على عكس الوريث القديم لعرش مصر، جمال حسني مبارك، لا يظهر محمود عبد الفتاح السيسي – ضلع أبيه الذي أصبح بين ليلة وضحاها ملء السمع والبصر – في أي أحداث رسمية عامة، بل قلما نجد له صورة في الصحف ووسائل الإعلام. فالشاب الذي لا يُعرف عمره على وجه التحديد يقبع في الظل، ممسكًا بالخيوط التي قد تفلت من بين أصابع أبيه – الذي يصر على التحكم في كل صغيرة وكبيرة من شؤون الحكم بحسب ما هو بادٍ للعيان – ولا يترك السيسي الصغير شيئًا للمصادفات، التي قد تتسبب في إسقاط أبيه عن عرشه. فماذا نعرف عن نجل السيسي، الذي تكرر ذكر اسمه في وسائل الإعلام المحلية والأجنبية مؤخرًا

«الإيكونوميست»: السيسي يقود مصر إلى الانهيار.. وهذا ما قد يحدث بعده

محمود السيسي.. الابن سرُّ أبيه

قبل حفل تنصيب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عام 2014 لم يعرف المصريون شكل محمود السيسي الابن البكر لرئيس الجمهورية، الذي بدأ طريقه نحو حياة السلطة والنفوذ والسياسة، مع بداية الحملة الانتخابية، بعدما ظل لسنوات مجرد ضابط مخابرات – حربية ثم عامة – قبل أن يقفز بعد اعتلاء أبيه – الذي يكره الواسطة والمحسوبية على حد قوله – سدة الحكم من رتبة رائد إلى رتبة عميد خلال أربع سنوات فقط.

محمود السيسي الذي شغل منصب رئيس المكتب الفني لرئيس جهاز المخابرات لعامة، ثم وكيل الجهاز، وأصبح بقدرة قادر – وبحسب اعتقاد الكثيرين – الرجل الثاني بعد اللواء عباس كامل (أمين سرّ السيسي ومهندس النظام)؛ كان سبب الإطاحة – بحسب ما ذكره الصحافي أحمد عابدين في تحقيق أجراه لموقع «درج» – برئيس جهاز المخابرات السابق، خالد فوزي، في يناير (كانون الثاني) 2018، بعد أن قدم  الشاب لوالده تقريرًا يزعم وجود خطة محكمة يعمل عليها فوزي من أجل الوصول إلى كرسي الرئاسة والإطاحة بالسيسي.

وذلك بعد أن ساهم فوزي في عرقلة التعديل الدستوري، الذي أراد السيسي تمريره في الفترة الأولى من ولايته، لمد فترات حكمه لأجلٍ غير مسمى، إذ رفع فوزي للسيسي تقارير تُشير إلى خطورة هذه الخطوة داخليًّا وخارجيًّا، بحسب مصادر خاصة استعان بها أحمد عابدين في تحقيقه.

تَغول محمود السيسي وسيطرته على الساحة لم يبدأ من مشهد إطاحة فوزي، بل سبقه «تطهير جذري» لجهاز المخابرات قاده بنفسه، بعدما أوكل الأب إلى الابن مهمة قطاع الأمن الداخلي؛ فتمكن الأخير من توجيه ضربات متتالية لمعارضي والده داخل الجهاز. وعليه فقد أقال السيسي بقرار جمهوري حمل الرقم 281 لسنة 2016 نحو 17 قيادة بالمخابرات العامة، إثر أزمة التنازل عن جزيرتي «تيران وصنافير» للسعودية، فيما أطاح قبل ذلك بحوالي 1500 ضابط جيش من مواقعهم، ليستقر الأمر بالنهاية في قبضة محمود السيسي، ويصبح عن حق الرجل الأهم بأقوى قسم في المخابرات المصرية، و«كلمة سر» أبيه.

فالشهادات الصادرة من أروقة الحكم في مصر وكواليسه، تؤكد أن محمود السيسي أصبح منذ 2014 صاحب نفوذ قوي، بالرغم من ابتعاده – الذي ربما يكون مقصودًا – عن الأضواء؛ فضابط المخابرات الشاب يسعى بكل ما أوتي من سلطةٍ وقوة لتأمين جهاز المخابرات العامة من أي مركز قُوَى، يمكن أن يكون ثغرة، ينفذ منها أعداء والده.

تجدر الإشارة هنا إلى أنه وقبل هذا التطهير؛ وتحديدًا في عام 2015، أشرف محمود السيسي بنفسه على «غرفة العمليات الانتخابية» الخاصة بأول انتخابات برلمانية مصرية بعد تسيّد أبيه للعرش، وذلك من داخل مبنى المخابرات العامة، حيث جهّز مع آخرين قائمة «في حب مصر» الانتخابية، التي نجحت في اكتساح البرلمان، بحسب ما ذكره قائمون على الانتخابات آنذاك.

وكيل جهاز المخابرات «الصغير» مهندسًا للتعديلات الدستورية!

ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» في تقرير لها، الدور البارز الذي لعبه نجل الرئيس، ووكيل جهاز المخابرات العامة، في تمرير التعديلات الدستورية، التي أجراها البرلمان المصري، المُسيطر عليه من خلال قائمة «في حب مصر»، التي صُنعت على يد محمود السيسي وعينه، داخل مبنى المخابرات العامة، كما أشرنا آنفًا.

هذه التعديلات التي مهدت الطريق نحو بقاء عبد الفتاح السيسي في الحكم إلى أجلٍ مسمى (عام 2034)، بعدما كان من المفترض (في أقصى الحالات) أن يغادر قصر الاتحادية في نهاية ولايته الثانية عام 2022، علاوة على الصلاحيات الواسعة التي صارت في متناول يده وتضعه – حرفيًّا – فوق طائلة القانون.

وكان موقع «مدى مصر» المستقل، قد ذكر في النسخة الإنجليزية من تحقيق له، نقلته الصحف الأجنبية، أن نجل الرئيس كان يدير الاجتماعات التي كانت تعقد لمناقشة التعديلات الدستورية وخطط التمديد لأبيه، قبل موعد التعديلات بعدة أشهر، مؤكدًا أن اجتماعات شبه يومية كانت تعقد بمبنى المخابرات العامة في كوبري القبة، وقصر الاتحادية الرئاسي في مصر الجديدة، من أجل التوصُّل إلى شكل نهائي للمواد التي سيجري تعديلها، ووضع نصوص المواد البديلة، وتحديد موعد الاستفتاء أيضًا، فيما كان إجماع مصادر «مدى مصر» أن محمود السيسي هو من كان يشرف شخصيًّا وبصورة يومية على تلك الاجتماعات بمساعدة مدير الجهاز، عباس كامل.

علاوة على ذلك، ذكر التقرير السابق أيضًا – والذي نقلت عنه «نيويورك تايمز» الأمريكية و«التايمز» البريطانية – أن تعليمات صدرت للبرلمان تقتضي ضرورة الإسراع في مناقشة الملف والتصويت عليه في أقرب فرصة سانحة، وبالفعل تم الأمر في غضون ثلاثة أشهر، وجرى الاستفتاء وأقرت التعديلات، وبدأ العمل بها أيضًا.

«لا دخان بدون نار».. اتهامات بالقتل والفساد والخطف تحيط بالسيسي الصغير

سطوة محمود السيسي لا تتجلّى فقط في أروقة قصور الرئاسة، التي تتناثر على طول البلاد وعرضها، بل تمتد إلى أبعد من ذلك بكثير. ففي يوليو (تموز) 2016، ذكرت صحيفة «سبريسو» الإيطالية، والتي أسست منصة محمية باسم «ريجينيليكس»، لجمع شهادات حول التعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان، وللمطالبة بالعدالة لجوليو ريجيني، الباحث الإيطالي الذي اختفى في يناير (كانون الثاني) 2016، قبل أن يعثروا على جثته ملقاة في إحدى الطرق الرئيسة على حدود العاصمة المصرية. ذكرت أنها لا تستبعد أن يكون العميد محمود السيسي، أحد المطلعين على المعلومات الخاصة بشأن الباحث الإيطالي، وأنه كان على علم بتحركات ريجيني، حتى من قبل اختفائه. وذكرت الصحيفة الإيطالية أنها اطلعت على تفاصيل مقلقة بشأن دور نجل الرئيس، لكنها قالت إنها «تمتنع عن نشر تلك التفاصيل؛ لأن المسألة حساسة، وتلك التفاصيل وردت من مصادر مُجهّلة، وما تزال قيد دراسة هيئة التحرير»، على حد قولها.

اسم محمود السيسي انتشر مؤخرًا بصورة كبيرة، وصار على كل لسان، حتى يمكن القول إن «قلعة الظل» التي عكف على بنائها والمكوث فيها قد انهدمت. فمنذ ما يزيد عن 10 أيام خرج الناشط السيناوي، مسعد أبو فجر، في مقطعٍ مصوّر يتهم فيه السيسي ومن خلفه ابنه محمود، بالتورُّط في قضايا فساد.

وذكر أبو فجر في مقطعه المصوّر أن الرئيس المصري استقبل من وصفهم الناشط السيناوي بـ«تجار بودرة (مخدرات)» داخل قصر الاتحادية، متهمًا محمود السيسي بأنه هو الذي يدير تجارة تهريب البضائع إلى قطاع غزة، ويحصد عوائدها في جيبه الشخصي هو وشركائه من قيادات الجيش، على حد تعبيره. أبو فجر قال أيضًا إن «الحرب في سيناء ليست حقيقية»، موضحًا أن «أهل سيناء قادرون على القضاء على الإرهاب خلال وقت وجيز جدًّا، وهم يقدمون هذا العرض بشكل متكرر، لكن لا توجد إرادة لذلك لدى النظام» على حد قوله.

الاتهامات التي طالت محمود السيسي مؤخرًا لم تقف عند هذا الحد، فقد اتهمه الناشط وائل غنيم – المقيم في الولايات المتحدة – والذي بدأ هو الآخر في بث مقاطع فيديو مباشرة عبر حسابه على «فيسبوك»، يهاجم فيها النظام الحالي ويطالب بالمصالحة وإنقاذ مصر، على حد تعبيره، بأنه – أي محمود السيسي – أرسل له عبر ضابط مصري في سفارة الولايات المتحدة يطلب منه التوقُّف عن السب والكلام، مقابل السماح له بتقديم برنامج تلفزيوني؛ الأمر الذي سخر منه غنيم، واستهزأ به في مقاطع الفيديو المباشرة، التي دأب مؤخرًا على نشرها عبر «فيسبوك».

ليفاجأ الجميع بعد ذلك بخبر القبض على الأخ الأصغر لوائل غنيم، طبيب الأسنان حازم غنيم، دون أي نشاط سياسي يُذكر للأخير، ومصادرة جوازات السفر الخاصة بوالدة غنيم ووالده، بحسب وائل، الذي اتهم العميد محمود السيسي شخصيًّا، نجل الرئيس المصري، بأنه من يقف خلف أمر اعتقال شقيقه.

الفريق أول محمد زكي.. وزير الدفاع المصري الذي خدع مرسي وعلى السيسي أن يخشاه

المصادر