شهدت السنوات الأخيرة تطورًا كبيرًا في العلاقات بين دولة الاحتلال الإسرائيلي وبعض الدول الخليجية، توجتها «اتفاقية إبراهام» التي وقعت في البيت الأبيض بين دولة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، وإسرائيل، وبرعاية من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. كان من بين الشخصيات التي كان لها دور بارز في تحسين العلاقات بين الدول الخليجية وإسرائيل: الحاخام الأمريكي مارك شناير، من مواليد 26 يناير (كانون الثاني) 1959 في مدينة نيويورك، ورئيس «مؤسسة التفاهم العرقي»، فمن هو هذا الرجل؟ وما دوره في هندسة التطبيع بين العرب وإسرائيل؟

مارك شناير.. حاخام المشاهير الأكثر نفوذًا في أمريكا

في عام 1990 أسس الحاخام مارك شناير «كنيس هامبتون» في لونج آيلاند بمدينة هامبتونز التي لم تكن بها أي مظاهر للحياة اليهودية قبل تأسيس الكنيس. وأصبح الكنيس اليهودي منذ تأسيسه يضم أحد أكبر العضويات الخيرية في البلاد، ويستضيف سياسيين ومشاهير دوليين، وأصبح أحد أهم المعابد اليهودية في الولايات المتحدة. وتُعرف مدينة هامبتونز بأنها المكان المفضل لدى أثرياء نيويورك ومشاهيرها لقضاء إجازة الصيف كونها غنية بالشواطئ الجميلة والمنازل الفخمة.

Embed from Getty Images

شناير الذي يُلقب بأنه «حاخام المشاهير» يُقدم نفسه على أنه سليل الجيل الثامن عشر من سلالة حاخامية أوروبية. وقد صنفته مجلة «نيوزويك» أحد أكثر 50 حاخامًا نفوذًا في الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2009. وبالرغم من كونه حاخامًا بارزًا في المجتمع الأمريكي؛ كانت حياته الخاصة مثيرة للجدل بسبب عدد المرات التي تزوج وطلق فيها، حتى أن زوجته الثالثة توبي جوتسمان شناير نشرت كتابًا على غرار المذكرات الخيالية بعنوان «الكاريزما السيئة» تحدثت فيه عن زواجها الفاشل بالحاخام.

ووصفت سارة شوليفيتز، وهي سيدة أرثوذكسية في الثلاثين من عمرها حضرت خدمات شناير، سلوكه فيتقرير نشرته صحيفة «نيويورك بوست» بأنه «إساءة استخدام للسلطة»، موضحة أن «كثيرًا من النساء يعجبن بالحاخامات، خاصة في اليهودية الأرثوذكسية؛ لأنه لا توجد حاخامات إناث. إنه لأمر فظيع أن يسيء حاخام استخدام هذه الثقة، لكن الكثير من الناس ينظرون في الاتجاه الآخر لأنه رجل قوي».

مارك شناير والطريق إلى قلوب القادة العرب

أسس شناير في عام 1989 «مؤسسة التفاهم العرقي» والتي تهدف بالأساس لإعادة بناء التحالف اليهودي مع السود في الولايات المتحدة، ثم على مدى الخمسة عشر عامًا الأخيرة لبناء علاقات بين اليهود والمسلمين في جميع أنحاء العالم، حيث قاد حوارات ونقاشات بين اليهود والمسلمين في المملكة العربية السعودية، وقطر، والإمارات العربية المتحدة، والبحرين، وسلطنة عمان، وأذربيجان، وإندونيسيا، وإسرائيل، وكازخستان، وفلسطين، وسنغافورة، وفي أوروبا، وأمريكا الجنوبية.

كان شناير يركز في تلك النقاشات على أن «ما يجمع اليهود والمسلمين أكثر مما يفرقهم». وكان حديثه الدائم عن إمكانية التعايش بين الأديان من الأسباب التي جذبت له اهتمام القادة العرب، وخاصة في دول الخليج. وكان من مؤلفاته كتاب «أبناء إبراهام» الذي كتبه بالتعاون مع إمام مسلم من الكتب التي تبرز المشتركات بين الأديان.

وتحدث شناير في مقابلة مع صحيفة «يديعوت أحرنوت» عن علاقته الفريدة بالعاهل السعودي الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز الذي قال إنه كان رائدًا في الحوار بين الأديان بين اليهود والمسلمين وملتزمًا بالسلام، ليس فقط بين إسرائيل والفلسطينيين، ولكن في المنطقة بأكملها.

وبحسب الصحيفة الإسرائيلية، فقد وصف الحاخام الملك عبد الله بأنه كان تقدميًا، وأنه أراد دفع المملكة إلى الأمام، وكان شريكًا مهمًا للغاية فيما يتعلق بتعزيز الحوار بين الأديان، لا سيما مع الجالية اليهودية. وبحسب الحاخام، فقد كان الملك عبد الله رجلًا يكرس نفسه للسلام، ومن أوائل الذين فكروا في الصراع من منظور سياسي، وليس دينيًا أو عرقيًا، ويضيف: «سواء كان ذلك ممثلًا في إيران، أو الإسلام الراديكالي، فقد كان يعلم أن هذا يمثل تحديًا جديدًا ليس فقط لإسرائيل، ولكن أيضًا للدول العربية المعتدلة، وقاد محاولة النظر إلى الصراع ليس على أنه يهود مقابل عرب أو مسلمين، ولكن معتدلين مقابل متطرفين».

كما عينه الملك البحريني حمد بن خليفة مستشارًا خاصًا لـ«مركز الملك حمد العالمي للتعايش السلمي» في المنامة. وكان شناير من أبرز خمس شخصيات دينية استضافتها أبوظبي أثناء زيارة بابا الفاتيكان. وكان شناير أيضًا هو الحاخام الذي أقنع الرئيس الفلسطيني محمود عباس بإدانة المحرقة النازية (الهولوكوست) بعد أن كان واحدًا من منكريها، وفقًا لصحيفة «يديعوت أحرنوت».

دور مارك شناير المعلن في تطوير العلاقات الخليجية الإسرائيلية

ساهم الدور الذي لعبه الحاخام مارك شناير من خلال مؤسسته «التفاهم العرقي» والعلاقات الوثيقة التي أنشأها مع العديد من القادة العرب في رسم صورة له بين القادة في دول الخليج بوصفه شخصية تدافع عن التعايش والتقارب بين الأديان، ما مكنه من الاضطلاع بدور بارز في اتفاقيات التطبيع الأخيرة بين الإمارات، والبحرين، وإسرائيل والتي حملت اسم «اتفاقية إبراهام» وقد يشير تشابه اسم الاتفاقية مع عنوان كتابه «أبناء إبراهام» إلى رسالة يُراد إبرازها، وهي إمكانية التعايش التي يركز شناير على الترويج لها في السنوات الأخيرة.

Embed from Getty Images

في مقابلة مع شبكة «سي إن إن» قال مضيفه في برنامج «كونيكت ذا وورلد» إن تركيزه الكبير ينصب على العمل على إقامة وتحسين العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل والقوى الإقليمية، ذكر شناير أن هناك عملية تحول جارية يمكن أن تعيد تشكيل المنطقة.

وقال شناير في تلك المقابلة: «قبل 15 عامًا كنت رائدًا في مجال العلاقات بين المسلمين واليهود على مستوى العالم. منذ حوالي 12 عامًا دخلت المنطقة عن طريق ملك المملكة العربية السعودية، من خلال الملك عبد الله، الذي قدمني إلى ملك البحرين. هناك تحول كامل يحدث الآن في هذه المنطقة من حيث الالتزام بالحوار، والتعايش بين الأديان. نحن نعيش في أوقات غير عادية».

ويرى شناير في المقابلة نفسها أن هناك ثلاثة أسباب حاسمة لهذا التقارب:

أولًا: القلق والتهديد من إيران، فهي عدو مشترك بين الخليج وإسرائيل.

ثانيًا: التحول الاقتصادي الذي يحدث في الخليج، خاصة بسبب تناقص الطلب على النفط. وأن العديد من قادة الخليج باتوا يرون أن إسرائيل هي الشريك الاقتصادي النهائي.

أخيرًا: إن دول الخليج تريد تقوية علاقاتها مع الولايات المتحدة، لا سيما مع إدارة ترامب. وهم يرون إسرائيل على أنها قناة ليس فقط لإدارة ترامب، ولكن أيضًا للفوز بالولايات المتحدة.

وهكذا استطاع الحاخام مارك شناير الولوج إلى قلب صناعة القرار في دول الخليج، وهو ما أثمر الإعلان عن علاقات رسمية مع بعض دول الخليج وآخرين في الطريق. إذ دخل من بوابة التعايش التي لا يختلف عليها كثيرون، لكنه وصل في نهاية الطريق إلى إقناع بعض العرب بالتعايش مع دولة محتلة لأراضٍ عربية.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ شهر
في سباق التطبيع مع إسرائيل.. لماذا اختلف رد فعل الشعب البحريني عن الإماراتي؟

المصادر

تحميل المزيد