كان أغلبهم قد جاء إلى مصر عن طريق الأسر في الحروب أو البيع في أيام السلم، واتخذ منهم الحكام غلمانًا وحراسًا، فجرى إعدادهم وتربيتهم قبل أن ينتقلوا إلى أنحاء العالم الإسلامي، وقُدر لهؤلاء الغلمان القادمين في أغلبهم من بلاد ما وراء النهر أن يحظوا بمكانة مميزة في المجتمع الإسلامي، وأن يصير لهم شأن كبير في التاريخ الإسلامي؛ ليس فقط بقيام دولتهم عام 648هـ؛ إذ كان للمماليك دور كبير قبل ذلك العهد بكثير، كما سنرى.

عبيد في مكانة السادة

كانت أقاليم ما وراء نهر جيحون مثل خوارزم، وطشقند، وبخارى، وسمرقند، مراكز مهمة لتجارة الرقيق التركي، وكان ولاة تلك الأقاليم يرسلون الرقيق على شكل هدايا للخلفاء أو الوزراء بحيث صار انقطاع هذه الهدايا شكلًا من أشكال  الثورة أو العصيان.

ومنذ البداية لم يُعامل هؤلاء الغلمان معاملة الرقيق، فلم يقوموا بالخدمة في أعمال كنس الدور مثلًا، بل كانوا يأكلون ويلبسون ويركبون مثل أسيادهم، لا يرضون بأقل من ذلك، وحين يشبون عن الطوق كانوا يعملون بالوظائف القيادية. لا تفسر لنا المصادر التاريخية كيف انتقل هؤلاء الغلمان من البيوت إلى الخدمة في وظائف الدولة، لكنها تذكر أنهم لم يرضوا بالعيش الذليل، وأن سادتهم سرعان ما كانوا يرفعونهم إلى مكانة أعلى حين يتوسمون فيهم الذكاء وحسن الخلق، لم يخجل أي مملوك من أصله، وكانت تربط المماليك بأسيادهم علاقة عائلية أكثر من كونها علاقة عبودية.

كان التجار يعرضون المماليك على السلطان، وحين يشتري أحدهم يصير في طبقته؛ إذ كان المملوك يُسلم إلى مختص ليتعلم الكتابة والقرآن والصلوات والأذكار، وفي سن البلوغ يتعلم فنون الحرب وركوب الخيل، ويتابعه مؤدبه ويراقب تحركاته حرصًا على أن يتعلم المملوك آداب الدين، والدنيا، وهكذا يجري إعداد المماليك أحسن إعداد لوظائف الحكومة والإدارة والجيش.

الاستقلال بمصر منذ عصر ابن طولون

كان الخلفاء العباسيون هم أول من استعان بالمماليك أو الرقيق الأبيض حين ساورهم الشك من تزايد نفوذ الفرس، فكان الخليفة العباسي، أبو جعفر المنصور، أول من استخدمهم في وظائف كبرى، فولَّى مملوكه التركي، يحيى بن داوود الخرسي، إمارة مصر. 

وفي عصر هارون الرشيد كان المماليك الأتراك ضمن حرس الخليفة، وكان منهم طولون الذي أهداه له حاكم بخارى عام 200هـ، وترقى طولون في المناصب حتى صار قائد الحرس الخلافي العباسي، وطولون هو والد أحمد بن طولون الذي أسس الدولة الطولونية في مصر والشام وانفرد بهما. 

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
مساجد القاهرة «الحرام».. قصصٌ من عصر المماليك الغائب الحاضر

وقد توسع الخليفة المعتصم بعد ذلك في استخدام المماليك الأتراك وكانت أمه تركية، فوثق بهم أكثر، وحين كثر عددهم بنى لهم مدينة سامراء في شمال بغداد، وشكَّل منهم فرقًا عسكرية فصاروا عنصرًا مهمًّا في المجتمع الإسلامي، وأخذت قوتهم في الصعود. 

في أنحاء البلاد الإسلامية كانت رغبة حكام الولايات في الاستقلال قد جعلتهم يعتمدون على العنصر نفسه، فزادوا من تجهيز جيوشهم بالمماليك، ليحققوا مطامعهم، وكان المثال الأول في مصر؛ إذ استقل أحمد بن طولون بالدولة وجهز جيشًا مستقلًّا من المماليك الديالمة والأتراك، واستكثر ابنه خمارويه بعده من المماليك الأتراك، وسار على هذا النهج حكام الدولة الإخشيدية، فاستمرت سياسة الدولة في الاعتماد على المماليك في تقوية الجيوش.

ومضت على النحو ذاته الدولة الفاطمية، وإن اعتمدت في بدايتها على المغاربة والسودان، فإن الخلفاء منذ عهد الخليفة المستنصر أكثروا من الاعتماد على المماليك الترك، ووضعوا نظامًا لتربيتهم، فكانوا أول من وضع نظامًا تربويًّا للمماليك في مصر. 

المماليك في مصر إلى جانب صلاح الدين الأيوبي 

بدت الخلافة الفاطمية في طريقها للأفول حين استنجد الخليفة الفاطمي العاضد، بنور الدين محمود، بعد أن تعددت هجمات الصليبيين ولم تتمكن الدولة الفاطمية من مواجهتها، كانت الخلافة العباسية تشهد ضعفًا شديدًا أيضًا، وتعهد العاضد لنور الدين بأن «يبذل له ثلث بلاد مصر»، فأرسل له نور الدين قائده أسد الدين شيركوه، وكان الاتفاق أن يقيم شيركوه بين عسكر الخليفة، وبعد أن نجح شيركوه في أن يخلص الخليفة من وزيره شاور، كلفه العاضد بالوزارة ولقبَّه بالملك المنصور أمير الجيوش. 

كان أغلب قوام الجيش الذي قاده أسد الدين شيركوه إلى مصر من المماليك، ويحكي المؤرخ قاسم عبده قاسم عن المشهد التاريخي في تلك الفترة في كتابه «في تاريخ الأيوبيين والمماليك» ويصف كيف كان مشهدًا غريبًا، فدولة الخلافة الفاطمية تعاني عجزًا سياسيًّا جعلها تسلم القيادة لقائد عسكري سني عينه الخليفة الشيعي، وفي دولة الخلافة العباسية، إفلاس سياسي اضطرها لتسليم قيادتها للعسكريين منذ زمن طويل فتحكم فيها الأتراك السلاجقة بدعوى حمايتها، وبقي على رأسها الخليفة دون سلطات حقيقية. 

في هذه الظروف المتقلبة جاءت وفاة شيركوه بعد أسابيع قليلة، ويحكي ابن الأثير كيف تولى الوزارة بعده ابن أخيه الشاب صلاح الدين، فقد اجتمع عدد من الأمراء النورية الذين كانوا في مصر حينها، ومنهم شهاب الدين الحارمي، وهو خال صلاح الدين، وطلبوا أن يتقدموا على العسكر في ولاية الوزراة، لكن العاضد سبقهم واستدعى صلاح الدين وولاه الوزارة ولقبه بالناصر، ويقول ابن الأثير إن العاضد إنما اختار صلاح الدين حينها لصغر سنه وما بدا له من ضعفه؛ إذ لم يكن معه كثير عسكر ولا رجال. 

لكن المقريزي يروي الأمر برواية مختلفة، ويحكي عن قوة أخرى كان لها كلمة مسموعة ومكانة آخذة في التنامي، هي المماليك الأسدية؛ فقد اختلف أهل القصر ورأى بعضهم أن يلغى منصب الوزارة، لكن مماليك أسد الدين، وكان عددهم خمسمائة مملوك، أصروا على أن يتولى صلاح الدين الوزارة، وحين سأل العاضد عمن يصلح لها، ذهب إليه شهاب الدين الحارمي وأرشده إلى تولية صلاح الدين، ويرجِّح المؤرخ قاسم عبده قاسم صحة رواية المقريزي عن غيرها. 

في مواجهة الصليبيين.. للمماليك رأي وتدبير

في بداية الدولة الأيوبية عمل صلاح الدين على محو آثار الدولة الفاطمية، فأخذ في تكوين جيش من المماليك الأسدية، فضلًا عن مماليك أتراك آخرين كان قد اشتراهم لنفسه وأسماهم المماليك الصلاحية، وسمى بعضهم الناصرية نسبة لنفسه أيضًا، وصار الحرس الخاص لصلاح الدين من المماليك الصلاحية والأسدية، وصار المماليك العادلية الذين كوَّنهم أخوه العادل بعد ذلك بطانة له قبل أن يتولى الحكم. 

دمياط

شاركت طوائف المماليك الأسدية والصلاحية والعادلية في كل المعارك التي خاضها صلاح الدين الأيوبي ضد الصليبيين؛ في حصار الموصل عام 582هـ، وفي المعارك العديدة التي خاضها صلاح الدين لفك الحصار عن عكا عام 586هـ، وبعدها في المنازعات التي حدثت مع الصليبيين بالقرب من القدس عام 588هـ كان للمماليك دور كبير ورأي عارضوا به أحيانًا صلاح الدين وأشاروا عليه به.

كان الناصر قد قرر التحصن ببيت المقدس في انتظار قدوم ريتشارد قلب الأسد لحصار المدينة، فأرسل إليه المماليك يخبرونه بأن هذا قد يتسبب في حصارهم كما حدث لأهل عكا، وحينها تضيع بلاد الإسلام، وقالوا إن الرأي أن يحاربوا العدو خارج المدينة فإن انتصروا ملكوا المدينة، وإن هُزموا ضاعت القدس وسلِم الجيش، فتُحفظ بذلك باقي البلاد، ونزل صلاح الدين على رأيهم وتمكن من الاحتفاظ بالقدس.

في نزاعات البيت الأيوبي.. المماليك يرجحون الكفة

بعد وفاة الناصر صلاح الدين الأيوبي عام 589هـ تفككت الدولة الأيوبية ودب النزاع بين أفرادها، بين أبناء صلاح الدين من ناحية وأخيه العادل من ناحية، وتفاقم الخلاف أكثر فنشب بين أبناء صلاح الدين، وكان للمماليك دور كبير أيضًا؛ إذ ساند المماليك الصلاحية ابنه العزيز بن صلاح الدين، واستغل العادل ما بين الصلاحية والأسدية من تنافس واستمال إليه الأسدية، وطال النزاع إلى أن تمكن العادل من توحيد كلمة الدولة الأيوبية والقضاء تدريجيًّا على المماليك الصلاحية. 

وطوال عهد الدولة الأيوبية كان المماليك أداة سهلة في يد سادتهم، استطاعوا من خلالها الاحتفاظ بملكهم ليس فقط في الداخل، فقد كان للمماليك الفضل في احتفاظ الأيوبيين، خاصة في عهد خلفاء صلاح الدين: العادل والكامل، بالتفوق على الصليبيين، وهكذا تضخم نفوذهم السياسي، وقويت شوكتهم أكثر وأكثر فصار بإمكانهم خلع سلطان والإتيان بآخر، كما يحكي الدكتور أحمد مختار العبادي في كتاب «في التاريخ الأيوبي والمملوكي». 

والقصة أنه حين توفي السلطان الكامل عام 635هـ خلفه ابنه الأصغر العادل الثاني، لأن أم العادل أرادت أن يكون ولدها هو السلطان، وبقي أخوه الأكبر الصالح أيوب في ولايته في العراق، لكن المماليك الكاملية لم يرضوا عن ذلك، فتحالفوا مع المماليك الأشرفية وقبضوا على السلطان العادل وخلعوه عام 637هـ.

اختلف المماليك بعد ذلك على من يخلف العادل؛ كان المماليك الأشرفية يميلون إلى إسماعيل ابن العادل الأول وعم الصالح أيوب، فيما اتفق المماليك الكاملية على الصالح أيوب، وحسم الخلاف أن الكاملية كانوا الأقوى، فوافق المماليك الأشرفية على رغبتهم وتم الاتفاق واستُدعى الصالح أيوب ليتولى السلطنة عام 637هـ.

ومنذ أن اعتلى عرش مصر استكثر الصالح أيوب من المماليك في جيشه أكثر ممن سبقوه من أهل البيت الأيوبي، وأسكنهم قلعة خاصة بجزيرة الروضة بعد أن كثر عددهم، وزوَّد القلعة بالكثير من السلاح والمؤن وعُرف هؤلاء المماليك، بالمماليك البحرية الصالحية. 

وبلغ النفوذ أوجه في خلافة الصالح نجم الدين أيوب، وازداد خطر المماليك الذين راحوا يتحكمون في مصائر البلاد والعباد، فاعتدوا على أموال الناس أحيانًا، لكن المماليك أثبتوا كفاءتهم حين داهم الصليبيون بلاد الإسلام مرة أخرى في أواخر عهد الصالح أيوب، ولاحقًا في مواجهة خطر المغول، الأمر الذي مهد لقيام دولتهم بأساس شرعي عام 648هـ/ 1250 م.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد