وأوضحت المصادر أن السيناريوهات المرتبطة باتصالات بعض الأجهزة مع «محيى الدين» جاءت بناء على تكليفات عليا مع اقتراب حصول مصر على 2.5 مليار دولار من الدفعة الأولى، البالغة 4 مليارات دولار، لقرض صندوق النقد الدولي الذي يبلغ 12 مليار دولار

«الرجل المحظوظ»، ذلك هو الوصف الأدق الذي يمكنك أن تطلقه على «محمود محيي الدين»، نائب رئيس البنك الدولي الحالي. «محيي الدين» الاقتصادي التكنوقراطي الأرستقراطي، الذي انضم لمجموعة «جمال مبارك» نجل الرئيس المصري المخلوع؛ حتى أصبح واجهة لسياساته الاقتصادية.

وكان أكثر رجال مبارك حظًا؛ عندما وافق قبل أشهر قليلة من ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، على تولي منصب المدير المنتدب للبنك الدولي، وتنازل عن منصب وزير الاستثمار وقتها، وانسحب من الانتخابات البرلمانية.

استدعاء «محيي الدين»

«محيي الدين»، من الوجوه الأكثر تعبيرًا عن الـ«نيو ـ ليبرالية»، من مواليد 1965 في مدينة كفر شكر، بمحافظة القليوبية، شمال القاهرة.

حصل محيي الدين على شهادة الدكتوراة، في اقتصاديات التمويل، من جامعة ووريك، في موضوع «سياسات التحرير المالي في الدول النامية»، ومن قبلها الماجستير في تحليل السياسات الاقتصادية من جامعة يورك بإنجلترا عام 1990.

منحه قراره بالسفر إلى نيويورك، حيث مقر البنك الدولي، حصانة من الدخول إلى نفق السجون والمحاكمات والمطاردات كغيره من وزراء نظام مبارك؛ ليقرر سليل العائلة الكبيرة، مخاصمة مصر لأكثر من أربعة سنوات قبل أن يعود لزيارتها في الرابع من سبتمبر (أيلول) 2015، ويقفز اسمه من جديد لترشيحات رئاسة مجلس الوزراء المصري، في عهد الرئيس المصري الحالي «عبد الفتاح السيسي»، بديلًا عن «شريف إسماعيل» رئيس الوزراء الحالي.

وعاد اسم محيي الدين مرة أخرى بعد خبر نشرته جريدة المصري اليوم الخاصة، عن مصادر «مسؤولة رفيعة المستوى»، قالت: إن هناك مفاوضات تجرى حاليًا مع محمود محيى الدين، لتولى مهمة رئاسة الحكومة خلفًا لرئيس الوزراء الحالي شريف إسماعيل.

وأضافت أن رئيس إحدى الجهات الرقابية، أجرى مقابلة مع محيى الدين، دون الافصاح عما إذا كانت في القاهرة أو واشنطن، وأنها شهدت إدلاء وزير الاستثمار الأسبق ببعض الطلبات والمقترحات التي سيسعى لتنفيذها، ومنها الحضور بفريق كامل لإدارة الأزمات الاقتصادية المتفاقمة، وعلى رأسها تحسين المناخ العام للأسواق المحلية بشكل سريع.

وتابعت المصادر، التي طلبت عدم نشر أسمائها، أن محيى الدين بدأ مخاطبة الفريق الذي يرغب في وجوده معه، للوقوف على مدى استعداد كل عضو فيه لتقبل المهمة التي وصفها المرشح لرئاسة الحكومة بأنها «شاقة وصعبة».

وأوضحت المصادر، أن السيناريوهات المرتبطة باتصالات بعض الأجهزة مع محيى الدين، جاءت بناءً على تكليفات عليا مع اقتراب حصول مصر على 2.5 مليار دولار من الدفعة الأولى، البالغة أربعة مليارات دولار، لقرض صندوق النقد الدولي الذي يبلغ 12 مليار دولار.

ولفتت إلى أن هناك اتصالات مكثفة أجريت مع محيي الدين منذ عامين، كانت تتخللها استشارات في القروض الدولية التي كانت تتفاوض عليها مصر، وكذلك في اختيار بعض الشخصيات في أضيق الحدود، وأن الحديث معه على تولى مناصب رسمية جاء عقب تدهور الحالة الاقتصادية.

وانتهى خبر المصري اليوم، ليقول البعض إذن إنّ النظام المصري يسعى لنزع موافقة محيي الدين، رجل صندوق النقد الدولي، على تولي رئاسة مجلس الوزراء؛ لإنقاذ مصر من أكبر النكبات الاقتصادية التي تمر بها البلاد.

تدرج المناصب

عقب خروجه من مصر، تولى محيي الدين في أكتوبر (تشرين الأول) 2010، منصب المدير المنتدب للبنك الدولي، وانتشرت وقتها تحليلات من معارضين مصريين، تؤكد أن نظام مبارك ينفذ سياسات البنك الدولي، غير العابئة بالفقراء والدول النامية. وتولى محيي الدين، المنصب مكافأة له عن التوجه «النيو ـ ليبرالي» في الاقتصاد المصري، ومع ذلك استطاع أن يتدرج في المناصب داخل البنك الدولي، ليُعيّن في 2013 مبعوثًا لرئيس البنك لشؤون الأهداف الألفية للتنمية، وعمليات تمويلها، وفي 2014 تولي منصب السكرتير المؤسسي والمبعوث الخاص لرئيس البنك الدولي، ثم النائب الأول لرئيس البنك الدولي، لأجندة التنمية لعام 2030 وعلاقات الأمم المتحدة والشراكات كأول عربي يتولى منصب رفيع في البنك الدولي بهذا القدر.

كما أن محيي الدين كان أستاذ بكلية الاقتصاد، وتدرج في مناصب اقتصادية عديدة، واقتحم السياسة وعرف بشكل كبير خلال الحملة الرئاسية لحسني مبارك وكان وقتها مسئول الملف الاقتصادي.

ولعائلة الرجل، تاريخٌ كبير في تولي المناصب الرسمية، ومن بين أفرادها على سبيل المثال، «خالد محيي الدين»، القيادي البارز في حركة الضباط الأحرار، ومؤسس حزب التجمع، أكبر الأحزاب اليسارية المصرية، بالإضافة إلى «زكريا محيي الدين»، الذي كان من الضباط الأحرار أيضًا، وتولى في عهد «جمال عبد الناصر» منصب نائب رئيس الجمهورية، ويضاف للمناصب الكبرى لتلك العائلة، «فؤاد محيي الدين»، الذي تولى منصب رئيس الوزراء في أواخر عهد «محمد أنور السادات»، وبداية حكم حسني مبارك.

تاريخ الرجل في نظام مبارك

«فكر جديد»، هو الشعار الذي اتخذه الحزب الوطني المنحل، الحاكم قبل ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011؛ ليكون واجهة لعدد من الشخصيات المحسوبة على جمال مبارك، وكانت تمثل المجموعة الاقتصادية لما سُمّي بالفكر الجديد، ومثّلت القوى الضاربة، والأكثر شهرة، وكان من بينهم أيضًا «رشيد محمد رشيد»، وزير التجارة والصناعة الأسبق، و«يوسف بطرس غالي»، وزير المالية، وكلاهما هاربان خارج مصر منذ قيام ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011.

أكبر الملفات التي دافع عنها محيي الدين خلال توليه منصب وزير الاستثمار، كان ملف «قانون الصكوك الشعبية»، والذي لم يجد قبولًا مجتمعيًا، وعقب الثورة، قُدّم عدد من البلاغات، والتي لم يكن لها أي تأثير على الرجل، أبرزها تتهمه بالتورط في صفقة بيع «عمر أفندي»، وبيع أرض «إيجوث»، والبلاغ الوحيد الذي تحرك كان حول اتهامه في التلاعب في البورصة، والتربح بشكل غير قانوني، ومع ذلك لم يقدم للمحاكمة.

وطالبت منظمة «مشروع محاسبة الحكومة» الأمريكية، وهي منظمة من نشطاء دوليين ضد الفساد، بطلب إلى البنك بالإفصاح عن إقرارات الذمة المالية لمحمود محيي الدين، ولكن البنك رفض.

هل تتغير الأفكار

نشرت البوابة الإلكترونية، لصحيفة أخبار اليوم المصرية الرسمية، في 13 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ترجمة لمقال لمحمود محيي الدين اعتبره البعض تغيّرا في أفكار الرجل، إذ يقول «إن مكافحة الفقر مرهونة بتحقيق العدالة بين الناس، وأهمية توفير خدمات الصحة والتعليم، لتوفير الحد الأدنى المطلوب للتنمية والاستقرار للجميع بشكل متساو، وهو ما يتنافى مع نظرية تساقط ثمار النمو التي روج لها البعض»، مؤكدًا على أن النمو، وإن كان ضروريًا، إلا أنه ليس كافيًا ويتطلب العدالة في توزيع الفرص، حسبما قال.

وتُعد نظرية تساقط ثمار النمو، أبرز النظريات الاقتصادية التي كان يروج لها نظام مبارك، ويعمل عليها، وهي بشكل مبسط «أعط المستثمر أعلى قدر من التمييز والمزايا؛ وسوف تسقط ثمار استثماره على الشعب».

ويشهد الاقتصاد المصري في الوقت الراهن حالة تردٍ كبيرة للغاية منذ ثورة 25 يناير (كانون الثاني) مع انخفاض كبير في الاحتياطي النقدي، وضعف الاستثمار. وقررت الإدارة المصرية الحالية التي يقودها السيسي إصدار عدد من القرارات الاقتصادية، من بينها تحرير سعر صرف الجنية أمام العملات (تعويم الجنية)، وصعد الدولار الأمريكي إلى أكثر من 15 جنيهًا مع رفع الدعم جزئيًا عن عدد من الخدمات وتصريحات مباشرة من وزراء عن ارتفاع قريب في أسعار المواصلات العامة والكهرباء والغاز الطبيعي والمياه.

عرض التعليقات
تحميل المزيد