بالطبع ليس كل العادات التي يكتسبها الإنسان «سيئة»، بل إن هناك عادات ضرورية للإنسان، مثل أن يجد الشخص طريقه للمنزل بشكل تلقائي، ومثل غسلنا لأيدينا، دون الحاجة إلى التفكير في كل خطوة من خطوات الغسل.

لكن عدم القدرة على التحول من فكرة العمل التلقائي، الذي بات عادة، إلى التصرف بطريقة متعمّدة ومتأنّية، يسبقها، ولو بعض التفكير؛ يُمكنه أن يسبب لنا الإدمان واضطرابات «الوسواس القهري».

المخ والعادة

وعبر العمل على نماذج فئران تجارب، قام فريق باحثين دولي بتوضيح ما الذي يحدث في المخ عند تحول الفعل إلى عادة تتحكم في سلوكياتنا. الدراسة نشرها هؤلاء الباحثون في مجلة «نيورون» المتخصصة، وكانت بقيادة «كريستينا غريميل»، أستاذ مساعد في علم النفس في «جامعة كاليفورنيا» في سان دييغو، والتي بدأت العمل كباحثة ما بعد الدكتوراه في «المعهد الوطني لتعاطي الكحول والإدمان»، على الكحول في المعاهد الوطنية للصحة.

وذكرت غريميل أن هذه الدراسة تقدم أقوى دليل حتى الآن، على أن كلًا من الدوائر الدماغية الخاصة بأفعال العادات، وتلك الدوائر الخاصة بالعمل الموجه والمقصود، تتنافس؛ من أجل السيطرة في منطقة «القشرة الأمامية المدارية» (orbitofrontal cortex) للمخ، وهي المنطقة الخاصة بعمليات صنع القرار في الدماغ.

الفكرة هنا أنه يوجد مواد كيميائية عصبية في الدماغ تسمى «إندوكانابينويدز» (endocannabinoids)، هذه المواد تسمح للدوائر الخاصة بالعادات بالتفوق وتولي القيادة، عبر آلية معينة تعمل على كبح جماح الأفعال الخاصة بالأعمال الموجهة.

من هنا نفهم أن هناك صراعًا داخل الدماغ؛ بين العادة وبين الفعل المقصود، ونتيجة لمواد كيميائية معينة، فإن العادة هي المتفوقة والمسيطرة على المنطقة في الدماغ المسؤولة عن اتخاذ القرارات، وبالتالي فإن عاداتنا هي التي تتحكم فينا، دون تدخلات كبيرة من قبلنا.

المخ

منطقة القشرة الأمامية المدارية في المخ


«إندوكانابينويدز»

هذه المواد الكيميائية العصبية (كيميائية؛ لأن تركيبها كيميائي عضوي، وعصبية لأنها تتواجد في الخلايا العصبية بالمخ)، تمثل فئة من المواد الكيميائية التي تنتج بشكل طبيعي من قبل البشر والحيوانات الأخرى. وقد تم العثور على مستقبلات «endocannabinoids» في جميع أنحاء الجسم والدماغ، ويشارك نظام الـ«endocannabinoid» في مجموعة متنوعة من العمليات الفسيولوجية، بما في ذلك الشهية، والإحساس بالألم، والمزاج والذاكرة. كما أن هذا النظام مسؤول ـ أيضًا ـ عن الآثار النفسية للأدوية المشتقة من «القنب».

وكانت دراسات سابقة من قبل «غريميل» وزميلها «كوستا»، قد أظهرت أن القشرة الأمامية المدارية هي منطقة الدماغ المسؤولة عن نقل المعلومات الخاصة بالأفعال الموجهة أو المتعمدة. ووجد الباحثون أن زيادة إنتاج إفراز «السيالات العصبية» (الإشارات الكهربائية) الخاصة بالخلايا العصبية في القشرة الدماغية الأمامية عبر تقنية تسمى البصريات الوراثية (optogenetics) – ويقصد بها تحديدًا تشغيل وإطفاء الخلايا العصبية باستخدام ومضات من الضوء- أنها أدت إلى زيادة الأفعال الموجهة. وفي المقابل، عندما انخفض النشاط في نفس المنطقة باستخدام وسائل كيميائية معينة، أدى هذا إلى التقليل من نشاط الأفعال الموجهة، والاعتماد بشكل رئيس على الأفعال الخاصة بالعادات.

وبالعودة إلى الدراسة الجديدة، ولأنه من المعروف أن الإندوكانابينويدز تحد من نشاط الخلايا العصبية بشكل عام، فقد افترض الباحثون أن هذه المواد الكيميائية هي التي تقوم بتهدئة، أو الحد من النشاط في منطقة القشرة الأمامية المدارية، وبالتالي فإنها تحد من الأفعال الموجهة.

المخ

عملية التوصيل بين الخلايا العصبية تتم عبر مواد كيميائية بينها الإندوكانابينويدز


التجربة مع الفئران

الباحثون ركزوا ـ تحديدًا ـ على الخلايا العصبية المنبثقة من منطقة القشرة الأمامية المدارية باتجاه منطقة معينة في الجزء تحت القشري للدماغ الأمامية، تدعى الجسم المخطط (dorsomedial striatum). وقاموا بتدريب الفئران على أداء مهمة تتعلق بالضغط على رافعة معينة؛ حتى يحصلوا على نفس المكافأة من الطعام في كل مرة، ولكن في بيئتين مختلفتين، كل منهما تنحاز باتجاه نوع معين من الأفعال، الأفعال الموجهة أو الفعال المعتادة.

ومثل البشر الذين لا يعانون من الاضطرابات العصبية والنفسية، فإن الفئران السليمة سيمكنها التحول بسهولة بين أداء نفس العمل باستخدام تقنية الأفعال الموجهة، أو بتقنية الأفعال المعتادة. وكما ذكرنا في المثال في بداية التقرير، والخاص بالذهاب إلى المنزل، فإن الباحثين كان بإمكانهم تبديل فكرة «الطيار الآلي» عبر إلغاء تفعيله، والتحول إلى السلوك الخاص بالأفعال الموجهة، وذلك عندما نريد الذهاب إلى موقع أو مكان جديد غير معتاد.

ولاختبار الفرضية التي أعلنها هؤلاء الباحثون، والخاصة بالدور الذي تلعبه الـ«endocannabinoids»، حذف الباحثون مستقبلات «endocannabinoid» معينة، يطلق عليها اسم «كانابينويد-1» أو «CB1»، وذلك في المسار بين القشرة الأمامية المدارية والجسم المخطط. الفئران التي حذفت منها هذه المستقبلات، لم تعد قادرة على تكوين عادات، وهو ما يعني أن الأفعال الموجهة أصبحت لها القيادة في منطقة تكوين القرارات بالدماغ.

وذكرت الباحثة الرئيسة، غريميل، أننا بحاجة إلى تحقيق توازن بين الأفعال المعتادة والأفعال الموجهة، فحتى يمكننا تحقيق وظائفنا اليومية، فنحن بحاجة إلى أن تكون عندنا القدرة على القيام بالإجراءات الروتينية المعتادة بسرعة وكفاءة، وبالطبع فإن العادات هي التي تخدم هذا الغرض بشكل كامل. وأضافت «ومع ذلك، ونحن أيضًا نواجه بعض الظروف المتغيرة، وبالتالي نحتاج إلى القدرة على كسر العادات، وتنفيذ الأفعال الموجهة، بناء على المعلومات التي تم تحديثها. فإذا لم تكن عندنا هذه القدرة على كسر العادات، فسنواجه في هذه اللحظة عواقب وخيمة في حياتنا».

قد تمكن هذه النتائج، طبقًا لما يقوله الباحثون، للوصول إلى هدف علاجي جديد للأشخاص الذين يعانون من الوسواس القهري أو الإدمان، وذلك عبر إيقاف الاعتماد المفرط على العادات، واستعادة القدرة على التحول من العادة إلى العمل الموجه، وبالتالي فإنه سيكون من المفيد لهذا الشخص علاج نظام «endocannabinoid» في الدماغ الخاص به، وبالتالي التقليل من سيطرة الأفعال المعتادة على سلوك الفرد. العلاج يمكن أن يكون علاجًا دوائيًا فقط، أو قد ينطوي أيضًا على العلاج السلوكي. وهذا الأمر ـ تحديدًا ـ لم يزال بحاجة إلى الكثير من الأبحاث التالية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد