حسن شاكوش، وحمو بيكا، وأوكا وأورتيجا، وفيجو الدخلاوي، أسماء كانت مغمورة قبل سنوات قليلة، لكنهم أصبحوا مشهورين الآن، وتحصد أغاني المهرجانات التي يؤدونها عشرات الملايين من المشاهدات. ومن هنا يأتي السؤال؛ من أين جاء انتشار المهرجانات في مصر؟ وما هي المهرجانات الأكثر انتشارًا والتي تخطى 12 منها فقط 1.3 مليار مُشاهدة؟ وهل تمكّنت المهرجانات الصاخبة من تجاوز أغاني الحب الرومانسية الهادئة؟ وما الأسباب الفنية الموسيقية والاجتماعية التي صعّدت من انتشار المهرجانات في مصر؟ كل هذه الأسئلة وأكثر نحاول الإجابة عنها في دراستنا التالية للمهرجانات في مصر.

منهجية «مؤشر المهرجانات» ومعاييره

للإجابة عن بعض الأسئلة الإحصائية بشأن صعود المهرجانات وانتشارها جغرافيًّا، أصدرنا «مؤشر المهرجانات»، الذي جاء بناء على دراسات رقمية وإحصائية للتعرف إلى المهرجانات الأكثر انتشارًا في مصر، والمحافظات المصرية التي تنتشر فيها تلك المهرجانات والتي كانت سببًا في انتشارها، ولقياس تلك الجوانب في المؤشر اعتمدنا على أكثر من معيار.

ففي الجانب الأول، الذي يتمثل في معرفة أكثر المهرجانات انتشارًا، استخدمنا معيار عدد المشاهدات لاثني عشر من أكثر المهرجانات انتشارًا على القنوات المنتجة لهم على موقع «يوتيوب». وبعد الوصول للمهرجانات الأكثر مشاهدة على «يوتيوب»، انتقلنا للتعرف إلى الجانب الآخر، الذي يتمثل في التعرف إلى المحافظات التي تنتشر فيها تلك المهرجانات الأكثر شيوعًا.

وللوصول إلى تلك الأرقام اعتمدنا على أداة «مؤشرات جوجل» التي وضعنا فيها عنوان المهرجان وتعرفنا إلى معدل انتشاره وفقًا لنطاق زمني يبدأ مع تاريخ إصدار كل مهرجان حتى منتصف فبراير (شباط) 2020، وتضع «مؤشرات جوجل» درجة من صفر إلى 100، لكل محافظة بحثت عن المهرجان في «جوجل»، وتدل 100 على زيادة انتشار المهرجان في المحافظة، على عكس الصفر، الذي يدل على قلة انتشار المهرجانات في المحافظة محل الدراسة.

ومع وضع عنوان المهرجان يُظهر «مؤشرات جوجل»  أكثر خمس محافظات ينتشر فيها المهرجان، وخلال 12 مهرجان  محل الدراسة ظهرت 20 محافظة، من بين 27 محافظة مصرية، تصّدرتهم الدقهلية بدرجة بلغت 490، وهو ما يزيد عن 10 أضعاف المحافظة التي جاءت في المركز العشرين بدرجة بلغت 47، وكان من المفاجئ حصولها على هذا التقييم، فيما غابت سبع محافظات مصرية عن الظهور من الأساس.

1.3 مليار مشاهدة لـ12 مهرجان تملؤها الصراعات والخيانة والغدر

تخطى إجمالي المشاهدات لـ12 من أكثر المهرجانات مشاهدة على «يوتيوب» بحسب رصدنا،  1.3 مليار مشاهدة، بوصول الرقم الإجمالي للمشاهدات 1305 مليون مشاهدة لـ12 مهرجان فقط، ساد معظمها قصص الصراعات والغدر والخيانة.

ومع ذلك تصدر مهرجان «إلعب يالا» المهرجانات الأكثر مشاهدة، بتخطي عدد مشاهداته 176 مليون مشاهدة، وهو مهرجان من غناء أوكا وأورتيجا، الذين يعدان من الرواد الأوائل لأغاني المهرجانات في مصر. فعلى نغمات دينية، استهل المغنيون الأغنية برسالة بدت سامية، تحدثا فيها عن الصراع بين الإنسان والشيطان، ووقوف الأخير عائقًا أمام الإنسان للتوبة وفعل الخير.

وتلاه مهرجان «مفيش صاحب يتصاحب» الذي تخطى عدد مشاهداته 134.5 مليون مشاهدة، الذي كانت كلماته أقرب لمشادة كلامية، عن غدر الصحاب، وثالثًا جاء مهرجان «هاتلى فوديكا وجيفاز» الذي تخطى عدد مشاهداته 131.2 مليون مشاهدة، وبدت فيه رسالته عكسية عن «إلعب يالا»؛ إذ دعا منتجو الأغنية إلى شرب الخمرة، مع التعبير عن مشاعر حزن واكتئاب، ولغة «عديد»، وهي مشاعر ومعاني تكررت في الأغاني التي شارك فيها بيكا والموزع فيجو الدخلاوي.

وسيطرت هذه الفرقة على نصف قائمة الأكثر مشاهدة، بوجود ست مهرجانات في القائمة، وهم «اسمي يقلقكو» الذي حلّ رابعًا بأكثر من 117.7 مليون مشاهدة، ثم جاء «وداع يا دنيا وداع» خامسًا بأكثر من 115.5 مليون مشاهدة، وتاسعًا جاء مهرجان «رب الكون ميزنا بميزة»  بأكثر من 94.3  مليون مشاهدة، وعاشرًا ، جاء مهرجان «أنا حبيتك وجرحتيني»بأكثر من 79 مليون مشاهدة، وتلا مهرجان «حب عمري نسيته وفاتني» بأكثر من 71.7 مليون مشاهدة.

أمّا حسن شاكوش الذي كان مجاورًا لبيكا في مهرجانين سلف ذكرهما، فقد حلّق بعيدًا قليلًا عن سرب بيكا والدخلاوي  بمهرجان الحب لـ«بنت الجيران»، الذي حصد في نحو 70 يومًا  أكثر من 96.3 مليون مشاهدة، مع معدل تصاعد هو الأعلى بين المهرجانات محل الدراسة. المهرجان الأكبر لشاكوش الذي نجح في اختبار نقابة الموسيقيين ذلك الاختبار الذي فشل فيه بيكا مما تسبب في حالة من التوتر بين بيكا من ناحية وشاكوش ونقابة الموسيقيين من ناحية أُخرى، قبل أن تقرر الأخيرة المساواة بين مغني المهرجانات في منع عضويتهم النقابية، وحلّ مهرجان شاكوش في المركز الثامن مع إمكانية تقدم ترتيبه بمرور الوقت؛ لأنه يحمل مؤشر تصاعد عاليًا بشكل يومي. 

وبعيدًا عن هذه التوترات لتلك الفرقة، جاء مهرجان «عالم تعبانة» سادسًا بأكثر من 114.1  مليون مشاهدة، وسابعًا جاء مهرجان «عايم في بحر الغدر» بأكثر من 107.3 مليون مشاهدة، وفي المركز رقم 12 جاء مهرجان «لاء لاء» بأكثر من 67.4  مليون مشاهدة.

وهذا إنفوجرافيك لترتيب 12 من أكثر المهرجانات مشاهدة، مع ذكر تعداد المشاهدات بالمليون مشاهدة، وإزالة الكسور، مع الإشارة لإمكانية حدوث بعض الاختلافات لهذه الأرقام عن الأرقام الحية التي تتغير باستمرار على «يوتيوب»: 

محافظات الدلتا تتفوق على القاهرة والمحافظات الكُبرى في سماع المهرجانات..

للوهلة الأولى قد يظن البعض أن القاهرة والمحافظات الكبرى في مصر، قد تصدرت ترتيب المحافظات الأكثر مشاهدة للمهرجانات، ولكن على العكس، أظهر مؤشر المهرجانات نتائج مفاجئة بتفوق محافظات الدلتا والصعيد على المحافظات الكبرى، وغابت محافظات القاهرة والجيزة والإسكندرية، عن الظهور في قائمة أكثر 10 محافظات ينتشر فيها المهرجانات.

وسيطرت محافظات الدلتا على قمة الترتيب، وجاءت أول أربع محافظات متابعة للمهرجانات من محافظات دلتا نهر النيل؛ إذ تصدّرت الدقهلية الترتيب بدرجة بلغت 490، تلتها الشرقية بدرجة بلغت 460، بفارق ضئيل جدًّا عن المنوفية التي بلغت درجتها 457، فيما حلّت دمياط رابعًا بدرجة بلغت 429، ثم جاءت القليوبية خامسًا بدرجة 359، المراكز الخمسة التالية كانت من نصيب محافظات الصعيد التي تصدرتها المنيا التي حلّت سادسًا بدرجة 284.

وحلّت أسيوط أفقر محافظة مصرية في المركز التاسع بدرجة بلغت 273، أما الغربية أغنى محافظة مصرية فقد جاءت في المركز رقم 13، بدرجة بلغت 126، وتلتها كل من القاهرة والجيزة بدرجة واحدة وهي 102،  وجاءت الإسكندرية في المركز رقم 20 بدرجة تبدو مفاجئة بحصولها على 47، مع أنها من أكبر المحافظات المصرية تصديرًا للمهرجانات، حيث وُلد فيجو الدخلاوي وحمو بيكا، الذي يتغنى دائمًا بأصله الإسكندراني في مهرجاناته.

وهذا إنفوجرافيك لترتيب المحافظات الأكثر متابعة للمهرجانات في مصر:

المهرجانات وألفاظ خارج النص

تحمل ألفاظ المهرجانات أحيانًا دعوات مخالفة للقوانين المصرية، والتي من بينها الدعوة لشرب الخمر في مهرجان «هاتلي فوديكا وجيفاز»، ذلك المهرجان الذي يُشغل في الأفراح المصرية، مع لعن شاكوش فيه لـ«الجواز» من الأساس، شاكوش نفسه هدد «بنت الجيران» بشرب الخمرة والحشيش إذا ما رفضته، عندما قال :«تسيبيني أكره حياتي وسنيني وأتوه ومش هلاقيني، واشرب خمور وحشيش».

وهو مقطع أثار الكثير من الانتقادات والجدل بعد غنائه في استاد القاهرة، ما جعل نقيب الموسيقيين هاني شاكر يهدد بسحب عضوية النقابة من شاكوس، وهو أمر دفع شاكوش للاعتذار وتغيير المقطع لـ«بعدك مش هقدر أعيش»، وهو تغيير يمكن لشاكوش استخدامه في حفلاته، ولكن ذلك التحديث لن يتغير بالطبع على فيديو المهرجان على «يوتيوب» الذي حصد عشرات الملايين من المشاهدات، ولم يشفع ذلك الاعتذار لشاكوش وعمر كمال أمام نقابة الموسيقيين التي قررت مساء الأحد 16 فبراير منع مُغني المهرجانات من العمل نهائيًّا وحظر التعامل معهم في النوادي والكافيهات، وقال شاكر نقيب الموسيقيين «إن القرار نهائي لا رجعة فيه».

سخرية على مواقع التواصل الاجتماعي من الأداء الباهت لشاكوش وعمر كمال أثناء غنائهم «بنت الجيران» في حفلتهم بالاستاد:

-لما تكون بتسمع اغنية ف الهاند فري وتندمج معاها وتسمع صوتكBy : AhMed MoStafa

Geplaatst door Creative Sarcasm op Zaterdag 15 februari 2020

في مهرجان سابق دعا بيكا من يُظلم في السجن بتعاطي المخدرات وتناول الحشيش، عندما غنّى في «وداع يا دنيا وداع»: «في السجون هتلاقي خطورة مفيش بَب مفيش اسطورة، قلبك ميت تمسك نصلة هتجيلي هتنام جنب الدورة.. انفرادي وسقف مفيش كل يوم نص رغيف عيش، عاوز تنسى اللي بيظلمك خد بشرطة وخبي حشيش»، وحمل هذا المقطع العديد من المصطلحات المنتشرة في السجون بالأخص لدى المساجين الجنائيين.

وهي تعكس بدورها طبقة شديدة الفقر خرجت منها المهرجانات، وهو ما أكده أيضًا سجين سابق تعامل مع السجناء الجنائيين، ويقول لـ«ساسة بوست» إن ألفاظ المهرجانات تشابهت مع  الألفاظ المتداولة لدى السجناء جنائيين، بالإضافة إلى أسلوب بعضهم في الملابس والمظهر التي تتسق مع بيكا، بحسب مصدرنا الذي لفت أيضًا، إلى طريقة غناء المهرجان وختامه بذكر المشاركين فيه، بطريقة تقترب مما يُسمى بـ«العنبرة» التي يتسلى بها السجناء بكلمات معبرة تنتهي بالقوافي.

مشاهدات «إلعب يالا» ضعف مشاهدات أشهر أغنية للهضبة

أصبح انتشار المهرجانات مهولًا لدرجة غطت به على لون الأغاني الرومانسية الذي كان سائدًا لعقود طويلة، الأرقام تعطي دليلًا إحصائيًّا واضحًا على ذلك، فالأغنية الأكثر مشاهدة على قناة «يوتيوب» الرسمية لعمرو دياب الذي يعد أشهر مطرب رومانسى مصري خلال آخر عقدين، فكانت أغنية «يتعلموا» التي حصدت أكثر من 87.5 مليون مشاهدة على «يوتيوب»، وكانت هي الأكثر مشاهدة، وهو رقم على ضخامته بدا أدنى من نصف مشاهدات مهرجان «إلعب يالا» الأكثر مشاهدة بحسب رصدنا، بتعدي مشاهداته 176 مليون مشاهدة.

توغل المهرجانات وانتشارها في مصر وتفوقها على الألوان الغنائية السائدة والألحان المعتادة في العقود الماضية، أحدث حالة من الغضب على الموسيقيين، وظهرت تلك الحالة جليًّا في صراع نقابة الموسيقيين مع حمو بيكا، والموسيقار حلمي بكر الذي يتفنن في تسفيه المهرجانات، وانتقاد ذلك اللون الآخذ في الانتشار، معتبرًا إياه «حجرًا وقع على آذان المصريين يجب أن تزيله الدولة. إحنا في عصر الجهل باسم المهرجانات»، تلك الحالة وصلت أيضًا للأكاديميين الموسيقيين بحسب تواصلنا مع أكثر من باحث موسيقي، أكدوا نظرة سلبية «جدًّا جدًّا جدًّا» يكنها الأكاديميون الموسيقيون للمهرجانات على حد تعبير باحثة ممن تواصلنا معهم.

وتقول المعيدة الباحثة في الموسيقى بإحدى الكليات المصرية: «أنا كنت رافضة تمامًا فكرة المهرجانات»، وأوضحت  الأم لطفلين: «شايفة إنها بتخلي ودننا إحنا وأولادنا تتعود على حاجات غلط»، وامتد تأثير نجاح المهرجانات حتى سرّب نوعّا من الإحباط لدى الدارسين الأكاديمين للموسيقى، الذين يعدون لرسائل الماجستير والدكتوراة، والشك في جدوى مجهودهم، مع قفز المهرجانات لقمة المشاهدات في مصر بحسب متابعتنا لمنشورات أكثر من باحث في مجال الموسيقى.

«مخدرات أم لحن جديد».. لماذا انتشرت المهرجانات في مصر؟

حالة الغضب التي تحدّثت عنها الباحثة، أكدها أيضًا محمود الحلواني، أستاذ الموسيقى والاتجاهات المعاصرة للفنون بجامعة القاهرة، والذي  قال في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست»: «مصطلح مهرجانات شعبية لا علاقة له بما نسمعه من تهريج رديء لمجموعة مدمنين ومنحرفين وعاطلين عملوا ارتجالًا لكلام فارغ على إيقاعات الدي جي كانوا يقصدون التهريج، وكلمة تهريج جرى تحويرها وتطويرها إلى مهرجان حسب مفهوم عقولهم التي ضربتها المخدرات»، لافتًا إلى أن أغنية «عشان لازم نكون مع بعض» مثال جيد للأغنية الشعبية التي استعان بها المنتجون لمطربين شعبيين من الصعيد والدلتا وسيناء.

واستمر الحلواني في الهجوم على المهرجانات من منظور فني وأخلاقي «لا كلمات ولا لحن ولا قيمة فنية مطلقًا. وللأسف تنشر كلامًا وأخلاقيات سيئة للأطفال والمراهقين. أنا في منتهى الحزن من موقف الإعلام المصري ونقابة المهن الموسيقية ووزارة الثقافة، وحتى وزارة الداخلية المفروض إنها تمنع إقامة حفلات أو أفراح يكون فيها هؤلاء المنحرفون»، محذرًا «الإسفاف في الفن لا يقل خطورة عن الإرهاب».

وعلّق الحلواني على قرار شاكر نقابة الموسيقيين بمنع مغني المهرجانات من العمل «تأخر كثيرًا؛ كان المفروض يحصل من 10 سنوات من أيام أوكا وأورتيجا وأفلام السبكي»، وفسّر الحلواني سبب انتشار المهرجانات: «هي نفسها أسباب انتشار المخدرات التي تحقق ملايين الأرباح، والجميع يعلم أنها كلها أضرار؛ هذه الظاهرة مثل المخدرات ولها مفعول اللهو نفسه لإخراج شحنة من القلق النفسي لدى الشباب».

حلمي بكر يصف المهرجانات بـ«الزبالة»:

وتعليقًا على دراستنا البحثية التي أظهرت انتشار المهرجانات أكثر في محافظات الدلتا والصعيد، مع غياب المحافظات الكبرى عن قائمة أكثر 10 محافظات مشاهدة للمهرجانات، قال الحلواني «لأن تلك المحافظات (القاهرة والجيزة والإسكندرية) تحتضن الصفوة في المجتمع المصري من أدباء  ومفكرين ومثقفين» بحسبه.

وحول مستقبل المهرجانات، قال الحلواني: «تعلمنا من التاريخ أن مثل هذه الظواهر لا تستمر، مثلًا في بداية القرن العشرين كان هناك ظاهرة عصر العوالم وغناء الإسفاف والإسقاط الجنسي، وانتشرت في المجتمع المصري انتشار النار في الهشيم، ولكن سرعان ما لفظها المجتمع وعاد الغناء الراقي للواجهة».

وعلى عكس النظرة السلبية تجاه المهرجانات لدى بكر والحلواني والكثير من الموسيقيين، كان للملحن مصطفى جاد رأي مختلف، أظهر بدوره أسبابًا فنية واجتماعية لانتشار المهرجانات في مصر، وقال جاد في برنامج تلفزيوني: «أرفض كافة أشكال العنصرية وبالأخص العنصرية الموسيقية، 85% من شعب مصر بسطاء، ولهم الحق أن يكون لهم صوت. إنت كصناعة خلال 15 سنة فاتت قدمت إيه للناس دي؟ قدمتلهم مواضيع تتكلم عن مشاكلهم بلسانهم وطريقة شبههم؟ لأ معملتش كدة. مينفعش تمارس عنصرية على شخص بيقدم فن،  الفن أذواق ومفيش حاجة اسمها فن حلو أو وحش. مش عاجبك الفن متسمعوش».

وأضاف جاد زوج المطربة كارمن سليمان: «الناس دي (صناع المهرجانات) بتتكلم زي مبيتكلموا مع بعض، ودور الفن أنه يمثل الناس. الناس دي بتشارك فرحة 100 مليون مصري. كنت مؤخرًا في فرح لبنت شخصية عامة مهمة جدًّا في مصر: أُغنيتين لعمرو دياب والباقي مهرجانات».

وعن سبب انتشار تلك الأغاني في الطبقات العليا في المجتمع، أوضح جاد: «ببساطة لأنهم يقدمون صوت (موسيقي) جديد، دي الأفيونة بتاعت المستمع منذ نشأة الموسيقى حتى الآن، ودن المستمع دائمًا تذهب للصوت الجديد، ولو استمر مطربك المفضل على الموسيقى نفسها لمدة خمس سنوات ستتجنبيه وتذهب لآخر، لازم يعمل تغيرات؛ آخر خمس سنين أكبر نجاحات في الوطن العربي كله، لأشخاص جدد في الكلام واللحن والتوزيع، فطبيعي إن «كريمة المجتمع» دلوقتي تسمع مهرجانات؛ لأن ده اللون الوحيد الموجود في المجتمع دلوقتي اللي صوته جديد»، وأشار جاد إلى أن سلبية المهرجانات تكمن في كلماتها وما تحمله من ألفاظ «مينفعش الأبناء يسمعوها»، ووجهت المذيعة سؤالًا لزوجته كارمن عن إمكانية غنائها لمهرجانات، وهنا علّق جاد: «منصحش؛ أي حد مش منهم لو غنّى مهرجانات عمره ما هينجح».

«كيمياء المهرجانات».. الرقص على الأحزان والصراعات

وأكد كلام جاد دراسة بحثية متخصصة جاءت تحت عنوان «عدم الاستقرار السياسي وأثره على ظهور أغاني المهرجانات الشعبية» للمركز الديمقراطي العربي، وأرجعت الدراسة أسباب انتشار المهرجانات إلى أن مؤيدي المهرجانات هم أشبه بالطبقة التي تشكل نسبة كبيرة من سكان مصر، وهو ما يتسق مع تحليل جاد بأن المهرجانات لمست البسطاء الذين يمثلون الأغلبية في مصر.

وبالفعل قد تكون كلمات المهرجانات واللغة المستخدمة وما تحتويه من صراعات وأحزان وغدر، تتسق مع مشكلات الكثير من المصريين، الذين ابتعدوا بدورهم عن المشكلات العاطفية والرومانسية بين العاشقين، وانشغلوا أكثر بمشكلات الحياة وصراعاتها، فكلمات تحكي واقعًا صعبًا وبائسًا مع موسيقى مبهجة، ربما تكون تلك هي الكيمياء التي ساعدت في انتشار المهرجانات، لدى شعب أتقن السخرية والضحك من أحزانه ومآسيه.

وبالفعل كشفت الدراسة من خلال استطلاع رأي ارتباط سبب الاستماع للمهرجانات وما بها من صراعات بالشعور بالبهجة والفرحة؛ إذ كشف الاستطلاع عن أن 42% يستمعون للمهرجانات لشعورهم بالبهجة، و30% يحبون سماعها في وقت الأفراح، فيما يسمع 28% من العينة المهرجانات مضطرًّا في وسائل المواصلات.

وتحدث يامن نوح، باحث الأنثربولوجي المصري عن أسباب اجتماعية أُخرى لانتشار المهرجانات، مرتبطة بتحرك المجتمع تلقائيًّا نحو الطبقة الاجتماعية التي تمكّنت من فرض أدواتها، عندما قال: «ثقافة الطبقة الاجتماعية المزدهرة، تفرض تلقائيًّا أدواتها، ومنتجاتها واختياراتها»، موضحًا: «وقت ازدهار الطبقة الوسطى المصرية، كان الجميع (أغنياء وفقراء) يسمع أم كلثوم وعبد الحليم ليس بالتحديد لرقي فنهم، وإنما لكونهم معبرين عن الطبقة السائدة وصاحبة النفوذ في ذلك الوقت».

وأضاف: «الوضع الاجتماعي تغير، فلم تعد الطبقة الوسطى هي الطبقة النافذة، وانهارت قدرتها على دعم قيمها ونماذجها، وفي المقابل ظهرت طبقات وشرائح أخرى لديها قدرة أكبر على التكيف مع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية التي نعيشها، وبالتالي أصبح لها النفوذ الكافي لدعم قيمها ونماذجها، وهو ما يفسر انخراط الكل (أغنياء وفقراء مرة أخرى) في هذا النوع من الأغاني؛ إذ يستجيب الجميع لهذه المعادلة تلقائيًّا بدون وعي كامل».

الحزن والصراعات V.s  التحفيز والطاقة الإيجابية.. من يفوز؟

يبدو أن المهرجانات انتشرت في وقت فضّل فيه المستمع المصري الاستماع إلى الأغاني التي يطغى عليها الحزن والصراعات، عن تلك التي تدعو للسعادة والتحفيز؛ فالأمر يبدو أنه لا يتوقف على المهرجانات الشعبية فقط،  فالحزن أصبح كلمة السر للمستمع المصري، بحسب مقارنة أجريناها بين عدد من الأغاني المختلفة في أهدافها لفنانين آخرين ليسوا من رواد المهرجانات الشعبية.

فالأغنية الأكثر شعبية لفنان مثل حمزة نمرة الذي يُغني منذ أكثر من 10 سنوات، كانت واحدة من أكثر أغانيه كآبة وهي «داري يا قلبي» التي تفوقت على كل المهرجانات محل الدراسة، بتخطي عدد مشاهداتها على «يوتيوب» 184.5 مليون مشاهدة، لتبلغ مشاهداتها أكثر من 10 أضعاف إحدى أكثر أغانيه الحالمة انتشارًا «احلم معايا» التي تدعو إلى التفاؤل بالمستقبل، وحصدت أكثر من 13.2 مليون مشاهدة.

وتفوقت «داري يا قلبي» على عدد من أشهر الأغاني التي تدعو للسعادة والطاقة الإيجابية، من بينها «اتجنن» التي تقول «اضحك والضحكة تبقى ضحكتين» لأمير عيد وزاب ثروت، والتي حصدت 2.8 مليون مشاهدة، واستمر التفوق للأغاني الحزينة أيضًا، على أغنية «انت تقدر» التحفيزية لمحمود العسيلي التي حصدت 23.4 مليون مشاهدة، وأغنية «تفاءلوا بالخير» لياسمين علي التي حصدت 22.5 مليون مشاهدة، وبذلك تحصد الأغاني التي تبث الطاقة الإيجابية ملايين المشاهدات، ولكن بمقارنتها بأغاني الحزن والصراعات تكون الغلبة للأغاني الأخيرة، التي يبدو أنها تعبر أكثر عن حال الكثير من المصريين، وهو ما علّق عليه الحلواني بالقول: «هذه طبيعة الشعوب العربية منذ الأزل؛ إحساسهم بمشاعر الحزن أعلى بكثير من الفرح حتى في الشعر والدراما، ربما لطبيعة الحياة العربية التي يسيطر عليها الحزن والمآسي».

فنون

منذ سنتين
من «احلم معايا» لـ«هطير من تاني».. أغاني حمزة نمرة تؤرخ لمراحل الثورة المصرية

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد