لم يكن للأقطاب المتناحرة على النفوذ في لبنان أن تفوّت فرصة بحجم كارثة مرفأ بيروت في الأيام الماضية، دون أن تتسابق لخطف الأضواء من منافسيها وتظهر بمظهر المتعاطف الأول مع الشعب اللبناني المكلوم، والنصير الأكبر لقضاياه، ومطالبه العادلة. 

فبينما انشغل الآخرون بالتعبير عن تضامنهم والتعهد بمساعدات عاجلة سخية، باغت الرئيس الفرنسي الجميع بزيارة رسمية للمنطقة المنكوبة، ما استحث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للإعلان بعدها بيوم واحد عن نيته إرسال نائبه فؤاد أقطاي ورئيس خارجيته مولود جاويش أوغلو؛ مفتتحين بذلك فصلًا جديدًا في سلسلة الصراع على النفوذ بين القوى المختلفة في لبنان. 

هل تمهد تركيا طريقها في لبنان عبر مغازلة التركمان؟ 

لم تقف المساعدات السخية التي قدمتها تركيا للبنان منذ اللحظة الأولى لانفجار مرفأ بيروت، وشملت إرسال المساعدات وطواقم البحث والإنقاذ ووضع مرفأ مرسين التركي القريب في خدمة اللبنانيين إلى حين إعادة إعمار مرفأ بيروت. 

عربي

منذ شهر
«الجارديان»: هل سيضغط المانحون الدوليون للقضاء على الفساد السياسي في لبنان؟

وزادت أن أعلن جاويش أوغلو عن استعداد بلاده منح الجنسية التركية للراغبين من اللبنانيين التركمان إذ قال: «نقف مع أقربائنا من الأتراك والتركمان في لبنان، وحول العالم، سنمنح الجنسية التركية لأشقائنا الذين يقولون: نحن أتراك أو تركمان ويعبرون عن رغبتهم بأن يصبحوا مواطنين»، وأضاف أن هذه هي تعليمات الرئيس التركي أردوغان. 

أثار هذا العرض العديد من الشكوك حول نية تركيا من فتح الباب أمام 40 – 50 ألف تركماني في لبنان للحصول على الجنسية التركية، وما إذا كانت تهدف من وراء ذلك إلى خلق نخبة تدين بالولاء لتركيا داخل البلاد. 

وتولي تركيا اهتمامًا متزايدًا بهذه الفئة في السنوات الأخيرة إذ يزورها السفير التركي في بيروت بصورة منتظمة، وتنشط المنظمات الخيرية التركية في منطقة شمال لبنان من أبرزها منظمة «تيكا» التي تقدم منحًا تعليمية لأبناء التركمان وافتتحت معاهد لتعليم التركية هناك، فوفقًا لبعض التقديرات وصل عدد المستفيدين اللبنانيين من المنح التركية في الخمس عشرة سنة الأخيرة إلى 10 آلاف شخص. 

وكذلك «رابطة الشباب اللبناني التركي» و«الجمعية اللبنانية التركية» و«الجمعية الثقافية التركية في لبنان» و«جمعية الصداقة اللبنانية التركية في صيدا» جميعها تسعى لتعزيز الروابط بين بيروت وأنقرة من جهة ولتعزيز مكانة التركمان في لبنان. 

واليوم بعد تجهيز مرفأ طرابلس شمال لبنان لإتمام العمليات التجارية، يخشى مراقبون من ميلان الكفة باتجاه تركيا بسبب النفوذ الواسع لها هناك، إلا أن الباحث السياسي محمد قواص يرى أن ما تتمتع به تركيا هناك «لا يرقى إلى نفوذ مهدِّد لنفوذ أطراف أخرى».  

لكن أطرافًا أخرى ترى أن محاولات تركيا لمد نفوذها في لبنان واضحة، خاصة أن أردوغان يسعى لامتلاك أكبر قدر من الأوراق الإقليمية لتحقيق أهدافه، فهو يقدم نفسه كبديل سني «معتدل» في مقابل المحور الإيراني الشيعي، وأيضًا كطرف قادر على السيطرة على المليشيات والجماعات المسلحة إذا دعت الحاجة.

 وفي هذا الصدد قال وزير الخارجية اللبناني الأسبق، جبران باسيل، في لقائه مع قناة «إل بي سي» اللبنانية: «تهمنا العلاقة مع تركيا لكن هناك تمددًا تركيًا سياسيًا وماليًا وأمنيًا، وأنبه إلى أن قادة أجهزة حاليين على علم بذلك ويسهلونه، نحن نريد مساعدات للبنان في محنته وليس افتعال فتن»، وهذا الطرف يرى أن تركيا تستعمل أدواتها العسكرية لبسط سيطرتها في سوريا والعراق وليبيا، بينما تعمد لاستعمال القوة الناعمة في لبنان. 

لبنان بين «عقلية المستعمر» و«المتضامن المخلص»

بعد زيارته إلى لبنان قال جاويش أوغلو «أن فرنسا لا زالت تستعمل عقليتها الاستعمارية في سياساتها في الشرق الأوسط» مشيرًا إلى زيارة ماكرون للبنان عقب حادثة المرفأ، وأضاف «أن فرنسا تعتبر هذه المنطقة ساحة منافسة على عكس تركيا»، ودعى الجميع لتقديم المساعدة – ولا شيء غير المساعدة – للبنان. 

مواقع أخرى

منذ شهر
هل يصبح لبنان ساحة صراع بين فرنسا وتركيا بعد انفجار بيروت؟

في الواقع، لم يضع التنافس بين فرنسا وتركيا في منطقة حوض المتوسط أوزاره منذ مدة، إذ توترت العلاقات بين العضوين في حزب الناتو خلال الأشهر الأخيرة بشأن ليبيا، وشمال سوريا، وكانت فرنسا قد دعت في يوليو (تموز) الماضي وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي لمناقشة المسألة التركية مشيرة إلى أن قرارًا بشأن عقوبات على تركيا لدورها في ليبيا ربما يكون قريبًا. 

ويقول الخبير في الشؤون التركية، محمد نور الدين: إن التنافس الحالي بين البلدين على لبنان يذكر بالتنافس بينهما في ليبيا بعد سقوط معمر القذافي، فبعد يوم واحد من زيارة الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي إلى ليبيا، سارع أردوغان إلى هناك لتأكيد الدعم التركي وقطع الطريق على فرنسا، وهو ما أقرّه سابقًا أحمد داود أوغلو إذ قال: «حيث يرفرف علم فرنسي ستجدون قبالته علمًا تركيًا، خاصة في أفريقيا».

ولا شك أن اكتشاف الموارد الهيدروكربونية تحت حوض البحر المتوسط عززت التوترات بشأن القيمة الجيوسياسية لهذه المنطقة وزادت من الاستقطاب السياسي خاصة بعد مسارعة تركيا لتوقيع اتفاق بحري مع حكومة الوفاق الوطني الليبية في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2019 وخططت بموجبه لبدء عمليات تنقيب عن النفط داخل الحدود البحرية الأمر الذي أثار سخط العديد من الدول المجاورة.

ولكن هذا التعاطي مع لبنان الذي تراه فرنسا «حصتها» في المنطقة ليس جديدًا، فبعد اغتيال رفيق الحريري عام 2005 أسرع الرئيس الفرنسي آنذاك جاك شيراك إلى لبنان لمواساة العائلة، وفي المقابل عم الحداد أرجاء لبنان عند وفاته العام الماضي. 

وتضرب العلاقات بين فرنسا ولبنان بجذورها عميقًا في التاريخ، إذ حصلت لبنان على تفويض لإدارة البنية التحتية اللبنانية من قبل عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى، وبقيت العلاقات متينة بين البلدين حتى بعد استقلال لبنان، ولا تزال الفرنسية تُتحدث بين النخب وتُدرس في المدارس، ومنذ القرن التاسع عشر كان للمدارس الإرسالية الفرنسية دور رئيس في إيجاد نخب متعلمة ومثقفة على الهوى الفرنسي، كما ويدير المعهد الفرنسي في العاصمة اللبنانية حتى اليوم أمور الطلاب اللبنانيين الذين يرغبون بمواصلة تعليمهم في فرنسا. 

 أما بالنسبة للجماعات المسيحية، فتمثل فرنسا لهم نوعًا من القوة الحامية ويرون أنها ستهب دومًا لحماية المسيحيين في لبنان من أي خطر يهدد وجودهم، وبالتالي، تحرص فرنسا عبر ذلك كله على تأمين موطئ قدم لها في لبنان المجاور لسوريا وإسرائيل لخدمة أي مشروع سياسي فرنسي لها في الشرق الأوسط. 

الظهير السني الآخر.. هل تملأ قطر الفراغ الذي خلفته السعودية؟

لطالما تمتعت المملكة العربية السعودية بعلاقات تاريخية واقتصادية وسياسية وثيقة مع عائلة سعد الحريري منذ عقود لمواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، وظل التواجد السعودي قائمًا لسنوات في البلاد إلى أن تراجع إثر أزمة سعد الحريري عندما احتجزته المملكة وأجبرته على تقديم استقالته عام 2017. 

منطقة الشرق

منذ شهر
«جيروزاليم بوست»: لماذا لا يكترث النظام الإيراني وإعلامه بكارثة لبنان؟

وقبل ذلك عندما أوقفت السعودية حزمة مساعدات أمنية للبنان بقيمة أربعة مليارات دولار عام 2016 بسبب دور حزب الله في المشهد السياسي اللبناني وعدم إدانة لبنان للهجوم الإيراني على سفارة المملكة في طهران. «بدا حينها وكأن الحرب بالوكالة الدائرة بين السعودية وإيران وصلت إلى نقطة أرادت معها السعودية والدول العربية الأخرى إبعاد نفسها عن لبنان» على حد وصف جورجيو كافيرو مؤسس شركة «جلف ستيت أناليسيس». 

ويضيف كافيرو أن التحليل الذي أجرته الشركة خلص إلى أن لبنان يرزح تحت نفوذ إيراني مكّن حزب الله من اكتساب قوة كبيرة في بنيته الأمنية في البلاد، خاصة بعد الأداء الأفضل نسبيًا لحزب الله وإيران في الحرب السورية، وتضاؤل الآمال السعودية بتغيير النظام في سوريا بسبب دخول روسيا الحرب عام 2015. 

هذا الفراغ السعودي فتح الباب أمام قطر التي تسعى لتعزيز علاقاتها مع دول المنطقة بعد الحصار الذي فُرض عليها بقيادة السعودية، والإمارات، ومصر، إذ أعلنت قطر في يناير (كانون الثاني) عام 2019 عن استثمار 500 مليون دولار في السندات الحكومية اللبنانية. وترى قيادة قطر أن الوقت مناسب لتقديم قطر كدولة خليجية ثرية تريد مساعدة لبنان دون أجندة طائفية على خلاف ما هو عليه الحال بالنسبة للسعودية والإمارات. 

ويُظهر هذا حجم التغير الذي طرأ على الصورة السياسية للمنطقة على مدى السنوات القليلة الماضية، فبعد مشاركة قطر للسعودية في دعم المقاتلين السنة في سوريا وسعيها لتقريب السعودية من لبنان بعيدًا عن إيران، أصبحت الدوحة اليوم تنافس كلًا من الرياض وطهران على النفوذ في لبنان.

 ولكن التحرك السعودي الذي تلا زيارة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى بيروت في 10 فبراير (شباط) 2019، والتي قدم خلالها العديد من العروض العسكرية والاقتصادية للبنان، أرسل رسالة واضحة أن السعودية لم تتخلى كلية عن لبنان، إذ قام المبعوث الملكي السعودي نزار العلولا بزيارة بعدها بيومين إلى لبنان رأتها وسائل الإعلام اللبنانية على أنها رد مباشر لزيارة ظريف. 

كما أعادت السعودية حزمة المساعدات الأمنية التي أوقفتها في 2016، وتعهد المسؤولون بإعادة العمل بعشرين اتفاقية بين لبنان والمملكة، إلا أن العودة السعودية إلى لبنان لم يتضح مداها بعد، وتشوب المساعدات الاقتصادية التي قدمتها السعودية للبنان الكثير من الشكوك، كما يقول المراقبون. 

للتغلب على القيود التي تكبلها في لبنان.. هل تمد إيران جسور التعاون مع أوروبا؟

«لم تخف إيران دعمها لهذا البلد، ونحن مستعدون لتقديم كافة أنواع المساعدة الاقتصادية والصناعية والتجارية»، هذا ما صرح به رئيس البرلمان الإيراني، علي لاريجاني، في الزيارة التي أجراها في فبراير الماضي لبيروت، ووفقًا لناثان سيلز، خبير مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية الأمريكية، «تنفق إيران 700 مليون دولار سنويًا لدعم حزب الله في لبنان». 

هذا الأمر لم تفتأ إيران تفعله في لبنان منذ عقود وأصبحت لأجله تراقب المشهد اليوم عن كثب بعد تفجير مرفأ بيروت خوفًا من أن تفقد تأثيرها الذي بذلت من أجله الكثير على مدى سنوات، وفي هذا السياق، حث علي خامنئي الشعب اللبناني على التحلي «بالصبر» في اليوم التالي للانفجار، والتأكيد على دعم طهران لبيروت في مواجهة هذه المأساة. 

بعد التفجير الذي أودى بحياة 158 شخصًا على الأقل وجرح 6 آلاف، خرج آلاف اللبنانيين للتنديد بالحكومة وردد بعضهم شعارات ضد حزب الله المدعوم من إيران. وظهرت خشية إيران على مكانة حزب الله على لسان رئيس تحرير صحيفة كيهان، حسين شريعتمداري، في تعليقه على زيارة ماكرون والتي وصفها بأنها تهدف إلى «القضاء على حزب الله» و«إنقاذ النظام الإسرائيلي»، وأضاف أن ماكرون أرسل رسالة إلى الشعب اللبناني مفادها أنه إذا استمر في دعم حزب الله، فسيواجه كارثة أخرى مشابهة. 

ويتساءل المحللون حول قدرة إيران على تقديم دعم مالي كبير في ظل أزمتها الاقتصادية بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018 وإعادة فرضها للعقوبات على البلاد، وكذلك مع تبعات جائحة كورونا. إذ قال الصحافي أحمد زيد آبادي أن أيدي إيران مقيدة، وأنها لو كانت تمتلك الإمكانات المالية فنحن نعرف ما يمكن أن تفعله تمامًا كما فعلت بعد حرب إسرائيل وحزب الله عام 2006 عندما عوّضت إيران الخسائر التي تكبدها لبنان، إذ كانت الحكومة في طهران تمتلك الكثير من الأموال من بيع النفط بأسعار مرتفعة. 

وربما يحتاج الوضع الجديد أن تنسق إيران جهودها مع الدول الأوروبية لإعادة إعمار بيروت وهو ما يستدعي مقاربة جديدة تحمل معها تغييرًا في السلوك والرؤية للمواقف الإقليمية للجمهورية الإسلامية، بحسب زيد آبادي.   

الداعم الرئيس للجيش اللبناني.. مؤشر بوصلة أمريكا مثبت على المصالح الإسرائيلية

لمواجهة النفوذ الإيراني في لبنان، تفرد الولايات المتحدة نصيبًا من ميزانيتها كل عام لدعم القوى الداخلية، على رأسها الجيش اللبناني، اقتصاديًا وعسكريًا، فمتوسط حجم المساعدات الأميركية  للبنان سنويًا 200 مليون دولار، وفقًا لدراسة معهد كارنيجي. كما تهدف الولايات المتحدة من دعم لبنان إلى تطويق أية قوة جهادية سنية تهدد أمن إسرائيل، وكذلك الحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي في المنطقة. 

ثقافة

منذ شهر
وثائقيات وكتب عربية تشرح لك الواقع اللبناني

وشيّدت الولايات المتحدة العام الماضي مقرًا ضخمًا لطاقمها الدبلوماسي في عوكر بتكلفة قاربت المليار دولار في خطوة أثارت الشكوك حول حاجة الولايات المتحدة لهكذا مقر في بقعة جغرافية صغيرة مثل لبنان إن لم يكن للحفاظ على المصالح الإسرائيلية في المنطقة. 

ولكن يرى بعض المراقبين أن بعض سياسات الولايات المتحدة، لا سيما العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة على لبنان وسوريا لا تفعل شيئًا إلا أنها تلقي باللبنانيين في أحضان إيران، ففي نوفمبر (تشرين الثاني) أعلنت إدارة ترامب أنها ستحجب مساعدات أمنية (أسلحة تأمين الحدود وأجهزة رؤية ليلية) بقيمة 105 مليون دولار للبنان، بعد يومين من استقالة سعد الحريري. 

كما أقرّ الكونجرس الأمريكي في ديسمبر (كانون الثاني) 2019 مشروع قانون قيصر الذي يفرض عقوبات اقتصادية على الحكومة والجيش في سوريا ومن يتعامل معهم لتطويق نفوذ حزب الله وإيران، ولكن هذا الأمر يضيق الخناق على لبنان، التي تحصل على الكهرباء من سوريا، وتوجد العديد من العلاقات التجارية بين البلدين، وعرقلت الولايات المتحدة أيضًا مفاوضات صندوق النقد الدولي عام 2019 بسبب سيطرة حزب الله على المشهد السياسي في لبنان. 

وبينما تنوّع الولايات المتحدة من أدواتها لتطويق حزب الله، وإيران في لبنان، تتأثر المصالح العامة للدولة اللبنانية ككل الأمر الذي يفتح بابًا من الأسئلة حول ما إذا كانت لبنان ستضيق ذرعًا بهذا الأمر وتلجأ لحلفاء أقل حساسية لحزب الله مثل فرنسا وقطر؟ أم أن قدر هذه الدولة الصغيرة أن تبقى مسرحًا للقوى المتصارعة التي تُعمل كل منها أجندتها، وربما لا ترغب بدور منفرد تحمل جميع تبعاته في لبنان؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد