في عام 2016 أنتج المركز العربي للإنتاج الإعلامي وتليفزيون قطر مسلسلًا تاريخيًا يحكي قصّة مالك بن الريب. كان هذا العمل يخالف النمط المألوف للإنتاج التاريخي على الشاشة العربية، فالشخصية التي يتناولها المسلسل لم تكن من الخلفاء، أو الملوك، أو القادرة العسكريين، أو التابعين الزاهدين، كما هو المعهود في مثل هذه الأعمال، بل كان شخصيةً مختلفةً تمامًا؛ بدأ حياته قاطع طريقٍ ثائرًا، قبل أن ينهيها في جيوش الفتح الإسلامية في خراسان، وهو ما يدفعنا إلى أن نسلط الضوء على حياته وسيرته في السطور التالية.

سياسات الأمويين تغذّي غضب مالك بن الريب

بعد عقودٍ قليلة من الرخاء عاشتها القبائل العربية في صدر الإسلام، وسنوات الخلافة الأولى، جاءت دولة بني أمية التي شيَّد دعائمها معاوية بن أبي سفيان بعد تنازل الحسن بن علي بن أبي طالب له عن الخلافة حقنًا لدماء المسلمين، وبعكس ما ساد في أيام الإسلام الأولى من الالتزام بالشرائع التي ضمنت التوزيع العادل للثروة، وتفكيك العصبية القبلية لصالح فكرة الأمة الإسلامية الواحدة المتماسكة، فقد عاد الميزان الاجتماعي والاقتصادي إلى الاختلال مجددًا في عصر الأمويين.

كان الأمويون بحاجةٍ إلى المال لتسيير الجيوش وتثبيت دعائم الدولة الوليدة، وإخماد الثورات التي كادت تعصف بهم أكثر من مرة، وفي أحيان كثيرة، لم يكن الولاة وعمّال الأمصار يدَّخرون الكثير من الجهد في إرهاق الرعية بالضرائب والجباية، ولعل من أمثلة ذلك ما أُثر أنّ زياد بن أبيه قاله لمعاوية بن أبي سفيان: «دوَّخت العراق، وجبت لك برها وبحرها وغثها وسمينها، وحملت إليك لبها وقشورها»، وفي بعض الأحيان كان الولاة يفرضون الضرائب ويجبون الأموال لأنفسهم خاصة، حتى شاع بين الناس أن «من تولى إمارة أو كورة، فإنما هي نصيبه من الدنيا، لكي يفوز منها بما شاء من أموال».

نتيجة لذلك، نشأ في المجتمع الأموي طبقةً من الفقراء الذين عانوا من بطش الولاة وضيق الحال، ومن بين هؤلاء كان مالك بن الريب المازني.

تاريخ

منذ 8 شهور
دولة الأدارسة.. قاعدة ثوار الأندلس ضد الأمويين وملاذ الفارين منهم

كان مالك من قبيلة تميم، وكان بنو تميم قد ناصبوا بني أمية العداء منذ البداية، فانحازوا إلى صف عليّ بن أبي طالب في حربه ضد معاوية، كما انضم كثيرٌ منهم إلى الخوارج، ومنهم قطري بن الفجاءة الذي ينتسب إلى بني تميم، والذي أعيى الأمويين طيلة سنوات طويلة، ولم يظفروا به إلا بعد عناء.

كانت تميم لأجل ذلك محلّ اضطهاد الأمويين، الذين تعسّفوا في جباية الأموال منها، كما حرموها من الأعطيات، فعصف الفقر بأبنائها، ولجأ كثيرٌ منهم إلى حمل السلاح بعدما اشتعلت في صدورهم نار الغضب من الفقر والاضطهاد، وانطلقوا إلى الصحراء يقطعون الطرق، ويغيرون على القوافل ويسبون الأموال، أطلق على هؤلاء اسم «الصعاليك»، وكان من أبرز صعاليك عصر بني أمية مالك بن الريب.

«روبن هود» العرب.. مالك بن الريب يثأر للفقراء

اجتمع مالك بن الريب مع ثلاثة من أصحابه، الأول هو شظاظ الضبي الذي كان أحد موالي بني تميم. وهو صاحب شهرةٍ كبيرة في الغزو والنهب وقطع الطرق حتى قالت عنه العرب «ألص من شظاظ». والثاني هو أبو حردبة المازني التميمي. والثالث غويث بن كعب التميمي، وكون الأربعة نواة لطائفة من الصعاليك قوامها نحو 30 رجلًا، كانت تقطع الطريق، وتسطو على قوافل الأغنياء في اليمامة والبحرين، ثم توزِّع الأموال المسلوبة على الفقراء والمحتاجين من بني تميم وبني ضبة.

لم يكن مالك بن الريب مجرّد قاطع طريقٍ جائع، بل كان شابًا شجاعًا مقدامًا، لا ينام إلا متوشحًا سيفه، وكان وسيمًا حسن الطلعة، كما كان شاعرًا عذب اللسان، وفق ما ذكر أبو الفرج الأصفهاني في كتابه الأشهر «الأغاني».

وكان «خروجه على النظام» تعبيرًا عن غضبه من ظلم الولاة، وثأرًا لقومه الذين فتكت بهم الحاجة وأذلّهم السؤال، يقول مالك شارحًا أسباب ثورته على الوضع القائم، بأن السلطان يطلب ماله عند الأمّة ولا يؤدِّي حقوق الرعيِّة عليه، وأنه لا يستطيع أن يمكث مطمئنًا بين أهله وهو يرى ما هم فيه من الظلم القهر:

أحقًا على السلطان: أما الذي له … فيُعطَى وأمّا ما عليه فيمنعُ

وما أنا كالعيرِ المقيمِ لأهلهِ … على القيدِ في بحبوحةِ الضيمِ يرتعُ

شجاعة مالك بن الريب وفروسيته، وغايته النبيلة وتعاطفه مع الفقراء والمحرومين، جعلت الكثير من النقاد والمؤرخين يصفونه بـ«روبن هود العرب»، أسوة بالشخصية الشهيرة في الفولكلور الإنجليزي، والتي تمثل فارسًا شجاعًا ماهرًا، يحارب الظلم والطغيان، ويسلب أموال الأغنياء ليعطيها للفقراء، مثلما كان يفعل مالك ورفاقه.

رغم أنهم أعيوا جنود بني أمية سنواتٍ طويلة، إلا أن مالك بن الريب وجماعته لم يَسلَمُوا من المضايقات، فقد قُبِضَ على مالك وأودِع في سجن مكة قبل أن يستشفع له شماس بن عقبة المازني عند الوالي ليطلق سراحه. ولكن طاردهم والي المدينة حينها مروان بن الحكم، وقبضوا على مالك وأبي حردبة، قبل أن يتمكن مالك من الفرار وإنقاذ رفيقه، ليلوذوا بعدها بالفرار إلى نواحي فارس، كما قبض الحجاج بن يوسف الثقفي على شظاظ الضبي، فلم يكتف بجلده تطبيقًا لحد السرقة، بل قام بصلبه في البصرة عقابًا له.

من «الصعلكة» إلى الجهاد؟ مالك بن الريب يرثي نفسه

كانت نهاية مسيرة «الصعلكة» تلك على يد الصحابي سعيد بن عثمان بن عفان، الذي كان معاوية بن أبي سفيان قد ولّاه على خراسان، وفي أثناء طريقه إليها مرّ بمالك بن الريب وأصحابه، فأُعجِبَ به وبهيئته وشخصيته، فنهى سعيد مالكًا عن أفعاله، وتعجب أن يراه متخذًا طريق الصعلكة والسلب والنهب مع ما فيه من الشرف والفضل، وأغراه أن يترك هذا الطريق مقابل أن يصحبه معه إلى بلاد فارس فيشارك في الفتوحات هناك، حيث دار بينهما الحوار التالي:

  • سعيد: ويحك يا مالك! تُفسد نفسك بقطع الطريق، وما يدعوك إلى ما يبلغني عنك من العيث والفساد، وفيك هذا الفضل؟
  • مالك: أصلح الله الأمير يحملني على ذلك العجز عن المعالي، ومساواة ذوي المروءات ومكافأة الإخوان.
  • سعيد: فإن أنا أغنيتك عن ذلك واستصحبتك أتكف عما تفعله؟
  • مالك: نعم أكف كفًا لم يكف أحد أحسن منه.

 

كان مالك قد مل حياة الصعلكة والتلصص، والإغارة وقطع الطريق، وأحسّ بالحنين إلى بعض الهدوء والاستقرار، فلقى عرض سعيد بن عثمان عنده قبولًا، فصحبه في سفره إلى بلاد فارس، وفي أثناء الطريق احتاج سعيد إلى بعض اللَّبن، فطلب صاحب إبله فلم يجده، فقام مالك بن الريب فحلبها له وأحسن في ذلك، فعرض عليه سعيد أن يكون مسؤولًا عن الإبل مقابل أجر، فرفض مالك ذلك رفضًا قاطعًا، فهو ما خرج مع سعيد إلّا من أجل السيف والفتوحات، ولا ترضى نفسه بحياة الدَّعةِ والخُمُول، وهو ما تفطَّن له سعيد فأقره على رغبته، وشارك مالك سعيدًا في فتوحاته، ولم يعرف عنه أنه عاد إلى حياة الصعلكة بعد ذلك أبدًا.

 

إلى جانب مغامراته في قطع الطريق، وبلائه في الجهاد في خراسان، يُشتهر مالك بن الريب في الأدب العربي بأنه الشاعر الذي رثى نفسه، وقصة ذلك أنه قد لسعته أفعى أثناء نومه (أو أنه مرض فأحسّ بدنو الأجل)، فكتب قصيدةً رنانةً يرثي فيها نفسه، تُعرَف بـ«يائية مالك بن الريب»؛ لأنه قد أنهى أبياتها كلها بحرف الياء، وفيها يحكي عن تحوله من الصعلكة إلى الجهاد والغزو فيقول:

 أَلَم تَرَني بِعتُ الضَلالَةَ بِالهُدى … وَأَصبَحتُ فـي جيشِ ابنِ عَفّانَ غازِيًا

 وَأَصبَحتُ في أَرضِ الأَعاديِّ بَعدَما … أرانِـيَ عَـن أَرضِ الأَعادِيِّ نائيًا

 ويمضي يرثي نفسه ويستشرف موته قائلًا:

فيا صاحبي رحلي دنا الموتُ فانزلا … برابية؛ إني مقيم لياليا

أقيما عليّ اليوم أو بعض ليلةٍ … ولا تعجلاني؛ وقـد تبيـّن ما بيا

تذكرت من يبكي عليّ فلم أجد … سوى السيف والرمح الردينيَّ باكيًا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد