة للتصادم مع الأنظمة الحاكمة والاضطرابات التي أحدثها في الأماكن التي نزل بها. فما لبثت أن وصلت أخباره إلى مسامع أمير المرابطين علي بن يوسف بن تاشفين، الذي استدعاه وأجرى مناظرة بينه وبين علماء الدولة المرابطية.

واستطاع ابن تُومَرْت أن يهزمهم جميعًا؛ فأطلق علي بن يوسف سراحه وسمح له بمواصلة الرحلة إلى السوس الأقصى، ولم يلتفت للخطر الذي يمكن أن يترتب على تلك الدعوة في المستقبل القريب. وفي طريق عودته التقى ابن تومرت بعبد المؤمن بن علي الذي كان يهمّ بالسفر إلى المشرق لطلب العلم، غير أنّ ابن تومرت غيّر من رأيه بعد أن أُثّر فيه ليرافقه المسير إلى السوس.

وبعد وصوله إلى مسقط رأسه في السوس الأقصى، شرع ابن تُومَرْت في الدعوة إلى أفكاره وبدأ الناس يلتفون حوله ويزداد عددهم يومًا بعد يوم، وليزيد من وتيرة الإقناع والتفاف الناس حوله، يذكر عبد الحميد النجار في كتابه «المهدي بن تُومَرْت»؛ انتهاجه نهج الدعوة المهدية بإعلان نفسه المهدي المنتظر وادعاء العصمة، وهي الفكرة التي استغلها ابن تومرت في استقطاب القبائل والأنصار في مواجهته للمرابطين، ثمّ شرع في تنظيم أصحابه في مجالس سياسية، أبرزها أهل العشرة، وهم العشرة الأوائل المبايعون له بالمهدية والعصمة، ثم أهل الخمسين، فأهل السبعين، وكان لهذه المجالس دورٌ في المحافظة على الولاء لابن تومرت.

وركّز ابن تُومَرْت أيضًا على الحملة الإعلامية التي شملتها خطاباته الفصيحة، ويضيف عبد الحميد النجار أنّ ابن تُومَرْت في حربه على المرابطين اعتمد الدعوة أولًا، ولمّا استنفذها بدأ في مرحلة المواجهة العسكرية ابتداءً من سنة 1121م، وامتدت ربع قرنٍ انتصر فيها ابن تومرت في كثيرٍ من المعارك، وانهزم في مواقع أخرى أبرزها موقعة البحيرة التي تكبّد فيها ابن تومرت هزيمة ساحقةً كادت تئد دعوته، وهنا استعمل ابن تومرت الحيلة ليحول دون نفور الأتباع من حوله.

وهنا يذكر ابن أبي زرع الفاسي في كتابه الأنيس المطرب بروض الفرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ فاس أنّ ابن تومرت من تحيُّله وتهونه بسفك الدماء أخذ قومًا من أتباعِهِ الذين بقوا أحياءً بعد تلك المعركة، ودفَنهم أحْيَاء، وجعل لكل واحد منهم مُتَنَفّسًا في قَبره، وقال لهم: إذا سُئِلْتُم فقُولُوا قد وجدنا ما وَعدنا ربنا حقًّا من مضاعفات الثواب على الجهاد وعلّة الدرجات التي نلنا بالشّهادة، فجِدّوا في جهاد عدوّكم، فإنّ ما دعاكم إليه الأمام المهدي صَاحِبكم حقّ، وقال لهم: إذا قلتم ذلك أخرجتكُم وكانت لكُم منزلةٌ عليا عندي، وعَاهَدَهُم على ذلك، فأتى إلى مكان المقبرة ليلًا فدفنهم بين القتلى وردّ عليْهِم التُّراب، ثمّ طلب من أتباعه بعدها سؤال القتلى فنادى أحدهم بأعلى صوتِه، يا معشر الشهداء، أخبّرونا ما لقيتم من الله عز وجل، فقالوا: وجدنا عند الله تعالى ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

 

دولة الموحدين، مصدر الصورة (نبأ).

 

ومما تذكره كتب السير والتراجم عن ابن تُومَرْت أنّه كان داهية وسياسيًّا بارعًا يكثر من استعمال الحيل، خصوصًا بعد أن بدأ الشك يساور قومه، ومن ذلك ما ذكره ابن تيمية عن أمر ابن تُومَرْت لصاحبه الونشريسي الذي كان عالمًا بالتظاهر بالصمّ والجنون، حتى ظهر للناس على أنه مجنون، ليخرج ابن تومرت على أهل المغرب أنّه رأى منامًا لهذا المجنون -الونشريسي- وأنه سيصبح عالمًا حافظًا للقرآن والحديث والفقه، ومما يذكره ابن تيمية أن ابن تُومَرْت كان يعتبر المرابطين من المجسمة الكفرة، فارتكب في حقّهم عدة مجازر كانت أبرزها قتله 15 ألفًا من قبيلة هزميرة تينمل رغم مبايعتها له.

ويذكر المراكشي في كتابه «البيان المغرب في أخبار الأندلس» أنّ أحد عشيرة بن تُومَرْت قال له كيف تقتل أقوامًا بايعوك، فأمر ابن تومرت بقتله لشكّه في عصمته.

واستمر المهدي ابن تُومَرْت في الشك في أفراد دعوته والمحيطين بها، حتى قام بأكبر حركة تطهير لدعوته، وهي الحركة التي عُرفت بـ«التمييز» عندما قتل آلافًا من أنصاره، كان يشك في ولائهم المطلق له.

رغم محاولاتها المستمرة.. لماذا فشلت الدولة العثمانية في بسط سيطرتها على المغرب؟

ابن تُومَرْت.. حان وقت السفر

قُبيل وفاته بأيّامٍ يسيرة، استدعى محمد بن عبد الله بن تُومَرْت مؤسس دولة الموحدين أصحابه، ليستخلف عليهم عبد المؤمن بن عليّ بعد نجاحه في القضاء على دولة المرابطين في المغرب العربي والأندلس، فلمّا حضروا بين يديه قام فيهم خطيبًا، قائلًا: «لقد انقرضَت هذه العصابة، نضَّر الله وجوهها، وشكر لها سعيها، وجزاها خيرًا عن أمة نبيِّهَا، وخبَطَتِ الناس فتنة تركت الحليم حَيْرَان، والعالم متجاهلًا مُدَاهِنًا، فلم ينتفع العلماء بعلمهم، بل قَصَدُوا به الملوك، واجتلبوا به الدنيا، وأمالوا وجوه الناس إليهم، وفي أشباه لهذا القول، إلى هلمَّ جرًا».

 

عبد المؤمن بن علي مصدر الصورة (مؤمنون بلا حدود).

 

وأضاف ابن تومرت مسترسلًا في خطابه أمام أتباعه: «إن الله سبحانه -له الحمد- مَنَّ عليكم -أيتها الطائفة- بتأييده، وخصَّكم من بين أهل هذا العصر بحقيقة توحيده، وقيَّض لكم مِنْ ألفاكم ضُلَّالًا لا تهتدون، وعميًا لا تبصرون، ولا تعرِفون معروفًا، ولا تنكرون منكرًا، وقد فشت فيكم البِدَع، واسْتَهْوَتْكُم الأباطيل، وزيَّن لكم الشيطان أضاليل وتُرَّهَات، أنَزِّه لساني عن النطق بها، وأَرْبَأ بلفظي عن ذكرها، فهداكم الله به بعد الضلالة، وبصَّركم بعد العَمَى، وجمعكم بعد الفُرْقة، وأعزكم بعد الذلة، ورفع عنكم سلطان هؤلاء المارقين، وسيُورثكم أرضَهم وديارهم، ذلك بما كَسَبَته أيديهم، وأضْمَرَتْه قلوبهم، وما ربُّك بظلام للعبيد. فجدِّدُوا لله سبحانه خالص نيَّاتكم، وأرُوه من الشكر قولًا وفعلًا ما يزكِّى به سعيكم، ويتقبَّل أعمالكم، وينشر أمركم، واحذروا الفُرْقة، واختلاف الكلمة، وشتات الآراء، وكونوا يدًا واحدةً على عدوكم، فإنكم إن فعلتم ذلك، هابكم الناس، وأسرعوا إلى طاعتكم، وكثر أتباعكم، وأظهر الله الحق على أيديكم، وإلا تفعلوا شَمِلَكم الذل، وعمَّكم الصَّغار واحتقرتكم العامة، فتخَطَّفَكُم الخاصة، وعليكم في جميع أموركم بمزج الرأْفة بالغِلْظَة، واللين بالعنف، واعلموا مع هذا أنه لا يصلح أمر آخر هذه الأمة، إلا على الذي صَلَُح عليه أمر أولها».

وختم خطبته الفصيحة تلك بدعوة أتباعه لمبايعة خليفته وأحد تلاميذته عبد المؤمن بن علي بالقول: «قد اخترنا لكم رجلًا منكم، وجعلناه أميرًا عليكم، هذا بعد أن بلَوْناه في جميع أحواله، من ليله ونهاره، ومدخله ومخرجه، واختبرنا سريرته وعلانيته، فرأيناه في ذلك كله ثبتًا في دينه، متبصرًا في أمره، وإني لأرجو أن لا يُخْلِف الظن فيه، وهذا المشار إليه هو: (عبد المؤمن)، فاسمعوا له وأطيعوا ما دام سامعًا مطيعًا لربه، فإن بدَّل أو نكص على عقبه، أو ارتاب في أمره، ففي الموحِّدين -أعزهم الله- بركة وخير كثير، والأمر أمر الله يقلِّده من شاء من عباده» فما إن ختم ابن تومرت خطبته تلك حتى اقتنع جميع أتباعه بمبايعة صاحبه ابن علي قائدًا لدولة الموحدين التي عمّرت قرنًا ونصف من الزمن.

 

وبعدها اشتدّ المرض بابن تومرت حتى دنى أجله، ويذكر البيهقي في كتابه أخبار المهدي أنّه لمّا بلغ يومه الأخير الذي كان يوم 13 رمضان عام 424هـ- 1129م ،أراد ابن تومرت توديع أتباعه الوداع الأخير، فقال فيهم: اعرفوني وحقّقوني، أنا مسافر عنكم سفرًا بعيدًا، ﻓﻀﺞ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺒﺎﻟﺒﻜاء، ﻭﻗﺎلت له أخته زينب: إلى أين تغيب عنّا؟ ألم يكفك أن غبت عنّا 15 سنة، وقال له الحاضرون إن كنت تسير إلى الشرق نسير معك، فقال هذا سفر لا يسافره معي أحد، إنما أسافره وحدي، فدخل ولم يره أحدًا بعدها.

 

«بلقيس المسلمة».. تعرف إلى أروى الصليحية «أول امرأة تحكم في الإسلام»

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!