كشفت وسائل الإعلام الإسرائيلية قبل يومين عن إحباط محاولة لاغتيال اللواء ماجد فرج، رئيس جهاز المخابرات العامة الفلسطينية، نقلًا عن مصادر إسرائيلية فلسطينية، وسط صمت رسمي فلسطيني، رآه البعض تأكيدًا لصحة الرواية الإسرائيلية. وكاشفًا للصراع المكتوم حول خلافة الرئيس محمود عباس، الذي يدخل عامه الخامس والثمانين.

يكتسب هذا الخبر أهمية مُضاعفة في ضوء التطورات المرتبطة بإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن خطة السلام الأمريكية، المعروفة بـ«صفقة القرن»، اليوم (الثلاثاء) بعد تأجيلات مستمرة، وسط رفض فلسطيني رسمي وشعبي لها، كان شاهدًا عليها تجاهل محمود عباس لاتصالات ترامب معه.

في التقرير التالي نتتبع سيرة الرجل الذي لمع نفوذه مؤخرًا، وبات قريبًا من خلافة رفيقه على منصب الحكم، وعلاقة ذلك باحتمالية نجاح تمرير صفقة القرن أم لا، بعدما رفضت السلطات الحالية الموافقة عليها، وتمسكت بذلك علنًا.

ماجد فرج.. رجل الأمن الأول المدعوم دوليًا لخلافة عباس

هو رجل الأمن الأول في فلسطين، الذي لمع حضوره ونفوذه في السنوات الأخيرة، بعدما تحول لحاكم فعلي في كثير من القضايا، بفعل نفوذه الواسع، الذي اكتسبه من لقاءاته مع قادة الدول في الخارج، حتى صار أنصاره يناودنه بلقب «الباشا».

مؤيدون لفرج يرفعون صوره بعد محاولة اغتيال سابقة له

مستخدمًا ذريعة «التورط في الفساد»، تخلص ماجد فرج من كافة خصومه في دوائر السلطة ممن حاولوا نزاعه أو الإطاحة به وتهميشه. كان أبرزهم وآخرهم اللواء شحادة إسماعيل، مستشار الرئيس للأمن القومي، «أخلص المخلصين لعباس وعائلته»، الذي جرت الإطاحة به من منصبه في أبريل (نيسان) الماضي.

وبحسب مصادر مطلعة لـ«الأخبار اللبنانية»، فماجد فرج هو من رتّب تفاصيل إزاحة شحادة «بطريقة خلط فيها حقائق مع انطباعات غير صحيحة، واستغل فيها جملة من الأخطاء العادية التي اقترفتها أكثر شخصيات السلطة في أوقات سابقة».

بهذه التحركات أصبح ماجد فرج أكثر سيطرة على السلطة، حاكمًا فعليًا في الداخل والخارج، متأهبًا للمعركة الكُبرى في خلافة رفيق السنوات الطويلة محمود عباس (أبي مازن)، الذي يدخل عامه الخامس والثمانين، وسط ظروف استثنائية تمر بها القضية الفلسطينية.

وترتفع فرص ماجد فرج كوريث لمنصب الرئاسة الفلسطينية في ضوء نجاحه في الأعوام الأخيرة في انتزاع موافقة أمريكية إسرائيلية على صعوده، ونجاحه في مد علاقات قوية مع دول عربية فاعلة مؤثرة في الداخل الفلسطيني.

ويمكن القول إن خلفية فرج الأمنية تعد عامل مهم في ترجيح هذه الحظوظ كرئيس محتمل؛ فقد نجح في السنوات الأخيرة بتأدية الكثير من الأدوار الأمنية بتنسيق مع «المخابرات المركزيّة الأمريكيّة (سي آي إيه)» أو توجيه منها، داخل فلسطين، وعدد من الدول العربية التي تشهد تواجدًا فلسطنيًا، مثل سوريا.

دولي

منذ سنة واحدة
8 أسئلة تشرح لك ما هي «صفقة القرن»؟

كما حضر دومًا باعتباره صانع للسياسات في القضايا الخلافية الكُبرى، عبر مد قنوات سرية مع واشنطن وتل أبيب، خلافًا للمواقف المعلنة من الرئاسة الفلسطينية. كان أبرز الشواهد على ذلك هو اجتماعه سرًا، مع مايك بومبيو رئيس الاستخبارات الأمريكية آنذاك، العام قبل الماضي، بينما كانت الرئاسة الفلسطينية تُعلن المقاطعة الرسمية لإدارة ترامب، ويرفض أبو مازن التواصل معها.

وقد سبق هذا الاجتماع عشرات الجلسات السرية التي جمعت فرج بمسؤولي إسرائيل وواشنطن، التي دعمت مسألة نزع رئيس المخابرات العامة الفلسطينية موافقة أمريكية إسرائيلية على خلافته لأبي مازن مستقبليًا.

نيل الدعم الأمريكي والإسرائيلي بات حقيقة من المشاهد السابقة التي أكدها ضابط إسرائيليّ سابق في جهاز الاستخبارات العسكريّة يوني بن مناحيم، حين ذكر أن ماجد فرج المقرب من عباس، يحظى بدعم أمريكي وإسرائيلي وبدعم من بعض الدول العربيّة (لم يذكرها)، وقد يعيّنه عبّاس خليفة له.

وتُعزز تصريحات ماجد فرج دومًا الانطباعات حول تنسيق قوي بين جهازه الأمني مع إسرائيل، متباهيًا بنجاح رجاله في إحباط عشرات العمليات المسلحة تجاه المستوطنات الإسرائيلية. من أبرز هذه المواقف ما ذكره في مقابلة سابقة مع مجلة «ديفينس نيوز» في يناير (كانون الاول) 2016، حول نجاح قواته الأمنية في إحباط 200 هجوم مسلح ضد الإسرائيليين منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2015، وأنها تعمل جنبًا إلى جنب مع إسرائيل والولايات المتحدة.

من جانبه يقول عدنان أبو عامر، رئيس قسم العلوم السياسية والإعلام في جامعة الأمة للتعليم المفتوح في غزة، في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست» أن الكشف الإسرائيلي عن محاولة اغتيال اللواء ماجد فرج، والصمت الفلسطيني الرسمي، يدفعان نحو اعتراف السلطات الفلسطينية بصحتها. ويراها أبو عامر انعكاسًا للاستقطابات الداخلية الحاضرة في الشأن الفلسطيني، خصوصًا المرتبطة بالأنباء المتداولة عن خلفاء عباس.

ويُضيف أبو عامر أن فرج من هذه الأسماء المتقدمة ذات الحظوظ المرتفعة للغاية في احتمالية خلافته لأبومازن في منصب الرئيس؛ فرجل المخابرات الأول «بلا نقاش» لديه قبول أمريكي إسرائيلي وقبول من دول مؤثرة في الداخل الفلسطيني، وتحديدًا مصر، وقطر، وتركيا، والسعودية، مؤكدًا أن الجميع في فلسطين مُدركون أن أي رئيس قادم سيكون بتفاهمات دولية.

يستدرك أبو عامر قائلًا: «قبل كُل شيء ففرج رجل أمن، وهذه ميزة استثنائية  ستمنحه أولوية لوجيستية ومادية وأمنية عن بقية المرشحين الذين تتشابه مواقفهم معه في كثير من القضايا»، موضحًا أن فرج لديه شبكة علاقات قوية مع ضبّاط كبار في «سي آي إيه»، ونجح بالتنسيق معهم في تحديد تحرّكات أحد قادة تنظيم «القاعدة»، وهو أبو أنس الليبي، واختطافه في عام 2013، والإفراج عن رهينتين سويديّتين في عام 2015 كانتا مختطفتين لدى المجموعات المسلّحة منذ عام 2013.

كلمة لماجد فرج خلال إحدى المناسبات السياسية عن الأسرى والشهداء

«لكن لماذا نجح ماجد فرج في نيل موافقة إقليمية دولية بعدما كان محمد دحلان، القيادي المفصول من حركة فتح هو صاحب الحظ الأوفر وداعمًا لصفقة القرن؟» يُجيب عن ذلك مصدر فلسطيني مٌُقرب من السلطات الرسمية والفصائل الفلسطينية، لـ«ساسة بوست»، قائلًا: إن دحلان «حرق سفنًا كثيرة»، والنظرة الفلسطينية له بأنه «مُقاول أمني إماراتي» يعمل في دول مختلفة لصالح أبوظبي، أي أن أجندته غير فلسطينية، وهذا أمر تستوعبه واشنطن وتل أبيب ودول إقليمية، وتدرك أنه دوره لا يرقى إلى منصب الرئيس كما يطمح، مؤكدًا أن الصورة العامة للرئيس المُقبل أمر يؤخذ في الاعتبار من جانب هذه الدول.

ويكشف المصدر أن دحلان يحاول التنسيق مع خصوم ماجد فرج التقليديين، وأبرزهم توفيق الطيراوي، أحد مؤسسي جهاز المخابرات العامة، الذي تولى رئاسته بين عامي 2007 و2008، وهو موالي للقيادي المفصول، والآخر هو  أحد خصوم دحلان السابقين اللواء جبريل الرجوب، المسؤول الأسبق لجهاز «الأمن الوقائي»، مؤكدًا أن دحلان هو الذي كان وسيطًا في مصالحة رجوب مع مصر مؤخرًا التي سمحت له بزيارتها، ولقاء مسؤولين مصريين، بعدما كان ممنوعًا من دخولها.

ويؤكد المصدر أن فرج ومعه أمريكا وإسرائيل مدركون أن «حماس» لن يتم محوها، فهي ظهير شعبي وسياسي ونقابي، لكن سياسة الحد من نفوذها عسكريًا ممكن، وهو ما نجح فيه رجل المخابرات الأول باقتدار.

هل يصبح ماجد فرج الوسيط الفلسطيني الذي سيمرر صفقة القرن؟

كحال آلاف الفلسطينين ممن تذوقوا مرارات الاحتلال، عبر فقد ذوييهم، برصاصات جنود الاحتلال الطائشة، قُتل والد ماجد فرج على يد القوات الإسرائيلية في عام 2002 عن عمر يناهز 62 عامًا، بعدما أصابته رصاصة طائشة في عملية نتجت عن سلسلة من التفجيرات الفدائية في جميع أنحاء إسرائيل، وهو في طريقه بمدينة بيت لحم لشراء الحليب والخبز، بعما ظنوا أنه حامل لقنبلة.

غير أن هذا الموقف لم يزد فرج إلا تمسكًا بالتنسيق الدائم مع تل أبيب، وتوطيد صلاته مع واشنطن، مستعرضًا في مقابلاته جهود رجاله الدائمة في الحد من صلاحيات وسلطات حركة حماس، خصوصًا فيما يتصل بجناحها العسكري. غير أن الاختبار الأهم لماجد فرج عما إذا كان اغتيال والده سيكون مؤثرًا في تفاهماته مع أمريكا وإسرائيل لتمرير صفقة القرن، المُقرر إعلانها رسميًا اليوم، أم لا؟ وكشفت تسريبات من سياسيين مُطلعين على تفاصيل خطة الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، على «صفقة القرن»، أنها تقضي بأن يتاح لإسرائيل ضم نحو ثلث مساحة الضفة الغربية، على أن تبقى البقية للفلسطينيين، ويتم تسليمها لهم في نهايتها.

ترمب مع نتيناهو خلال التنسيق للإعلان الرسمي عن صفقة القرن

وتتقاطع هذه التسريبات حول أهمية الضفة الغربية في «صفقة القرن» مع ما كشفه المصدر الفلسطيني لـ«ساسة بوست» من أن نقطة تفوق فرج الرئيسة في السنوات الأخيرة هو نجاحه في توفير الأمن الكافي بالضفة الغربية، بعد استئصال حركة «حماس» وأسلحتها والحد من نفوذها العسكري كثيرًا، قائلًا: «التنظيم مضروب في الضفة الغربية بفضل جهود فرج ورجاله»، وأن الأخير يتبع سياسة «الباب الدوار» مع إسرائيل وواشنطن في التنسيق المعلوماتي.

وكان مسؤول فلسطيني قد أعلن عن رفض الرئيس محمود عباس تلقي مكالمة هاتفية من نظيره الأمريكي دونالد ترامب خلال الأيام الماضية، وأكد مسؤول فضل عدم الكشف عن هويته: «كانت هناك محاولات من ترامب لإجراء محادثة هاتفية مع عباس، ولكن الأخير رفض ذلك». وهذا الإمعان في الرفض يأتي على خلفية إعلان عباس مرارًا خلال العامين الماضيين رفض الفلسطينين لـ«صفقة القرن»؛ لأنها تُخرج القدس واللاجئين والحدود من طاولة المفاوضات.

كلمة رئيس المخابرات الفلسطينية خلال تأبين الرئيس الراحل ياسر عرفات

بحسب عدنان أبو عامر، فإن أي رئيس سيخلف أبا مازن سيكون أقل حدة في التفاوض مع الأمريكيين عن عباس، كما جرت العادة حين خلف الأخير الرئيس الراحل ياسر عرفات، مؤكدًا أن الأمريكيين لا ينتظرون الموافقة الفلسطينية، وأن هذه الصفقة تأتي استكمالًا لصفقات أخرى.

ويختتم أبو عامر تصريحاته بالتأكيد أن حال وصول ماجد فرج للسلطة سيتفاوض للوصول لصيغة ما، ستكون آشبه بالصيغة الوسط، لكن مسألة تمرير الصفقة بالشروط المعلنة ستكون أمرًا صعبًا.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 8 شهور
لماذا شعفاط؟ عاصمة فلسطين التي قد يختارها ترامب

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد