مجيد مجيدي مخرج، كاتب وممثل إيراني شهير. هو أحد أكثر المخرجين الإيرانيين شهرة وأكثرهم حصولا على جوائز وتقديرات محلية وعالمية. حتى عام 2006 كان المخرج الإيراني الوحيد الذي ترشحت أفلامه لجائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي. تتناول أفلام مجيدي كثيرا قضايا الأطفال أو قضايا اجتماعية. مجيدي مخرج متدين يوصف بأنه أكثر تصالحا مع النظام الإيراني من مخرجين كثر، يؤمن مجيدي أن الثورة الإسلامية أظهرت الهوية الثقافية الحقيقية للسينما الإيرانية، وأن الإيرانيين قبلها لم يروا في السينما أكثر من استهلاك تجاري لا يمثلهم، ويعتبر تكسير القاعات السينمائية في بداية الثورة دليلا على ذلك. انسحب مجيدي من إحدى الجوائز الدنماركية اعتراضا على الرسوم المسيئة للرسول محمد. صبغة الله (أو لون الفردوس في ترجمته الإنجليزية)، أطفال السماء وباران ثلاثة من أشهر أفلام مجيدي، اعتبرهم الناقد السينمائي روجر إيبرت أكثر أعمال مجيدي تميزا.

صبغة الله

مجيد مجيدي مخرج مؤمن بالله لا يخالط إيمانه شك أو ترديد، “صبغة الله” انعكاس جميل لإيمانه، يظهر هذا حتى في اسم الفيلم المقتبس من آية قرآنية. هو فيلم يتتبع عظمة الله وجلاله في صدق الأطفال وعفويتهم. على عكس العديد من الأفلام الإيرانية التي تأخذ شكلا دينيا، لا يهتم مجيدي بفرض رؤيته لله على أحد، الفيلم ليس دعاية دينية. هو ينظر للسماء فقط، دون أن يلتفت يمنة ويسرة. مجيدي ترشح عن فيلمه هذا وفيلم “أطفال السماء” لنيل جائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي. هو عمل يمكن أن تُنقد من خلاله النظرة المادية الاستهلاكية للأطفال في أفلام هوليوود، إذ يقف مجيدي تماما في الجهة المقابلة لهذه النظرة.

فيلم صبغة الله قصة طفل أعمى. يتكيف مع إعاقته بخفة الأطفال وبساطتهم. محمد يحب دروسه الخاصة بالعميان، وتحبه جدته وشقيقتاه. لكن والده هاشم، يخجل منه. هاشم يريد الزواج من امرأة تنتمي لعائلة ثرية بعد وفاة والدة محمد، وهو يخشى كثيرا أن يقف ابنه الأعمى عائقا في طريق زواجه الجديد. يبدأ مجيدي فيلمه بمشهد متقن، يظهر محمد واقفا خارج المدرسة ينتظر والده بعد نهاية فترة الدراسة وبداية عطلة الصيف، لكن هاشم لا يظهر.

محمد يمل الانتظار، وهو شغوف باستكشاف ما حوله، يدقق في أصوات الطبيعة ويتعقبها، يتلهى بقط، ثم يسمع صوت عصفور سقط بعيدا عن عشه. الفتى الأعمى يشحذ سمعه وحواسه الأخرى ليعثر على العصفور الصغير، يمسكه بين يديه بهدوء ويصعد الشجرة ثم يصغي لصوت “بكاء العصفور” ويضعه بلطف في عشه ناظرا للسماء. الله الذي يعرف أن العصفور سيسقط، يعيده هذه المرة إلى عشه بواسطة طفل أعمى. مشهد يعتبره النقاد أحد روائع مجيدي.

يصل الأب أخيرا إلى المدرسة، ثم يسأل المدير عن إمكانية بقاء محمد في المدرسة صيفا، ينفي المدير، فيضطر الأب إلى أخذ ابنه عائدا للقرية. لا تدوم فرحة محمد بدفء عائلته طويلا، إذ تقترح جدته أن يمضي الطفل الصيف عند نجار أعمى، كحل لرغبة الأب في التخلص منه ومن العار الذي يشعر به بسببه. النجار الأعمى يعلم الصبي الأعمى كيف يستطيع النجار أن يتجاوز عماه بتقوية اللمس.

الفيلم شديد البساطة بشكل متعمد، يعكس بساطة الطبيعة القروية الإيرانية. حتى إن موسيقى الفيلم في أساسها معتمدة على أصوات طبيعية مثل غناء الطيور وزقزقة العصافير وطنين الحشرات، ليجعل تجربة الفيلم حية تماما. الطفل محسن رمضاني أتقن دوره ببساطة ودون تصنع، في نهاية الفيلم يقاوم محمد سقوطه من على جسر في طريق عودته للقرية، يصور مجيدي ببراعة ردود فعل عفوية لطفل أمام الخطر حتى مع إيمانه باختبارات الله له. الفيلم بالتأكيد لا يتناسب مع الرؤية الهوليودية للأبوة. إذ يسمح مجيدي للإنسان أن يخطئ وللطفل أن تتحسن مشاعره تجاه والده.

صبغة الله فيلم يهتم بالعائلة أكثر من السوق، يتعمد البساطة مراعيا الأطفال الذين يخاطبهم أيضا. لكن مجيدي يؤكد أن مراعاته للأطفال تعني أن تجذب أفلامه الكبار قبل الأطفال، فالفيلم العائلي إذا لم يجذب الكبار لن يشاهده الصغار.

أطفال السماء

فيلم عائلي آخر من مجيدي، يصنف أحيانا على أنه أفضل ما قدمه المخرج. عام 1998 كان من بين الأفلام الخمسة المرشحة لأوسكار أفضل فيلم أجنبي. اختاره النقاد الإيرانيون كواحد من أفضل 5 أفلام إيرانية. الفيلم يمتع الكبار والصغار معا، إذ يصور مجيدي ببراعة قلاقل بطلي الفيلم، الطفلين الفقيرين. علي يفقد حذاء شقيقته زهراء، إذ يأخذه صدفة جامع القمامة. يخشى علي إخبار والديه، وزهراء لا تعرف كيف ستذهب للمدرسة. يتحدث الطفلان بلغة الرموز أمام والديهما ممتلئين خوفا، ويتفقان على حل مؤقت حتى يعثرا على حذاء زهراء. الحل بسيط. ترتدي زهراء حذاء علي صباحا لتذهب إلى المدرسة، ثم تعود فورا لتعطي حذاءها لعلي الذي يذهب لمدرسته في فترة مسائية. تبذل زهراء جهدا كبيرا لتعود من المدرسة بسرعة، لكن علي وهو طالب مجتهد ملتزم، يصل مدرسته كل يوم متأخرا ويتم توبيخه من الناظر.

مشهد الفيلم الأكثر حزنا هو لحظة تبحث فيها زهراء في أحذية المارة عن حذائها، فتراه فجأة في قدمي ابنة جامع القمامة. رعب الطفلة البسيط من فقدان أشيائها التي تحبها ولا تستطيع تعويضها ربما يتجاوز رعب جودزيلا في أفلام هوليوودية تتكلف الرعب التجاري.

مشهد آخر حاز إعجاب النقاد في الفيلم، علي ووالده على دراجة يتحركون من منطقتهم الفقيرة نحو أحياء الأغنياء. يتمنى الأب أن يُقبل للعمل كبستاني في حديقة أحد الأغنياء. يطرق الأب باب الغني، لكنه يتوتر ويقف صامتا حين يفتح الباب أمامه، ليتقدم علي ببساطة ويخبر الحارس أنهما يعرضان الاعتناء بحديقة مالك المنزل.

مشهد القمة هو مشهد المسابقة، تقام مسابقة للجري بين أطفال المنطقة. الفائز الثالث يحصل على حذاء، يحرص علي أن يكون الفائز الثالث، لكنه يحصل على المركز الأول، ليعود حزينا إلى منزله بالجائزة الأولى التي ليست حذاءً.

يقول روجر إيبرت عن الفيلم أنه شعر بالخجل حين قارن المادة الثرية التي تقدم لأطفال إيران من خلال أفلام مجيدي وبين سلاحف النينجا، المادة العنيفة التي يستمتع بها أطفال أمريكا، بينما فيلم كهذا لم يعرض فيه مجيدي حتى شجارا بين الطفلين. السلام الطفولي في أسرة فقيرة يحل عنده مكان شجارات الأغنياء التافهة.

باران (المطر)

كيف يبدو الناس في إيران، هل هم متعصبون؟ هل يكرهون أمريكا جميعا؟ في الحقيقة حين تكون البلد بعيدة جدا مثل أمريكا وتحمل دائما اسم عدو مقترنا معها فمن الطبيعي أن يحمل الجميع شعورا بالكره نحوها. بلا شك الأمريكيون يشعرون بعداء كهذا تجاه الإيرانيين أيضا. المطر يصور “الغرباء الشياطين” كبشر، ويظهر الجانب الإنساني منهم، ذاك الذي لا يظهر في زحمة الأخبار والسياسية كثيرا. مجيدي هنا يطرح فنه كمحاولة للتقريب بين البلاد التي لم ير أهلها سوى ديارهم قائلا الإنسان واحد.

“لطيف”، عامل بناء إيراني، يعمل في مبنى قيد الإنشاء على أطراف طهران. جميع العمال هنا يقومون بمهام جسدية شاقة، مثل رفع أكياس الأسمنت ذات الخمسين كيلوغراما، ما عدا لطيف لأنه إيراني. الأعمال الشاقة يقوم بها الأفغان مقابل أجر أقل. الإيراني يحضر الشاي والقهوة فقط ويشرب أكثر من الجميع.

إيران دولة تعج بملايين اللاجئين الأفغان الهاربين من حروب السوفييت والذين مازالوا يملئون شوارع طهران حتى الآن. يقبل الأفغان الأعمال الشاقة مقابل أجور منخفضة لأن أوضاعهم في الغالب تكون غير قانونية، فيتحملون ذل العيش في إيران كخيار أقل مرارة من ترحيلهم إلى أفغانستان. يعامل الأفغان في إيران كبشر أقل رتبة، ويرى الكثير من الأفغان الإيرانيين كشياطين، تماما كما قد ينظر الإيراني لأمريكي أو العكس.

تقع حادثة لأحد العمال الأفغان يوما، يسقط “نجف” فيتأذى بشكل يمنعه من مواصلة العمل. يرسل نجف ابنه رحمت للعمل بدلا عنه. رحمت طفل شديد النحافة ولا يتحمل ضغط العمل. يقرر صاحب العمل أن يجعل رحمت مسؤولا عن المطبخ وأن يكلف “لطيف” العامل المدلل بمهام الطفل. يغضب لطيف بشدة محدثا ضجة وأضرارا في المطبخ. يبدأ لطيف بعدها بمراقبة رحمت العامل الجديد وإيذاءه علّه يتمكن من العودة لمكانه القديم، لكنه يكتشف سره. رحمت في الواقع فتاة، واسمها باران، وهي تحاول جاهدة أن تبدو كالفتية. تماما كما تفعل الكثيرات من الأفغانيات لكي يتمكنّ من إعالة أسرهنّ وليتجنبن قلق العائلة فيما يخص شرفهن. لطيف يحاول مصدوما أن يحافظ على السر، يتعلم أن يصبح أكثر هدوءا وإنسانية مع الفتاة. الشرقيون يرون فروقا هائلة بين الرجل والمرأة. يخجل لطيف ويشعر بالكثير من الذنب وتأنيب الضمير، لتنشأ بينهما علاقة حب صامتة تماما. حين سئل مجيدي لماذا لم تتحدث باران طوال الفيلم أجاب بأنها تمثل أمتها الأفغانية المهدورة الحقوق في إيران، وأنه يرى الأفغان دائما يتم إسكاتهم. يقول أيضا أن أفلامه تبدو وكأنها تحمل بطولة ذكورية، لكن نقطة التحول في أفلامه كثيرا ما تسببها فتاة، تماما كما يرى المرأة في مجتمعه.

يشيد النقاد بتصوير الفيلم واستغلال ضوء الطبيعة لجعل الأماكن القبيحة أكثر جمالا. يصف النقاد مجيدي بأنه يجيد استخدام الشمس كمنبع رخيص يسهل الحصول عليه.


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد