ربما تكون قد تعرضت في تاريخ استخدامك لمواقع التواصل الاجتماعي وخاصة «فيسبوك»، إلى فترة من فترات الحظر بسبب محتوى نشرته وهو مخالف لقوانين الموقع، سواء كان هذا بسبب نشر صورة، أو مقطع مصور يحتوي على شيء يجرح مشاعر مستخدمي الموقع بحسب معاييره، أو به مشاهد قاسية ودموية.

تلك الصور والمقاطع التي تُحذف من «فيسبوك» لا تُحذف دائمًا تلقائيًّا من خلال نظام أوتوماتيكي خاص بالموقع، فهناك بعض المهام من الصعب أن تكون الخوارزميات هي المسؤولة عنها، وهذا لأن سياسات وقوانين مواقع التواصل الاجتماعي ليست ثابتة، وربما تعد الحملة الأخيرة التي عرفت باسم «Unmute Palestine» أفضل مثال على ذلك،  والتي طالبت برفع تلك القوانين عن المحتوى المعبر عن القضية الفلسطينية، ومعاناة الشعب الفلسطيني، التي قامت مواقع التواصل الاجتماعي بالتعتيم عليها، بينما لم تُحذف المواد المنشورة من جانب الاحتلال الإسرائيلي وفق المعايير نفسها.

فإذا لم يكن هناك نظام إلكتروني يعمل بنفسه على تنظيف مواقع التواصل الاجتماعي مما هو ضد قوانينها، فكيف تُحذف تلك المواد يوميًّا؟ هناك جيش كامل من الموظفين في مكان ما، يعملون ما يقرب من 10 ساعات يوميًّا ويطلق عليهم «المنظفون»؛ ومهمتهم هي تنظيف تلك المواد، فما قصة هؤلاء «المنظفين»؟ وكيف يقضون وقتهم في هذا العمل؟

ملايين من المواد كل دقيقة.. من يراقب هذا؟

في كل دقيقة من كل يوم؛ يتدفق ما يقرب من 500 ساعة من المقاطع المصورة على موقع «يوتيوب»، وحوالي 450 ألف تغريدة على موقع «تويتر»، وما يقرب من 2.5 مليون مشاركة على موقع «فيسبوك»، وضمن هذا المحتوى – بطبيعة الحال- هناك بعض المواد المسيئة وفق سياسة ومفاهيم «فيسبوك»، والتي يبلغ عنها المتابعون على المواقع.

منذ ثلاث سنوات وخلال عام 2018، نشرت شبكة «دويتشه فيله» فيلمًا وثائقيًّا بعنوان «المنظفون» والذي حاول نقل صورة للمشاهدين عن شكل حياة الموظفين الذين يعيشون في الفلبين، ومهمتهم هي تنظيف المواد التي يُبلَّغ عنها على مواقع السوشيال ميديا.

ومن خلال هذا الفيلم وضَّح صناعه أن تلك المواد التي تُحذف من على مواقع التواصل الاجتماعي؛ وراءها جيش كامل من البشر، يعمل كل واحد منهم ما يقرب من 10 ساعات متواصلين، ويتعامل كل واحد منهم خلالها مع ما يقرب من 20 ألف مادة أبلغ عنها مستخدمو مواقع السوشيال ميديا، ويكون على كل واحد منهم تحديد إذا ما كانت تلك المادة تستحق الحذف أم لا في خلال أقل من ثماني ثواني.

وإذا لم يتخذ المنظفون القرار السليم في تلك اللحظة؛ يقعون في ورطة، وإذا لم يشاهدوا الكمية الكافية من المواد المخصصة لهم فهم في ورطة أيضًا، ولكن عندما يراقبون كل المواد، تحدث مشكلات من نوع آخر، وهي المشكلات النفسية التي يمر بها المنظفون، لما يتعرضون له من مواد جارحة وقاسية.

العمل في سرية

لم يكن من السهل الوصول لهؤلاء «المنظفين»؛ فطبيعة عملهم تتطلب السرية التامة ووصفها صنَّاع الفيلم بأنها تتم في «الخفاء»، كما أن الموظفين المقيمين في الفلبين للقيام بهذه المهمة، قد تعهدوا من خلال عقود العمل الخاصة بهم، بعدم الإفصاح عن أي معلومات دقيقة داخل تلك المؤسسة التي تقف وراء كل صورة أو مقطع محذوف على الإنترنت.

«لا يُسمح لنا بالتعبير أو الحديث عن التجارب المروعة التي نمر بها يوميًّا»، هكذا صرح واحد من المنظفين الذي ظهروا في الفيلم الوثائقي، كما أن ساعات العمل التي قد تزيد على 10 ساعات يوميًّا، لا تمنحهم فرصة أن يكون لهم حياة اجتماعية خارج العمل، أو هكذا يُفضل حتى لا تصبح أسرار العمل موضوعًا للنقاش في جلساتهم الاجتماعية مع الأصدقاء أو الأقارب.

على الرغم من أن تلك الوظيفة في البداية كانت مغرية نظرًا إلى المقابل المالي المجزي، ومكان العمل المتطور الذي يوفر لهم الكثير من وسائل الراحة، فإنهم بعد ذلك يدركون أن لتلك الوظيفة العديد من العواقب النفسية، وقد أصيب العديد من الموظفين بالفعل بأنواع مختلفة من الرهاب النفسي، بجانب أن بعضهم فقد القدرة على ممارسة حياة جنسية طبيعية.

«روؤس مقطوعة وانتحار مباشر» 

«لقد رأيت المئات من الرؤوس المقطوعة»؛ هكذا صرَّح واحد من المنظفين المقيمين في مانيلا عاصمة الفلبين، حيث الشركة التي يطلق عليها «مانيلا هاوس» التي يقيم فيها المنظفون، وأضاف آخر: «علينا أن نحذف المواد الإباحية الخاصة بالأطفال، وأن نتعرف إلى المواد الإرهابية ونزيلها، وأن نتحقق من التنمر السيبراني، وكل تلك الأشياء، الخوارزميات لا تستطيع أن تفعلها».

وأكد واحد من المنظفين من خلال الفيلم الوثائقي، أن بعضهم يشاهدون حالات انتحار يبثها المنتحر على الهواء مباشرة وعليهم مشاهدتها للنهاية للتأكد من القرار الذي يجب اتخاذه، بجانب المقاطع «المثيرة للاشمئزاز»، والمقاطع المصورة التي تُظهر أطفالًا يتعرضون للاعتداء الجنسي، ولقطات «مروعة» للمجازر من مناطق الحرب في أنحاء العالم.

كل تلك المواد القاسية يكون لها تأثير نفسي سلبي على المنظفين، ولكن في المقابل يكون لمهامهم أهمية كبيرة في حماية المستخدمين من أنحاء العالم، خاصة المراهقين والأطفال منهم، من مشاهدة هذه الأشياء، ولكن أيضًا هناك تأثيرًا سياسيًّا فيما يخص الرقابة على محتوى المواد التي تُرفع على الإنترنت.

هل مهمة المنظفين التعتيم السياسي وإسكات المهمشين؟

على سبيل المثال – وهو ما ناقشه الفيلم التسجيلي- ما يحدث في ميانمار من جرائم، من قتل الأطفال في خضم الأحداث السياسية، أو غارة جوية غير قانونية تفجِّر مستشفى، أو قنبلة تدمر مدرسة؛ تلك الأحداث أيضًا يكون دور «حُراس السوشيال ميديا» أن يحذفوها، وهو ما وجده صناع الفيلم يعد نوعًا من أنواع «التعتيم السياسي».

ففي الوقت الذي تقوم فيه مجموعات «المنظفين» بإسكات المهمشين، تكافئ خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي بشكل متزايد قوائم الأخبار والآراء المتطرفة المعززة ذاتيًّا التي تحصد مزيدًا من الإعجابات والمشاركات، ويشمل ذلك موجة العنصرية الشعبية في ميانمار التي تستهدف مسلمي الروهينجا الذين يواجهون الإبادة الجماعية.

وبعد عرض هذا الفيلم، ناقش البعض أن واحدة من مهام «حراس السوشيال ميديا» هي «إسكات المهمشين»؛ وهذا لأن مواطني تلك البلاد لا يجدون طريقة ينقلون بها ما يحدث لهم من «فظائع» سواء على يد السلطة التي تحكم البلد وتعامل المعارضين لها بالعنف، أو ما تفعله قوات الاحتلال في بلد تسيطر عليها، كما أنه من حق المنظفين حذف الأصوات المعارضة سياسيًّا داخل كل بلد، طالما تندرج منشوراتهم تحت بند تهديد الأمن القومي للبلد الذي يقيمون فيه، وكلها معايير تتوقف في واقع الحال على رؤية إدارة مواقع التواصل الاجتماعي.

والسؤال الذي يجب أن يُطرح الآن، هل القوانين التي تُفرض على مقطع مصور لمواطن عادي يؤذي طفلًا بغرض صناعة مقطع إباحي، يتساوى مع مقطع مصور لقوات الاحتلال تقتل طفلًا؟ وفي حالة حذف المقطع الثاني؛ هل يكون هذا حماية لمستخدمي مواقع السوشيال ميديا؟ أم هي طريقة لعزلهم عما يحدث في العالم من جرائم ضد البشر؟

بجانب أسئلة أخرى مهمة طرحها صناع الفيلم الألماني الوثائقي «المنظفون» وهي الخلفية الثقافية لأي منظف يجلس خلف الشاشة في «مانيلا هاوس»، وهل يمكن له أن يفهم السياق الثقافي لكل بلد عندما يجري الإبلاغ عن محتوى يهدف إلى اضطهاد أقلية في بلد ما؟ مثل المحتوى الخاص باضطهاد مسلمي الروهينجا سالف الذكر؟

هل هو على دراية كافية بمفهوم الأقلية أو خطاب الكراهية الموجه لها؟ أم أنه في هذه اللحظة سيحذف المحتوى سواء تأكد من أنه مخالف أم لا حتى لا يتعرض للمساءلة والعقاب من مديريه؟ ولكن كل تلك الأسئلة ستظل معلقة ودون إجابة حتى يصبح عمل هؤلاء المنظفين معروفًا لكل العالم، فحتى الآن يظل عالمهم سريًّا وعليه الكثير من التحفظات، حتى إن الفيلم بجزئيه بعد أن كان معروضًا على «يوتيوب» ومتاحًا للجميع أن يشاهده، جرت إزالته مؤخرًا.

إعلام

منذ 6 شهور
«العربي الجيد هو العربي الميت».. عن «السوشيال ميديا» الإسرائيلية التي لا يجري تقييدها

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد