في منتصف طريق ريفي منحدر ومتعرج في مقاطعة وستشستر بولاية نيويورك، يقبع أحد أشهر الأشخاص الثوريين في أميركا تحت ثلاثة أقدام من الثلج الأبيض الهش، فمنذ 50 عاماً تم قتل مالكوم إكس في قاعة أودوبون في هارلم، وتم دفنه حينها في مقبرة فيرنكليف البعيدة عن شعبه الذي كان يدافع عنه، حيث يحيط بقبره الأندية الفاخرة ونوادي الجولف، في المقبرة التي تعتبر مدفناً للكثير من المشاهير الآخرين بما في ذلك جودي غارلاند وجوان كراوفورد وإد سوليفان.

إنه رمز كبير، وعلى الرغم من أن مالكوم كان له الكثير من التصريحات والنشاطات خلال حياته، إلا أن ابنته إلياسا شباز تخشى من عدم فهم تاريخ والدها بشكل صحيح حيث تقول “عندما كنت أشاهد تنصيب أوباما الثاني، بدأت أقلق فعلاً أنه تم تحريف تاريخ والدي”، موضحة عزمها على تصحيح -ما تعتقده- تحريفاً لإرث والدها، وذلك من خلال سلسلة من المشاريع التي تشمل تحويل المركز التذكاري لمالكوم إكس في قاعة أودوبون إلى مؤسسة أكثر نشاطاً، والاحتفال بذكرى مقتل مالكوم إكس بلحظة صمت، ودعم الحملة الهادفة لجعل عيد ميلاده عطلة وطنية في الولايات المتحدة أسوة بمارتن لوثر كينغ.

على الرغم من أن هذه الخطط تبدو بعيدة التحقيق، ولكن لا بد لنا من الاعتراف بأن مالكوم إكس مايزال شخصية قوية ومؤثرة في الوعي السياسي، ويشكل جزءاً مقبولاً من النطاق الواسع للتاريخ الأميركية؛ ففي عام 1972 تناولت أرملة مالكولم بيتي شباز العشاء مع الرئيس الأمريكي حينها ريتشارد نيكسون، وفي عام 1999 قام مكتب الخدمات البريدية في الولايات المتحدة بإصدار طابع مالكوم إكس تكريماً له في ذكراه، الأمر الذي إن شاهده مالكوم ذاته لن يصدقه.

ومع ذلك، يبدو أن الاعتراف بمالكوم إكس بالنسبة للرئيس أوباما – الذي رفض الاعتراف بأنه مسلم – أصعب من اعتراف كلينتون أو نيكسون به، فعلى الرغم من أن أوباما قد ذكر أن السيرة الذاتية لمالكوم إكس ألهمته عندما كان شاباً، إلا أنه مازال يثبت التمثال النصفي لمارتن لوثر كينغ في مكتبه الرئاسي، ويمكن القول أنه من السهل على المؤسسة السياسية تبني عقيدة مارتن لوثر كينغ، بدلاً من الاعتراف بالعواقب التي نتجت عن عنصرية مالكوم إكس ومناداته بالعدالة، وهذا الواقع السياسي هو الذي يزعج إلياسا، التي تدعو جميع السياسيين إلى قول الحقيقة والاعتراف بفضل مالكوم إكس.

إلياسا كانت موجودة بعد ظهر يوم 21 فبراير من عام 1965 عندما قُتل والدها بأكثر من 20 رصاصة على يد أتباع منظمته السابقة أمة الإسلام، حيث كانت تجلس إلى جانب شقيقاتها الثلاث الصغيرات ووالدتها التي كانت حاملاً بفتاتين توأمين، وتقول إلياسا إنها لا تتذكر أي تفصيل من الأحداث المرعبة التي جرت ذلك اليوم، كونها لم تكن تتجاوز السنتين من العمر، لكنها بذات الوقت تقول إنها تستطيع تذكر بعض الأمور عن والدها “أتذكر أنه طويل القامة، وجميل، ذو أسنان كبيرة، وأتذكر الدمية التي أعطاني إياها، وأتذكر الكرسي الهزاز الخاص بي، وأتذكر صوته”.

معظم ما تتذكره إلياسا عن والدها هو الحب، هذا الجانب الغير معروف علناً لدى العامة، كون شخصية مالكوم ترتبط مع ظهوره العلني كشخصية انفصالية متشددة وغاضبة؛ فمالكوم المعروف أيضاً باسم الحاج مالك الشباز، دعا للانضباط والاعتماد على الذات والشعور بالكبرياء في مجتمع السود، وتشير إلياسا أن والدها لم يؤيد العنف، بل دعا أتباعه إلى الدفاع عن أنفسهم فقط في وجه الاعتداءات والقتل الذي كان يستهدفهم بشكل يومي، وبعد خروجه من منظمة أمة الإسلام في عام 1964، انضم إلى منظمة المذهب السني وهناك تطورت مواقفه حول الكثير من المواضيع مثل حقوق المرأة، والزواج بين الأعراق، وإمكانية العمل مع جميع الأجناس والألوان ضد الظلم وتحت رابط الأخوة المشتركة.

قبل وفاته، لم يكن مالكوم إكس مجرد محرض وواعظ بسيط يدور في أحياء السود، بل كان ممثلاً عن الثورة العالمية، حيث استطاع جمع تحالف إفريقي مع زعماء من الشرق الأوسط لدعم منظمته الجديدة منظمة الوحدة الإفريقية الأمريكية، التي كان يعزم من خلالها الضغط على الولايات المتحدة في الأمم المتحدة للمطالبة بتطبيق حقوق الإنسان.

ولكن هذه الثورة ضاعت ضمن التيار التاريخي الأمريكي، هذا التاريخ الذي يتذكر مالكوم عندما قال ذات مرة “إن العدو المشترك هو الرجل الأبيض”، والذي يتذكر أنه قال للأميركيين السود أن من حقهم القانوني شراء وحمل بندقية، كما يذكر التاريخ الأمريكي أن مالكوم علّق على اغتيال الرئيس كينيدي بقوله “عندما يعود الدجاج إلى المنزل للشوي فأنا لا أنزعج”، كما وصفته صحيفة نيويورك تايمز بأنه “رجل استثنائي ومنحرف” كونه استعمل قدراته في منحى الشر، في حين وصفته التايم بـ”الغوغائي الذي ينتهج عقيدة العنف”.

تقول إلياسا “لقد تم تشويه صورة مالكولم” وتضيف أن والدها كان بحاجة لاستخدام لغة قوية لتوعية العالم نحو ما يواجهه السود حيث تقول “والدي يعتمد على عامل الصدمة، هو لا يعتقد أن جميع البيض شياطين، ولكن كان عليه أن يستخدم هذه العبارات القاسية لأنه كان يحاول تحفيز الأشخاص، لقد كان يحاول إعادة تعليم الناس التي كان تعليمها فاشلاً، وأعني بذلك كل أمريكا”.

تعترف إلياسا أنها استغرقت وقتاً طويلاً حتى وجدت صوتها وغايتها، وهذا التأخير ناجم عن نشوئها في إحدى الضواحي الغنية مع البيض، حيث استقلت أجمل السيارات، وتلقت تعليمها في أفضل المدارس الخاصة، لذا كانت معزولة عن الحياة العامة، ولم تدرك أنها ابنة أحد أكثر الزعماء الأميركيين إثارة للجدل، حيث لم تشعر بالتمييز العنصري ضدها باعتبارها امرأة أو مسلمة أو سوداء من أصل إفريقي، وصُدمت فقط عندما أصبحت في الجامعة وركض الناس خلفها وهم يصيحون “أنتِ ابنة مالكوم إكس”.

“الجامعة هي أول مكان أشعر فيه واقعياً بالفرق بين السود والبيض، لقد استغربت عندما قام اتحاد الطلاب السود بتعييني رئيسة لهم قبل أن أصل إلى الجامعة، ماذا يفترض بي أن أقول؟ السلطة للشعب؟ قولوا لا للمخدرات؟” قالتها إلياسا ضاحكة وأضافت “الخطابة ترعبني، وذات مرة هربت من أحد الخطابات وتظاهرت بأنني مريضة، شقيقتي هدأت من روعي وقالت لي مراراً أنني ابنة مالكوم إكس، ولست بحاجة لإثبات هذا الشيء لأي شخص” وتتابع” الجميع يريد مني أن أكون هذا الشخص السياسي، أنا لست مالكوم اكس، أنا أحب تعليم اليافعين، وأحب توضيح ميراث والدي من خلال كتبي”، علماً أن إلياسا كتبت كتاب للأطفال بعنوان “مالكولم ليتل: الفتى الذي شب ليصبح مالكولم إكس”، ومؤخراً أصدرت كتاب “إكس: رواية”.

كتبت إلياسا أيضاً سيرتها الذاتية، التي شرحت فيها آلامها وحاجتها لفهم وفاة والدتها في عام 1997، حيث تقول “لقد كنت في علاقة وثيقة للغاية مع أمي، حصلت على كل شيء منها، فهي إنسانة مذهلة، حيث استطاعت أمي “بيتي شباز” تربية ست فتيات لوحدها، واستطاعت الدخول في ذات الوقت إلى الجامعة، وحصلت على درجة الدكتوراه، وكانت اللاعب الأساسي لضمان حفظ مواقف مالكوم إكس الصحيحة في التاريخ، أمي هي ملهمتي”.

إلياسه مالكوم إكس

 

توفيت بيتي شباز أرملة مالكوم إكس نتيجة للحريق الذي شب في منزلها والذي أضرمه حفيدها البالغ من العمر 12 عاماً والذي تمت تسميته مالكوم تيمناً بجده مالكوم إكس، والدة مالكوم الصغير التي تدعى قبيلة كانت معتقلة نتيجة لاتهامها بالتخطيط لمؤامرة لقتل لويس فرخان، الذي كان حينها زعيم منظمة أمة الإسلام، المسؤولة عن قتل مالكوم إكس، وعلى الرغم من براءة قبيلة، إلا أنها وافقت على صفقة مع المدعي العام تنطوي على معالجتها من إدمان المخدرات والكحول في مصحة أمريكية، حيث عاش ابنها مالكولم بهذه الفترة مع جدته بيتي، وحين أضرم النار في المنزل في الحادثة التي أدت إلى مقتل جدته، قال إنه فعل ذلك في محاولة لجمع شمله مع والدته.

“والدتي أحبت مالكوم الصغير وعشقته” تقول إلياسا وتضيف “هذا الحادث غيّر حياته، لقد ماتت والدتي، وهو بالتأكيد لم يقصد هذه النتيجة، لقد أصبح حزيناً جداً لأنه أحس بالذنب، وكان هذا الحمل ثقيلا جداً عليه”، إلياسا اعتنت بمالكوم الصغير بعد زواجها ووفرت له منزلاً متيناً وآمناً، في محاولة لمنعه من السقوط في الدوامة المفرغة لنظام العدالة الأمريكي، حيث تقول “كنت أحاول إنقاذه من هذا النظام، فإذا جاء إلى البيت في الساعة 8:03 وكانت حظر تجول ينتهي الساعة الثامنة، سوف يذهب إلى السجن، اضطررت لاستعمال القسوة، ومالكوم بكى كثيراً، ولكن لم يكن أمامي سوى هذا الحل لإنقاذه”.

مالكوم الشاب كان يكافح لفهم حياته وظروفه، وكان يعتقد أن حياته كان موازية ومشابهة لحياة جده، كون مالكوم إكس أيضاً تألم بسبب وفاة والده وتفكك عائلته، ولكن الفرق بأنه لم يكن يوجد بجانب مالكوم إكس عائلة لتواسيه وتشد على يده لتخرجه من المآزق، وعندما حاول مالكولم الشاب العثور على طريقه الخاصة كناشط، قُتل في عام 2013 إثر نزاع في حانة في المكسيك، حين كان يدعم حقوق عمال البناء المكسيكيين في الولايات المتحدة، وبذلك مشى مالكوم على خطى جده فعلاً، وهو الآن يرقد إلى جانب جده في مقبرة فيرنكليف.

انطلقت في الصيف الماضي احتجاجات على العنصرية المتمثلة بإطلاق النار على مايكل براون المواطن الأسود في فيرغسون- ميزوري، وتبعها حادثة وفاة إريك غارنر في نيويورك، وهاتين الحادثتين حمستا إلياسا لنشر إرث والدها وسيرته الذاتية، حيث تقول “الآن يوجد أشخاص من خلفيات عرقية مختلفة يقولون، نعم المسألة تتعلق باللون الأسود، وهنا نبدأ بالتفكير بمالكوم إكس ونقول انتظر لحظة، ما هو الخطأ في كلام مالكوم؟ إن قمع وإسكات الأشخاص مثل مالكولم إكس هو ما أدى إلى تكرار ذات المشاكل بعد مرور 50 عاماً من وفاة أبي”.

ربما لن تصل كفاحات إلياسا حتى الاعتراف بيوم ميلاد مالكوم إكس كعطلة وطنية في أمريكا، حيث يقول هوارد دودسون المشرف على مركز شومبرغ للأبحاث في ثقافة السود، إن الضغط الشديد من قبل العائلة والشخصيات الشهيرة، حقق هذا المسعى بالنسبة لمارتن لوثر كينغ في مواجهة الكثير من المعارضين، هذا الضغط الشديد غير متوفر في حالة مالكوم إكس كما أن معارضي الخطوة سيكونون أكثر بكثير من معارضي كينغ.

أخيراً تقول إلياسا شباز أن والدها الذي حرمتها الظروف فرصة معرفته أثناء حياته، يجب أن يخلّده التاريخ كـ”رجل شجاع ورحيم ومحب، لكنه تخلى عن ذاته الشخصية لصالح الإنسانية، لقد كان شاباً يسعى لتحقيق العدالة”.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد