بعد اجتماع لـ«المجلس الأعلى للأمن»، أعلنت الجزائر إدراجها حركتيْ «رشاد» و«الماك» في قائمة الحركات الإرهابية في مايو (أيار) 2021، كما اتهمت الحكومة هاتيْن الحركتيْن بافتعال الحرائق التي شهدتها العديد من المحافظات الجزائرية في الآونة الأخيرة، وتطالب حركة «الماك» باستقلال «منطقة القبائل»، وهي منطقة تقع شمال وسط الجزائر وتشمل عدَّة محافظات أهمها بجاية وتيزي وزو التي يتحدَّث أغلبية سكَّانها اللغة الأمازيغية، فمن تكون هذه الحركة التي صنَّفتها الجزائر «إرهابية»؟ 

كيف وُلدت حركة «الماك» الانفصالية؟

وُلدت حركة «الماك» الانفصالية من رحم الحركة الأمازيغية المنادية بالاعتراف بالبُعد الأمازيغي للجزائر، والتي ترفض «التعريب» الذي انتهجته البلاد بعد الاستقلال؛ إذ تطوَّرت مطالب مجموعة ناشطين داخل هذه الحركة شيئًا فشيئًا من مطالب متعلِّقة بترسيم اللغة الأمازيغية والإرث التاريخي للأمازيغ، إلى المطالبة بانفصال «منطقة القبائل»، وذلك إثر سلسلة من الأحداث أدَّت تدريجيًّا إلى الذهاب لأقصى الطرف في مطالب كتلة من هؤلاء الناشطين في منطقة القبائل.

زعيم حركة «الماك» فرحات مهني

وتعود جذور الحركة البربرية إلى ما سمِّي آنذاك بـ«الأزمة البربرية» في الحركة الوطنية الجزائرية سنة 1948، والتي اندلعت داخل حزب «الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية» للزعيم الوطني مصالي الحاج، بعد مذكِّرة بعث بها إلى الأمم المتحدة، نصَّ فيها على البعد العربي والإسلامي للأمة الجزائرية، مهملًا البُعد الأمازيغي، مما أثار اعتراض بعض الأعضاء في الحزب – الناشطين بشكل رئيس في العاصمة الفرنسية باريس – الذين عدوا ذلك إقصاءً وقمعًا لجانب من الهوية الجزائرية من طرف مصالي الحاج، وقد جرت معاقبة هؤلاء الأعضاء بالإبعاد من الحزب. 

لاحقًا تطوَّرت المطالب بالاعتراف بالبُعد الأمازيغي في الجزائر، خصوصًا بعد الاستقلال ووصول الرئيس بن بلة إلى السلطة في سنة 1962، والذي تبنَّى فكر القومية العربية وأقصى البعد الأمازيغي للهوية الجزائرية، وهو ما أثار امتعاض ناشطي الحركة الأمازيغية.

وفي ظلِّ حكم «الحزب الواحد» المتمثِّل في «جبهة التحرير الوطني»، نشأت عدَّة حركات وجمعيات مطالبة بالاعتراف بالبعد الأمازيغي، ومطالبة بالاعتراف باللغة والثقافة الأمازيغية، وتبنِّي الدولة الجزائرية لها، ففي الخارج نشأت «الأكاديمية البربرية» في عام 1966 من طرف محند أعراب بسعود، بالإضافة إلى كتَّاب ومثقَّفين، أما في الداخل فقد نشأت «الحركة البربرية الثقافية» بوصفها جمعية تضمُّ العديد من الناشطين السياسيين والكتَّاب والمغنيين المطالبين بالاعتراف بالبعد الأمازيغي من لغة وثقافة وهويَّة؛ كما تبنَّت هذه المطالب أحزاب سياسيَّة مثل «جبهة القوى الاشتراكية» و«التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية».

فرحات مهنِّي، زعيم حركة «الماك» المطالبة باستقلال منطقة القبائل، يظهر بوصفه شخصيةً محوريَّةً والمنظِّر الرئيس للحركة الأمازيغية، التي كانت مطالبها في البداية محصورة في الاعتراف بالبعد الأمازيغي للهوية الجزائرية، فقد كان هذا الفنَّان المغنِّي من أبرز ناشطي «الحركة الثقافية البربرية» وأكثرهم شهرة في «منطقة القبائل»، وكانت تحظى سهراته الفنية خلال الثمانينيات بحضور طاغٍ، خصوصًا وأنه اشتهر بالأغنية السياسية التي تحمل مضامين ناقدة للسلطة ومنادية بالبعد الأمازيغي.

وبالتالي فإن أعمال فرحات الفنية قد شكَّلت نافذة نادرة للتعبير عن الرأي المعارض، بسقف مرتفع في ظلِّ أجواء مغلقة، تسيطر عليها الأحادية والسلطوية، حيث كان ممنوعًا إنشاء أحزاب أو جمعيات أو وسائل إعلام حرَّة قبل سنة 1988. 

وبالإضافة إلى نشاطه في الحركة الثقافية البربرية، كان فرحات مهني أحد مؤسسي الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان، بالإضافة إلى حزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» رفقة سعيد سعدي وآخرين، قبل استقالته من الحزب؛ وبالتالي فإن نشاط فرحات مهني تركز على المطالب الحقوقية والديمقراطية والثقافية إلى غاية التسعينيات.  

ولم تكن مطالب الاستقلال أو الانفصال أو تقرير المصير لـ«منطقة القبائل» حاضرةً في خطاب فرحات مهني خلال نشاطه في فترة السبعينيات والثمانينيات؛ ففي لقاء مع التلفزيون الرسمي، أكد افتخاره بالهوية الجزائرية بأبعادها الثلاثة من إسلام وعروبة وأمازيغية حسب قوله، وفي عام 2001 عرفت «منطقة القبائل» حدثًا محوريًّا، متمثِّلًا في مقتل الشاب ماسينيسا قرماح في أحد أقسام الدرك الوطني، وهو ما أطلق شرارة احتجاجات عنيفة ودمويَّة عصفت بالمنطقة، وأدت لمقتل 127 شخصًا؛ وتعرف أحداث أبريل (نيسان) 2001 باسم «الربيع الأسود».

إثر هذه الأحداث الدموية التي أجَّجت غضب سكان المنطقة وامتعاضهم، وزادت من انعزاليتها ودفعت ببعض شبابها إلى اتخاذ موقف أكثر تطرُّفًا من السلطة، أسَّس فرحات مهني حركة «الماك» المطالبة بالحكم الذاتي في الخامس من يونيو (حزيران) 2001، ليتطوَّر نشاطه إلى تأسيس «حكومة قبائلية مؤقتة» في سنة 2010، ويتطوَّر المطلب تدريجيًّا من الحكم الذاتي إلى تقرير المصير والاستقلال. 

ويؤكِّد فرحات مهني في خطاباته عن وجود فروقات بين «منطقة القبائل» و«شعب القبائل» كما يقول، والشعب الجزائري؛ فيتبنَّى أطروحات تركِّز على الفروقات اللغوية والدينية والثقافية بين المنطقة وباقي المحافظات الجزائرية من وجهة نظره، وهو ما يراه خصومه ترديدًا لأطروحات وكتابات كولونيالية انتشرت في فترة الاستعمار حاولت التفريق بين العنصر العربي والأمازيغي في الجزائر.

كما يستدل فرحات بما يراه تاريخ القمع الذي تعرَّضت له المنطقة ويندِّد ما يصفه عمليَّة «التعريب» ليصل إلى نتيجة ضرورة استقلال المنطقة عن باقي الجزائر، وتجد أطروحات الحركة بعض التأييد في صفوف نشطاء وطلاب جامعات في الداخل الجزائري، بالإضافة إلى العاصمة باريس، حيث يقيم زعيم الحركة، وإقليم كيباك في كندا.

وفي مايو (أيار) 2012، قام فرحات مهني بزيارة إلى إسرائيل، والتقى جاك كيفر، المسؤول عن العلاقات الخارجية في حزب الليكود اليميني المتطرِّف، وذلك من أجل الحصول على دعم دولي لمشروعه الانفصالي في الجزائر، وفي عام 2018، دعا مهني سكَّان «منطقة القبائل» إلى تشكيل «ميليشيات مسلَّحة» من أجل تأمين المنطقة من «الاحتلال الجزائري» حسب تعبيره، وهي التصريحات التي جعلته محلَّ انتقادات واسعة، بوصفها دعوة إلى الحرب الأهلية في المنطقة.

«الاختراق».. فزَّاعة السلطة لكسر الحراك الشعبي

شكَّلت حركة «الماك» من خلال خطابها الراديكالي ضد السلطة والدولة الجزائرية، التي كانت تشهد ضعفًا سياسيًّا شديدًا بسبب مرض الرئيس بوتفليقة؛ مساحة للكثير من شباب منطقة القبائل من أجل التعبير عن الإحباط والغضب والاعتراض على الأوضاع التي تعرفها البلاد قبل انطلاق الحراك في سنة 2019.

لكن الحراك الشعبي الذي عرفته البلاد فتح آفاق أرحب للكثير من الشباب من أجل التعبير عن هذا الاعتراض، والابتعاد عن الخطاب الانفصالي والعنصري، والغرق في الهويات الفرعية التي تتبنَّاها الحركة، كما أن الدولة الجزائرية قد تبنَّت جانبًا كبيرًا من مطالب الناشطين الأمازيغ، من خلال ترسيم اللغة الأمازيغية في الدستور منذ سنة 2016، وحتى تدريسها في المدارس العمومية. 

مظاهرات لحركة «الماك»

«منطقة القبائل» (محافظتي تيزي وزو وبجاية) عرفت مشاركة قوية في الحراك الشعبي الذي شهدته البلاد منذ عام 2019، وفي الوقت الذي نجحت فيه السلطة في قمع الحراك في باقي المحافظات من خلال الاعتقال والتضييق الأمني، فإن الاحتجاجات في منطقة القبائل استمرَّت إلى غاية توقُّفها بسبب جائحة كورونا، كما أن المنطقة عرفت مقاطعة شاملة للانتخابات الرئاسية في 12 ديسمبر (كانون الأول) 2019 التي جاءت بعبد المجيد تبون رئيسًا للبلاد، ثم الانتخابات البرلمانية في يونيو (حزيران) الماضي، مما أضحى يشكِّل كابوسًا بالنسبة للسلطة، وتهديدًا للوحدة الوطنية. 

هذا النَفَس الاحتجاجي للمنطقة أضحى مصدر قلق للسلطة التي تتجنَّب التعامل الأمني مع المظاهرات، خشية تصاعد الوتيرة الاحتجاجية وخروجها عن السيطرة، وهو ما دفعها إلى ترك حرية التظاهر بتلك المنطقة مع مواصلة التضييق على المحافظات الأخرى إلى غاية إيقافها، خصوصًا في العاصمة التي كانت تشهد أكبر حشد شعبي. 

وقد استغلَّت السلطة، نشاط الحركة الانفصالية في منطقة القبائل، من أجل بثِّ دعاية ضد الحراك الشعبي، واتهامه بأنَّه «مخترق» من طرف حركتيْ «الماك» و«رشاد»، وذلك من أجل زيادة وتيرة القمع تجاهه، وقد بثَّ التلفزيون العمومي موادًّا دعائية تربط الحراك بالحركة الانفصالية، بالإضافة إلى صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي تبثُّ موادًّا دعائية مماثلة. 

لكن في الواقع يبدو أن هنالك عدائية للحركة الانفصالية تجاه الحراك الشعبي من الأساس وليس هي من تشعله، لأنه يرفع مطالب وطنية جامعة؛ إذ تنتقد الصفحات القريبة من الحركة الانفصالية المشاركين في مسيرات الحراك، خصوصًا أن الحراك وشعاراته لا تخدم مشروعها الانفصالي الأصلي. 

«الماك» في قائمة الإرهاب.. إلامَ يشير هذا التغيُّر في عهد تبون؟

عرف تعامل السلطة مع حركة «الماك» اختلافًا بين عهدي الرئيس بوتفليقة والرئيس تبُّون، فخلال عهد بوتفليقة، سعى النظام إلى تجنُّب الصدام المباشر مع الحركة أو استخدام القمع المفرط تجاهها، من أجل عدم اكتسابها صفة المظلومية، وهو ما قد يكسبها تعاطفًا أكبر مع المجتمع المحلِّي وحماية أكبر من طرف المجتمع الدولي بذريعة «حماية الأقليات»، وبالتالي زيادة عدد أعضائها وتصدُّرها للمشهد المعارض في المنطقة وتكثيف التركيز الإعلامي عليها، فرغم وجود متابعات قضائية لبعض أعضائها خلال فترة بوتفليقة، فإن الحركة كانت تقوم بتنشيط مظاهرات في المنطقة، وترفع أعلامها الانفصالية بحريَّة نسبية دون تعرُّض قوى الأمن لها. 

وفي خضم الحراك الشعبي سنة 2019، وبالتحديد في شهر أبريل (نيسان)، أقام رئيس حركة «الماك» محاضرة مرئيَّة مباشرة عبر «سكايب» داخل قاعة المحاضرات في جامعة مولود معمري بمحافظة تيزي وزو، كما أجرى محاضرة مرئية أخرى بالوسيلة نفسها في ساحة عمومية في وسط المدينة، دون أن تتدخَّل السلطات العمومية لمنع هذه المحاضرة، وقد أثارت الحادثة موجة غضب كبيرة ممن انتقدوا تراخي السلطات في التصدي للحركة الانفصالية، وتساؤلات حول أسباب عدم تدخُّل السلطات لمنع هذه المحاضرة، خصوصًا وأنَّها جرت داخل مؤسسة تعليمية عمومية.

وقد جاء توضيح عميد جامعة تيزي وزو الذي اتضح منه أن السلطة أرادت تجنُّب تكرار حادثة ما سُمي أمازيغيًّا بـ«الربيع الأمازيغي» التي وقعت سنة 1980 في المحافظة ذاتها، حين أدَّى منع البروفيسور مولود معمري من إلقاء محاضرة حول الشعر القبائلي، إلى اندلاع احتجاجات عنيفة في المنطقة. 

لكن تعامل السلطة مع الحركة الانفصالية تغيَّر تمامًا في صيف 2021؛ إذ أعلن «المجلس الأعلى للأمن» الذي يرأسه الرئيس تبون بعد اجتماع له في مايو الماضي، تصنيف الحركة الانفصالية، إلى جانب «حركة رشاد» المعارضة، حركتيْن «إرهابيّتين»، وبدأت السلطة حملة اعتقالات في صفوفها، من بينها أعضاء جرى اتهامهم بالمشاركة في مقتل جمال بن سماعين، وهو مواطن جرى قتله والتنكيل بجثته ثم حرقه في ساحة عمومية في مدينة لاربعا ناثيراثن، الواقعة بمحافظة تيزي وزو، بعد اتهامه بإشعال الحرائق في المنطقة، ليتَّضح فيما بعد براءته من هذه الاتهامات، وأنّه تنقَّل إلى المحافظة من أجل المساعدة في إطفاء الحرائق.

وقد أثار السفير المغربي في الأمم المتَّحدة، سخط السلطات الجزائرية بعد إصداره مذكِّرة رسمية تطالب بـ«تقرير المصير لشعب القبائل الشجاع» بحسب تعبيره في سابقة هي الأولى من نوعها التي تصدر من السلطات المغربية، دعمًا للحركة الانفصالية، وقد شكر فرحات مهني المغرب على هذه الخطوة، في حين أنَّ الجزائر عدتها مساسًا بوحدتها الوطنية، وطالبت المغرب رسميًّا بتوضيح موقفها من هذه المذكِّرة، ليعلن بعدها «المجلس الأعلى للأمن» في الجزائر إعادة النظر في العلاقات مع المغرب، ثم يتطوَّر الأمر إلى إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية مع الجارة المغربية.

ويبدو واضحًا أن هنالك تغيُّرًا في سياسة الحكومة تجاه الحركة الانفصالية، وتوجُّهًا في زيادة وتيرة القمع ضد الحركة المتَّهمة بـ«الإرهاب»، من خلال إصدار مذكرة توقيف دولية في حق زعيم الحركة فرحات مهني، واعتقال ناشطين منتمين إليها، ويمهد للسلطة في ذلك الغضب الشعبي من جرَّاء حادثة اغتيال جمال بن سماعين بطريقة وحشية، وما خلَّفه من امتعاض كبير واتهام للتنظيم الانفصالي بالوقوف وراءه، كما تستعمل السلطة الخوف من هذه الحركة – بالإضافة إلى «رشاد» – لاتهام مسيرات الحراك بالاختراق، وتقديمها ذريعةً للتعامل الأمني مع الحراك.

مجتمع

منذ 3 سنوات
هل يُعادي الأمازيغ في الجزائر الإسلام حقًّا؟

المصادر

تحميل المزيد