المؤتمر الذي سينعقد 13 مارس القادم تُحضِّر لهُ الحكومة منذُ شهور ورئيس وزرائها يقوم بجولات مكوكية في محاولة لجلب المستثمرين من الحكومات والشركات إلى مصر. فما هي قصة هذا المؤتمر الاقتصادي الذي تعوِّل عليهِ الحكومة المصرية كثيرًا؟

1- بدايةً ما هو المؤتمر؟ ومن دعا له؟

بعد انتخاب الرئيس الحالي الجنرال عبد الفتاح السيسي رئيسًا للجمهورية في يونيو الماضي، دعا ملك السعودية السابق عبد الله بن عبد العزيز لعقد مؤتمر للمانحين في مصر، السعودية والإمارات والكويت كانت أول المؤيدين لهذا المؤتمر بل وأهم وأبرز الداعمين لمصر خلال هذا المؤتمر. لكنَّ هذا المؤتمر لم يتمّ خلال الصيف الماضي كما كان مقررًا، بل تغير الموعد أكثر من مرة حتى وصل للموعد النهائي في مارس القادم.

” الملك عبد الله هو الذي دعا للمؤتمر”

لم يكن التأجيل فقط هو التغير الوحيد الذي نال المؤتمر، فقد تحوَّلَ المؤتمر من مؤتمر “للمانحين” إلى مؤتمر “اقتصادي” هدفه الوحيد جذب الاستثمارات. هكذا كان التحول في هذا المؤتمر، الذي يُظهر مدى ما تمرّ به مصر. تعاقدت الحكومة المصرية مع عدة شركات عالمية للاستشارات والعلاقات العامة لتنسيق المؤتمر، الذي يبدو أن مستقبل مصر الاقتصادي يتوقف عليه!

الموقع الرسمي للمؤتمر من هنا.

2- ماذا تتوقع مصر من المؤتمر؟ ومن أبرز المشاركين؟

في البداية كان الحديث عن استهداف 100 مليار دولار استثمارات أجنبية، لكنَّ هذا الرقم ظلَّ يتضاءل ويتضاءل حتَّى وصل إلى 20 مليار دولار، وقد وصل حاليًا إلى 12 مليار دولار فقط تتوقع الحكومة أن تبدأ مصر بهم تدشين عهد اقتصادي جديد، يدافع عن الجنيه في مواجهة ارتفاع سعر الدولار إضافةً إلى محاولتها رفع معدلات النمو، ما يعني أنَّ عدم وصولها إلى هذا الرقم يعني الفشل التام للمؤتمر بالتأكيد. أبرز المشاركين بالطبع السعودية والإمارات، بل إنَّ رئيس الوزراء إبراهيم محلب قد أعلن أنَّ السعودية والإمارات شريكان في تنظيم المُؤتمر.

” رئيس الوزراء المصري، إبراهيم محلب”

بشكلٍ عام سيشارك في المؤتمر ممثلو 100 دولة، كما سيحضرهُ أيضًا أكثر من 2500 من ممثلي الشركات والمؤسسات العملاقة حول العالم. حسب التقارير المتاحة فإن مصر قد استعانت ببعض الشركات العالمية التي ساعدتها لرسم تصور للخروج من الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تمرّ بها. تمثل التصور في: جذب تدفقات نقدية خارجية بقيمة 120 مليار دولار خلال أربع سنوات من الآن في صورة استثمارات خارجية، لدفع نسبة النمو لتتخطى 5%. مائة وعشرون مليار دولار في أربع سنوات؟ بينما يعلن المؤتمر الحالي أنه يأمل أن يصل إلى 12 مليار دولار فقط، فهل تستطيع الحكومة أن تصل لهذا الرقم (120 مليار دولار) في أربع سنوات حقًا؟ لو نجح المؤتمر في جذب 12 مليار دولار فإن هذا يمثل فقط 10% من إجمالي ما تحتاجه مصر خلال أربع سنوات.

3- ما هو الوضع الاقتصادي لمصر الآن؟

غير خافٍ على أحد أنَّ الاقتصاد المصري يتداعى بشكل متزايد؛ فمنذُ تحرك الجيش ضد الرئيس السابق محمد مرسي في يونيو 2013 ومصر تعيش على المساعدات من قبل دول الخليج، الداعم الأكبر لها في الإطاحة بالرئيس الإخوانيّ السابق. لكنَّ هذا الدعم الكبير يبدو أنه سيتوقف. حسب التصريحات المتعددة والمتضاربة لمسؤولين مصريين فإن الدول الخليجية (السعودية والإمارات والكويت) قامت بمنح مصر مساعدات تراوحت بين 12 و20 مليار دولار، لكنَّ توقعات أخرى تذهب لأكثر من هذه الأرقام الرسميَّة.

تمثَّل هذا العجز الاقتصادي المصري في عدة خطوات اتخذتها الحكومة خلال الفترة السابقة:

1- قامت الحكومة بتخفيض الدعم على الطاقة التي زادت 78% في أسعار الوقود الأساسية.

2- قامت مصلحة الجمارك المصرية بتعديل الأسعار الاسترشادية للسلع المستوردة من خارج مصر.

3- دعوتها للمؤتمر الذي كان مخططًا له أن يكون مؤتمرًا للمانحين، ثم تخفيض الهدف المنوط بالمؤتمر تحقيقه إلى 12 مليار دولار فقط، كما ذكرنا بالتقرير.

4- يبدو أنَّ انخفاض أسعار النفط منذ يونيو الماضي يؤثِّر بشكل مباشر على مصر. فقد انخفضت أسعار النفط لمستويات لم يسبق تسجيلها منذ 5 سنوات وأكثر. ما يعني أنَّ دول الخليج تعيش حاليًا في مأزق، وهي الدول التي دعمت الجيش المصري بشكل مباشر وصريح منذ إطاحته بالرئيس السابق.

ربما ستفهم نظرة الرئيس المصري الحالي لدول الخليج حين تستمع إلى تسريبه الأخير من هنا.

يشهد الجنيه المصري هبوطًا متسارعًا أمام الدولار

4- هل من المتوقع أن ينجح المؤتمر؟

لا بدّ أن تتوفر للمستثمرين بيئة يشترطونها، ولأجل أن تقوم استثمارات في مصر يجب أن تحقق مصر أبرز شروط المستثمرين:
1- خريطة طريق واضحة ومدروسة بعناية للخروج من الوضع الاقتصادي المزري.
2- تحقيق مستوى عالٍ من الاستقرار الأمني، فتقلب مصر خلال السنوات الأربع السابقة بين اضطرابات سياسية عديدة جعلها طاردة للاستثمار والمستثمرين.

حسب موقع ويسترن جورناليزم، يواجه نظام السيسي خطرين: الخطر الأمني، والخطر الاقتصادي. شهدت مصر خلال الأيام الماضية استهدافًا إرهابيًا في سيناء، لم يكن الأول بعد وصول الجنرال السيسي للحكم. الأبواق الإعلامية للنظام المصري كانت تؤكد أن هذا الاستهداف من خصوم السيسي لإفشال المؤتمر الاقتصادي في مارس. بالجملة فإنَّ عدم إحكام الحكومة قبضتها في سيناء بالتحديد لن يعطي للكثير من المستثمرين الأمل في تأسيس مشروعات اقتصادية عملاقة في مصر. فما الذي ستفعله الشركات العملاقة في بلد يستيقظ أهله كل يومين على حادث تفجير أو تسريب يتهم رئيسه أو أحد رجال دولته بتهم مخالفة القانون؟ هذا الأمر يجعل نجاح المؤتمر على المحكّ.

النظام المصري إلى أين بهذا الشكل؟

أن تعلن دولة كمصر عن مؤتمر لـ “التسويق” لنفسها فهذا يعني أنَّ الوضع أكثر من خطير. بالطبع لن تتخلى الدول الخليجية المؤيدة للنظام الحالي في مصر عن النظام ولا عن رئيسه لعدة أسباب، منها أنَّ الجيش المصري هو الجيش الأقوى عربيًا، وقد تمَّ بشكل تفاوضي استخدام قدراته في بعض العمليات كإمداد الجنرال خليفة حفتر بقوات مصرية بتنسيق ودعم إماراتي، رغم نفي الجميع دخول مجندين مصريين إلى ليبيا. لكن هذه الدول أيضًا لن تستطيع أن تظل تمد النظام المصري بالمليارات دون حساب، وعلى النظام المصري أن يخرج بصيغة اقتصادية ترضي دول الخليج، ومن ناحية أخرى تحفظ له استقراره السياسي وماء وجهه أمام شعبه. تبدو هذه المعادلة خطيرة وشائكة، لكنَّ النظام المصري لا يمتلك الكثير من الخيارات.

لكن لا تبدو في الأفق أية محاولات جدية ومدروسة لحل اقتصادي جذري وحقيقي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد