إن محمود الغزنوي ملك العالم، وهو صاحب جيش عظيم، وقد أخضع خراسان وهندوستان، وهو قوي يطمح في ملك العراق، وأنا لا أستطيع الخروج عن طاعته أو عصيان أمره.

كان ذلك جزءًا من خطاب خوارزم شاه أبي العباس المأمون بن المأمون، الملقب بالمأمون الثاني، لأعيان الدولة ورجال بلاطه حين بعث إليهم السلطان محمود طلبًا في عام 403هـ/ 1014م ليخطبوا له خطبة الجمعة اعترافًا بسلطانه عليهم، حينما أراد ضم إمارة خوارزم إلى ملكه، وفقًا لما جاء في كتاب حياة البيروني لمؤلفه محمد عبد الحميد الحمد. وينتسب المأمون الثاني للأسرة المأمونية فارسية الأصل، التي حكمت أجزاء من آسيا الوسطى ومنها منطقة خوارزم (في أوزباكستان حاليًا).

وكان كلام أبي العباس قد قوبل بثورة قادة جيشه وبعض أمراء دولته، الذين يتبع معظمهم الشيعة الإسماعيلية، في حين أن السلطان محمود كان يتبع المنهج السني الشافعي، فطلب أبو العباس من العالم المسلم الشهير البيروني أن يقنعهم بأنه لم يقصد بطلبه إلا تجربتهم، وإخبارهم بأن الخطبة ستظل كما هي بالثناء على آل البيت، حتى وإن ذكر اسم السلطان محمود.

ولكن، يبدو أن البيروني فشل في إقناعهم، فقتل قادة الجيش بقيادة قائد جيوش خوارزم نيالتكين البخاري الخوارزم شاه أبي العباس، وهنالك بعث السلطان محمود جيشًا لقمع الثائرين، وإنقاذ أخته وأولادها، وكذلك ضم العالم البيروني إلى بلاط السلطان في غزنة، بعدما ضم بلاد خوارزم رسميًّا إلى أملاكه، فمن هو السلطان محمود بن سبكتكين الذي وسع حدود الدولة الغزنوية إلى شمال الهند؟

الخلافة تتصدع ودولة جديدة تولد

تعرضت الخلافة الإسلامية في الدولة العباسية في القرن التاسع الميلادي للكثير من الاضطرابات، وبدأت العديد من العناصر تستقطع أجزاء من دولة الخلافة وتعلن انفصالها، وكانت بدايتها قيام الدولة الطاهرية في خراسان (حاليًا في شمال إيران) في عهد الخليفة العباسي المستعين بالله، وقد كانت الدولة السامانية التي فرضت سيطرتها على بلاد ما وراء النهر (يقصد به نهر جيحون في آسيا الوسطى، تشمل أراضيها أوزبكستان والجزء الجنوب الغربي من كازاخستان والجزء الجنوبي من قيرغيزستان) وخراسان من أبرز تلك الحركات الانفصالية.

مصدر الصورة: أوبن سوق

شهد عهد الأمير أحمد بن إسماعيل الساماني انقسامات داخلية، ورغم تفاديه لحدوث الفتنة وتمكنه من فرض سيطرته، فإن الاضطرابات استمرت في عهد ابنه نصر الذي تولى إمارة الدولة السامانية بعد مقتل والده في 301هـ/ 914م، واستمرت أيضًا في عهد نوح بن نصر وولده عبد الملك من بعده.

كان ألبتكين (مؤسس الدولة الغزنوية) أحد غلمان الأمير أحمد بن إسماعيل الساماني، ونال حريته في عهد ولده الأمير نصر بن أحمد، وظل يترقى في المناصب في عهد نوح بن نصر حتى شغل منصب حاجب الحجاب، ثم ازداد نفوذه في بلاط الأمير عبد الملك بن نوح، فأراد الأمير أن يتخلص من هيمنته ونفوذه فأسند إليه ولاية خراسان، لكنه ظل الرجل الأول في البلاط الساماني بعد الأمير عبد الملك. وبوفاة الأمير عبد الملك دخلت الدولة السامانية منعطفًا خطيرًا، فقد اتفق قادة الجيش ورجال البلاط على تولي منصور أخو الأمير عبد الملك الحكم من بعده، إلا أن ألبتكين أراد تنفيذ وصية الأمير الراحل بتولي ابنه نصر للحكم.

قرر ألبتكين تنفيذ رأيه بحد السيف، فسار في جيشه إلى بخارى (في أوزباكستان حاليًا)، تاركًا وراءه في خراسان صديقه أبي منصور حاكم طوس قائد جيوش خراسان السابق، وحين علم الأمير منصور بن نوح بهذا التحرك، تمكن من استمالة أبي منصور إلى جانبه بعدما وعده بتولي قيادة جيوش نيسابور (حاليًا مدينة في مقاطعة خراسان شمالي شرق إيران)، بشرط ألا يسمح لجيش ألبتكين بعبور نهر جيحون، وحين وجد ألبتكين نفسه محاصرًا قرر الانسحاب والذهاب إلى ولاية بلخ (في أفغانستان حاليًا)، فأرسل الأمير منصور بن نوح جيشًا لمطاردته وإخضاعه في عام 351هـ/ 962م، إلا أن ألبتكين تمكن من تحقيق النصر على جيش منصور بن نوح الساماني.

قرر ألبتكين بعد تحقيق النصر الرحيل والسير إلى الهند، وحين أراد اجتياز غزنة (حاليًا داخل أفغانستان) منعه حاكمها من المرور، فحاصرها ودخلها، وأقام فيها دولته الخاصة، وأصبحت عاصمة لإمارته الجديدة، وبعد وفاة ألبتكين عام 352هـ/ 963م، تولى ابنه أبو إسحاق إبراهيم الحكم في غزنة، وكاد أن يفقد حكم غزنة بسبب ضعفه مما دفع جنده إلى إعلان العصيان عليه، فانتهز حاكم غزنة السابق الفرصة، وتمكن من هزيمة الأمير إبراهيم الذي هرب إلى بخارى طلبًا للمساعدة.

منطقة الشرق

منذ شهرين
القوة الناعمة للإسلام.. رحلة مع تاريخ التصوف في شبه القارة الهندية

استجاب الأمير منصور لطلب المساعدة، وأمد الأمير إبراهيم بجيش ساعد على استعادة حكم غزنة بشرط إعلان ولاءه للدولة السامانية مقابل المساعدة العسكرية التي حصل عليها، ولم يترك أبو إسحاق ورثة من بعده لحكم غزنة، فبايع رجال البلاط قائد حرس ألبتكين ويدعى بلكاتكين ليصبح أميرًا للغزنويين، وبعد وفاته تولى غلام آخر من غلمان ألبتكين الحكم، وكان يدعى بيري، لكن رجال البلاط خلعوه وولوا مكانه سبكتكين عام 366هـ/ 976م.

القائد سبكتكين.. بداية الهجوم على الهند

كان سبكتكين شخصية سياسية وعسكرية ذات شأن كبير، فقد كان واحدًا من كبار رجال بلاط غزنة، وزوج ابنة ألبتكين، ومرافقًا له أثناء غزو غزنة، ولما استقر سبكتكين في الحكم، بدأ في الغزو لتوسيع حكمه، فأغار على أطراف الهند بدءًا بالمواقع الموجودة في بلاد الأفغان حاليًا، وافتتح فيها الكثير من الحصون والقلاع.

انزعج جيبال ملك الهند من انتزاع أجزاء من بلاده، وقرر إيقاف سبكتكين، وشن الحرب ضده في عام 376هـ/ 986م، إلا أنه اضطر لطلب الصلح بعد رؤية بسالة الجيش الغزنوي، ووافق سبكتكين على الصلح بشرط أن يدفع جيبال الجزية، ويسلم إليه بعض قلاعه ومدنه. لم ينفذ جيبال شروط الصلح؛ مما دفع سبكتكين إلى اقتحام الهند وفتح بعض القرى في جبال غزنة، وهدم تماثيلها التي يعبدونها، هب جيبال مع حلفائه لردع سبكتكين، فردعهم وانتصر عليهم، وفتح بعض المدن الأخرى ناحية الحدود الشمالية الغربية للهند، وفرض سيطرته على إقليم كابل، واعترف به الخليفة العباسي الطائع لله أميرًا على غزنة، ومنحه لقب «ناصر الدين».

محمود الغزنوي يعتلي العرش بحد السيف

وهو على فراش الموت، اختار سبكتكين ابنه إسماعيل – من زوجته التركية ابنة ألبتكين – ليكون خليفة له في إمارة غزنة، وأوصى رجال البلاط بالولاء له، وبعدما مات سبكتكين، اعتلى إسماعيل العرش بالفعل، إلا أن عهده لم يدم سوى أشهر معدودة. فقد أراد محمود – والدته فارسية – وهو الابن الأكبر لسبكتكين، من أخيه إسماعيل أن يتنازل له عن الملك، ولكنه أبى ورفض، فاستعمل محمود الغزنوي القوة، وهجم بجيشه وتمكن من الفوز بالحكم عام 388هـ/ 998م.

يختلف المؤرخون حول السبب الذي دفع الأمير سبكتكين إلى اختيار ابنه إسماعيل لتولي الحكم من بعده بدلًا من ابنه الأكبر محمود، فيذهب البعض إلى أن هذا الاختيار جاء بناءً على قرابة إسماعيل لمؤسس الدولة الغزنوية ألبتكين؛ إذ إن ألبتكين يكون جد إسماعيل لأمه، ويرى آخرون أن سبب الاختيار كان وقوف إسماعيل إلى جانب أبيه عند الموت وغياب أولاده الآخرين.

يتبنى بعض المؤرخين رأيًا آخر، ألا وهو وجود خلاف سابق بين سبكتكين وابنه محمود انتهى إلى سجن محمود بعد وشاية بعض رجال البلاط بينهما، إلا أن الخلاف قد حل فيما بعد، وأفرج سبكتكين عن ابنه محمود وولاه خراسان.

محمود بن سبكتكين الغزنوي
محمود بن سبكتكين الغزنوي. مصدر اللوحة: ويكيبيديا 

حين اعتلى السلطان محمود عرش غزنة، أصبحت بلخ وهراة وترمذ وبست (مدن تابعة لخراسان الكبرى التي تضم حاليًا شمال غرب أفغانستان، وأجزاء من جنوب تركمنستان، ومقاطعة خراسان الحالية في شمال إيران) مناطق تابعة لسيادته، لكنه خسر ولاية خراسان أثناء استرداد حكم غزنة، فلم يجد هناك بدًّا من استردادها عسكريًّا من حاكمها الجديد بكتوزون المدعوم من الأمير الساماني، أبو الحارث نوح بن منصور، وبعد أن تمكن بكتوزون من خلع الأمير الساماني، ورفع أخيه الأصغر عبد الملك بن نوح مكانه على العرش، دخل السلطان محمود بجيشه في مواجهة بكتوزون وحلفائه، وبعد الكر والفر دخلت خراسان تحت سيادة السلطان محمود.

رفع السلطان محمود شعار الطاعة للخليفة العباسي، القاهر بالله، الذي لم يعترف السامانيون بشرعية خلافته، لإضفاء نوع من الشرعية على حكمه للمشرق الإسلامي، وسرعان ما أطلق عليه الخليفة القاهر بالله في بغداد لقب «يمين الدولة، وأمين الملة» بعد هزيمة السامانيين، ولبس خلعة بلاط الخلافة (الخلعة تعني التشريفة أو رداء الشرف الذي يرتديه الحكام وكان يمنحها الخليفة للأمراء رمزًا لتاكيد التبعية) وتسمى بالسلطان في 389هـ/ 999م.

تمكن السلطان محمود من توسيع رقعة ملكه شرقًا وغربًا، فتوجه نحو السند والبنجاب (مناطق من شرق باكستان وشمال غرب الهند)، وأسر الملك جايبال، وبعد تحقيق الانتصار وجمع الغنائم، ترك السلطان محمود الغزنوي جيبال احتقارًا لشأنه، فألقى الأخير نفسه في النار واحترق بعدما تخلى عن الملك لابنه، وكان من العادات السائدة آنذاك، انتحار ملوك إثر هزيمتهم أو وقوعهم في الأسر، كما أن الشعب كان لا يرضى أن يولى عليه من يقع في الأسر.

الوجه الآخر لمحمود الغزنوي.. حب الأدب والعلوم

كما ورد في كتاب حياة البيروني، كان السلطان محمود محبًّا للشعر العربي والفارسي والتركي، كما كان يغدق بالهدايا على الشعراء في بلاطه ومن بينهم الشاعر أبو زيد محمد علي الرازي، وأبو القاسم حسن بن أحمد عنصري، والشاعر أبو القاسم الفردوسي صاحب الملحمة الخالدة الشاهنامه التي قدمها للسلطان، ولم يقف كونه شيعيًّا في طريق نيل هدايا السلطان.

كذلك، عُرف عن السلطان محمود حبه للعلماء وكثرة مجالستهم والاستفادة من علمهم منذ نعومة أظفاره وكان أبو ريحان البيروني من أبرز العلماء في بلاط الغزنوي، كما حرص على اصطحاب بعض العلماء والمفكرين أثناء قيامه بالحملات العسكرية، وقيل إنه كان يغار من مجلس المأمون الثاني زوج أخته الذي كان يضم الكثير من العلماء في كافة مجالات العلم، كما طلب منه بعض العلماء للانضمام إلى بلاطه. ولم يقف حب الشعر والعلوم عائقًا أمام تعلم السلطان محمود للفنون العسكرية والسياسية، فقد علمه والده مبادئ وأسس الحكم الناجح، وأصبح نائبًا له وهو ابن 15 عامًا أثناء حرب سبكتكين مع جيبال.

ساعده في القبض على ابن سينا.. البيروني في بلاط محمود الغزنوي

ولد أبو الريحان البيروني في بلدة كاث العاصمة القديمة للدولة الخوارزمية (في أوزباكستان حاليًا) في 362هـ/ 973م، واشترك في الحياة السياسية وكان أحد أنصار خوارزم شاه، وحين بلغ الثالثة والعشرين من عمره، كانت خوارزم غير مستقرة بسبب الخصومات السياسية، فسافر البيروني إلى مدينة الري التابعة لدولة البويهيين (إيران حاليًا) عام 358هـ/ 995م، وبعد استقرار الأحوال السياسية، عاد البيروني إلى خوارزم، ثم انتقل إلى بخارى في السادسة والعشرين من عمره عام 387هـ/ 997م بعدما تولى منصور بن نوح الساماني الحكم، وانضم إلى بلاطه بعدما امتدحه بقصيدة عربية نالت إعجابه.

علوم

منذ 3 سنوات
«شمس الله تسطع على الغرب».. كيف طوّر المسلمون الطب ومنحوه للعالم بالمجان؟

ولم يطل بقاؤه هناك بسبب الفتن والصراعات، فقد خلع رجال الدولة الأمير نوح وسجنوه وأجلسوا مكانه أخاه عبد الملك، فتقدم السلطان محمود الغزنوي نحو بخارى، وقبض على السامانيين في خراسان وغزنة عام 389هـ/ 998م، فسافر البيروني إلى جرجان (في شمال إيران حاليًا) التابعة للدولة الزيارية، وحظي البيروني بمكانة رفيعة نظرًا إلى ما يتمتع به العلماء من قيمة مرتفعة عند حاكمها، وظل فيها حتى عام 401هـ/ 1010م عندما قبض على الحاكم شمس المعالي، فتوجه البيروني إلى الجرجانية (أورغنج حاليًا في تركستان) عاصمة خوارزم.

التحق البيروني في خدمة الأمير أبي العباس المأمون بن المأمون الملقب بالمأمون الثاني، زوج أخت السلطان محمود الغزنوي، وقد عهد إليه ببعض المهام السياسية بسبب حكمته وطلاقة لسانه وتحليه بالقدرة على الإقناع، وفي عام 403هـ/ 1014م، بعث السلطان محمود الغزنوي طلبًا للمأمون الثاني ليذكر اسمه في الخطبة، وهو ما انتهى بمقتل المامون على أيدي رجاله كما ذكرنا في بداية التقرير.

عندما استولى السلطان محمود الغزنوي على إمارة خوارزم عام 408هـ/ 1017م، حمل معه البيروني إلى بلاطه في غزنة مع لفيف من العلماء، لكنه لم يكن سعيدًا في بلاط السلطان. ورغم ذلك، فقد كانت الفترة التي قضاها البيروني في غزنة من أخصب فترات حياته فكريًّا، فقد كتب فيها معظم مؤلفاته، كما بسَّط لعلماء الهند العلوم اليونانية وما تشمله من رياضيات وهندسة، وفي تلك الفترة، طور آلة للقياس ليستخدمها في قياس ارتفاع الشمس ورصد الكسوف والخسوف. وفي عام 410هـ/ 1020م، ابتكر الحلقة اليمينية التي استخدمها لرصد الانقلاب الشتوي عبر الهندسة وحساب المثلثات، وأسماها نسبة إلى السلطان محمود يمين الدولة.

تمثال ابو ريحان البيروني
تمثال أبي ريحان البيروني. مصدر الصورة: موقع Springer Link

كذلك كان لرفقة البيروني للسلطان محمود الغزنوي في فتوحاته الفضل في إلهامه لكتابة مؤلفاته الغزيرة عن الهند وتراثها وصفاتها؛ حتى اكتسب لقب مؤسس علم الهنديات، كذلك لم يغفل نقل علوم المسلمين إلى الهند في فترة بقائه هناك.

وقد أثرت السنوات التي قضاها في الهند (والتي اقتربت من 40 عامًا في عهد الأمير محمود وابنه مسعود، ومن بعده الأمير مودود بن مسعود) في تعبيراته وتفكيره، فقد اعتمد في شرحه على ترتيب أفكاره وتسلسلها، كما استعمل مصطلحات علمية ولم يبالغ في تنميق جمله وابتعد عن التعبيرات الفنية المائعة رغم إبقائه على شيء من المسحة الأدبية؛ أي إنه اتبع الأسلوب العلمي المتأدب.

ولأنه كان بارعًا في الرسم، فقد كلفه السلطان محمود الغزنوي برسم صورة لابن سينا، وأعطاها لورشة النقاشين ليرسموا مثلها ويوزعوها في البلاد للقبض على ابن سينا، وقد كانت صلة ابن سينا غير وثيقة بأمراء الدولة الغزنوية، فقد كان معترضًا على دعوتهم وبطشهم بأصحاب المذاهب الأخرى غير السنية، كما لم يغفر لهم سياستهم القاسية تجاه السامانيين بعد أن سيطروا على الحكم، وقد كان ابن سينا صديقًا لأمرائهم الذين اعتادوا على دعم العلماء والأدباء أيضًا.

وبعد موت السلطان محمود، انضم البيروني إلى بلاط ابنه مسعود، وألف آنذاك كتابه الشهير «القانون المسعودي في الحياة والنجوم»، ويعد أحد أهم المؤلفات في علم الفلك، وأهداه البيروني للسلطان فكافأه عليه بحمل فيل من الفضة، لكن البيروني رفضها لحاجة الدولة إلى المال، ولأنه يعمل من أجل العلم في حد ذاته. وقد رافق البيروني السلطان مسعود في غزواته في شمال غربي الهند، وسمح له السلطان مسعود بزيارة بلده.

إلى أين وصلت انتصارات محمود الغزنوي؟

بعد تحقيق الانتصارات والفتوحات في شمال الهند، حاول السلطان محمود فتح بعض الحصون في وادي السند عام 406هـ/ 1015م، إلا أنه وقع فريسة خداع الأدلاء الهنود في جيشه، وانتهى إلى بلاد مغمورة بماء البحر، وعاد إلى خراسان بعد غرق الكثيرين من جنوده.

بعد مرور ثلاثة أعوام، أراد السلطان محمود أن يستعيد ما فقده من هيبته في بلاد السند، وتمكن من إسقاط قلعة ناجاركوت ومعبدها، وافتداه منه البراهمة بمبلغ 200 مثقال من الفضة، ومن أبرز انتصارات السلطان محمود كان فتح قنوج (مدينة في شمال الهند) بقلاعها السبعة على نهر الكنك المقدس حسبما جاء في كتاب انتشار الإسلام في الهند، وفي عام 410هـ/ 1020م، دخل السلطان محمود الغزنوي بنارس (مدينة تقع على ضفاف نهر الجانج في الهند)، وغنم منها الكثير من الأموال والذهب، وقد أغدق السلطان على جنوده، كما منح الشعراء والأدباء والفقهاء من الذهب الكثير.

الخطوط الحمراء تمثِّل فتوحات دولة الغزنويين في الأراضي الهندية
الخطوط الحمراء تمثِّل فتوحات دولة الغزنويين في الأراضي الهندية. مصدر الصورة: كتاب أطلس تاريخ الإسلام

قام السلطان محمود بآخر غزواته في بلاد الهند عام 416هـ/ 1026م، وفتح مدينة أنيلفارا في البنجاب ومدينة تاينشر، وكسر تماثيلهم المقدسة، ولم يقبل طلب الهنود بأن يفدوهم، وقال في ذلك إذا نوديت يوم القيامة «أين محمود الذي كسر الصنم؟ أحب إليَّ من أن يقال ترك الصنم لأجل مال الدنيا».

وقد قضى السلطان محمود في هذا العام على مملكة الهند وآخر ملوكهم بهيمبال العظيم، وأراد أن ينقل ملكه من غزنة إلى الهند إلا أن قادة جيشه أثنوه عن قراره، فأبقى ابنه مسعود نائبًا عنه في الهند، ومعه البيروني ليعلمه ويرشده.

وحسب المصادر التاريخية، فإن مجموع الغزوات التي شنها السلطان محمود ضد الهند تجاوزت 15 حملة، ولكن بعد وفاة السلطان محمود الغزنوي، وتولي ابنه مسعود من بعده، لم تعد الفتوحات في الهند بالقوة نفسها، فقد انشغل الغزنويون بالصراع مع السلاجقة الذين انتزعوا منهم خراسان.

وبنهاية فترة حكم السلطان محمود الغزنوي كانت الدولة الغزنوية قد اتسعت رقعتها لتمتد من بخارى وسمرقند (في أوزباكستان حاليًا)، وأفغانستان وبلاد ما وراء النهر، وسجستان وخراسان وطبرستان (في إيران حاليًا)، وكشمير (بين الهند وباكستان) وجزء كبير من الولايات الواقعة في الشمال الغربي من الهند، ومنها الكجرات وقنوج.

محمود الغزنوي في عيون التاريخ

«كانت فتوحاته في الهند شاقة وعسيرة، ولكن محمودًا كان سمحًا كريمًا لمن خضعوا له»

هكذا قيم المؤرخ الفرنسي كلود كاهن فتوحات السلطان محمود الغزنوي، أما المؤرخ الألماني إميل شنودت، فقد قال عنه إنه من أعظم حكام العالم، وإن كان من أشدهم قسوة، وفي حين رآه ابن كثير في غاية التدين وكارهًا للمعاصي، نظرت إليه العديد من الفرق الإسلامية والهنود على أنه كان بطَّاشًا لا يعرف الرحمة، فكان لا يترك أي رموز دينية إلا ويحطمها، وفقًا لما جاء في كتاب «An Advanced History of India».

هكذا اختلف المؤرخون حول تقييم السلطان محمود الغزنوي، فالبيروني على سبيل المثال لم يُعجب بتصرفات السلطان محمود الغزنوي بعد الانتصارات، فقد قطع خنصر الملك الهندوسي أنندبال صاحب كراتشي بعد القبض عليه، كما دفع الملك جايبال إلى الانتحار حرقًا كما ذكرنا سابقًا، كذلك كان يكسر تماثيل معبودات المهزومين بعد فتوحاته.

تاريخ

منذ سنة واحدة
المأمون الثاني.. الحاكم المسلم الذي أحب العلم وأغدق على العلماء

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد