رُفضت في أول مقابلة عمل في حياتها، رغم أنها حاصلة على بكالوريوس الكيمياء بمرتبة الشرف، وصاحبة المركز الثاني على دفعتها. تقرير الموارد البشرية المُوضح لأسباب الرفض قال إنها لم تُقبل في شركة «إمبريال كيميكال» البريطانية لأنها عنيدة وقوية، وأراؤها صلبة، ولا تتنازل عن مواقفها بسهولة. الفتاة المرفوضة صارت في 2007 أول رئيسة وزراء يُنصب لها تمثال في مجلس العموم البريطاني؛ فتمثال مارجريت هيلدا روبرتس أو – مارجريت تاتشر- يُقابله مباشرة تمثال ونستون تشرشل. يمكننا أن نضع لقب السيدة قبل اسمها، فقد مُنحته بعد استقالتها، لكنّها رفضت استخدامه، فقد راق لها أكثر لقب «المرأة الحديدية».

وُلدت مارجريت تاتشر في 13 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1925. عائلتها ميثودية صارمة، ووالدها ليبرالي الجذور، لكنّه دائمًا ما يصف نفسه بالمستقل. ورثت منه مارجريت الثقة والانتماء لحزب المحافظين، وعداء «حزب العمل». إذ كان والدها عمدة جرانثام – البلدة التي وُلدت فيها- عامي 1945 و1946. ثم فقد كل مناصبه، حتى عضويته في المجلس البلدي عام 1952 حين فاز «حزب العمل» بأول أغلبية تاريخية له في مدينة جرانثام.

سنوات طفولتها الأولى قضتها متنقلةً بين محل والدها للبقالة، وبين دروسه الوعظية في الكنيسة المثيودية. في شبابها كان عشقها الأول هو الدراسة بلا انشغال بالسياسة، منحتها الأولى كانت إلى مدرسة البنات في بلدتها، ثم من المدرسة حصلت على منحة أخرى لـ«جامعة أوكسفورد»، وهناك درست الكيمياء على يد نخبةٍ من الأساتذة منهم دوروثي هودغكن، الحاصلة على نوبل في العلوم. لكن مارجريت كانت قد اتخذت قرارًا بأن الكيمياء لن تكون رفيقتها لباقي حياتها. لذا لم تخرج من الجامعة بالشهادة فحسب، بل خرجت بخبرة سياسية ميدانية عبر اقتحامها مجال الأنشطة الجامعية.

صارت رئيسة جميعة المحافظين في «جامعة أوكسفورد»، وبعدها انضمت إلى جمعية المحافظين المحلية في مكان إقامتها، ثم صارت مارجريت ممثل تلك الجمعية لدى مؤتمر المحافظين العام في لندن، وفي هذا المؤتمر تعرفت إلى الثري دينيس تاتشر، الرجل الذي ستحمل اسمه لباقي حياتها.

كيف تحولت بريطانيا من إمبراطورية «لا تغيب عنها الشمس» إلى مجرد تابع؟

مارجريت تاتشر.. سارقة الحليب

عام 1950 انضمت مارجريت تاتشر رسميًّا لحزب المحافظين كأصغر عضوة شابة فيه. بعد انضمامها بعام تزوجت دينيس تاتشر، ثم رزقا بتوأم بعد عامين. في تصريحٍ لها قالت مارجريت تاتشر أنها ستحاول أداء دورها كما يجب، لكنها لن تسعى في السنوات القادمة لمنصب أعلى. وأوضحت أنها تريد التركيز على التوأم في سنواتهم الأولى، ثم تنطلق بعد ذلك في حياتها السياسية.

Embed from Getty Images

لكن مرحلة الانطلاق بدأت بفشل متكرر في الانتخابات البرلمانية عن مدينة داتفورد، عملية لا يمكن تسميتها إلا بالانتحار السياسي في قلب مدينة تُعد معقلًا أبديًّا لـ«حزب العمال». لكن ما لم يكن واضحًا للمتابعين أنها تُنفذ عمليًّا مقولتها المتكررة «أقاتل لأبقى، ثم أقاتل لأنتصر»؛ فقد استطاعت بترشحها المجنون أن تنتزع احترام الخصوم، وانتباه الأصدقاء.

ترشحت مارجريت تاتشر في الانتخابات التالية، لكنها لم تفز أيضًا، ولم تفز بفرصة تمثيل «حزب المحافظين» في مجلس العموم إلا عام 1959، وظلت فيه لأكثر من 30 سنة. في خطابها الأول طالبت المجلس أن يعقد جلساته الاستشارية علنًا، الأمر الذي صار بعد ذلك قانونًا ساريًا. دعت مارجريت تاتشر إلى تجريم المثلية الجنسية، لكنّها طالبت بالسماح بعمليات الإجهاض، وصوتت من أجل إلغاء استخدام السوط وسيلة من وسائل العقاب، لكنّها عارضت إلغاء عقوبة الإعدام.

دخول مجلس الوزراء كان حلم مارجريت تاتشر، لكنها لم تكن تحظى بالدعم الكافي من حزبها. الفرصة جاءتها عبر حكومة الظل التي شكلها «حزب العمال» عام 1961، إذ شغلت منصب وزيرة المعاشات والتأمينات الوطنية، ما وضعها في قائمة المرشحين للفوز بمنصب وزاري مرموق إذا تمكن حزبها من الفوز في أي انتخابات لاحقة. وفي العام نفسه ترّقت لتجلس في مقاعد البدلاء الأمامية. لكن الانتخابات اللاحقة لم تأت إلا بعد تسع سنوات، لكن مارجريت تاتشر لم تمل، فكما قالت في إحدى خطبها «فليتراجع من يشاء إذا أرادوا، أما أنا فلا أتراجع أبدًا».

عام 1970 فازت في انتخابات حزب المحافظين فعُينت وزيرةً للتعليم والعلوم، ليكون أول تعارف سياسي مباشر بين مارجريت تاتشر والشعب البريطاني. في شهور وزارتها الأولى حصلت على لقب «سارقة الحليب». إذ خفضت ميزانية التعليم، فقطعت الحليب المجاني الذي يُوزع على الطلاب بين عمر السابعة والعاشرة. أدى قرارها إلى احتجاجات شعبية لكنها لم تتراجع عن قرارها. وقد ذكر تقرير نشر عام 2001 عن اجتماع مجلس الوزراء، أنها امتنعت عن قطع الحليب عن أطفال الروضة خوفًا من مزيد من الاضطرابات، خاصةً أن إيدوارد هيث، رئيس الوزراء، كان معارضًا لقرارها.

«المرأة الحديدية» وهدم بريطانيا القديمة!

أول معركة مباشرة مع الرأي العام جعلت مارجريت تاتشر تتراجع خطوةً للخلف في تصريحٍ لها تُعبر فيه عن أنها فقدت الثقة في احتمالية وصول النساء لرئاسة الوزراء يومًا؛ لكن طموحها غلب تشاؤمها، واستمرت في تدعيم نفوذها تدريجيًّا داخل «حزب المحافظين». حتى سنحت لها الفرصة التاريخية عام 1974 بخسارة حزبها للانتخابات ومن ثم السلطة.

الغضب الناتج عن الهزيمة وُجّه للقيادة فتقدمت مارجريت تاتشر لتتصدر. إذ حولت هزيمة حزبها لانتصار شخصي لها، فأصبحت أول امرأة تقود «حزب المحافظين»، وأول امرأة تقود المعارضة في مجلس العموم. لكنها لم تكن الهزيمة الوحيدة التي اقتنصتها مارجريت تاتشر؛ فالهزيمة الثانية كانت أشد، لذا كان انتصارها أكبر. عام 1979 مرت بريطانيا بأزمة اقتصادية، إضرابات وبطالة وتضخم، فتتقدم مارجريت تاتشر لتُعيد المحافظين للحكم، وتحصل على لقب أول رئيسة للوزراء في الرابع من مايو (آيار)، من العام نفسه.

في خطابها الأول لخصت مارجريت سياستها العامة التي ستمضي على نهجها ما بقيت في السلطة، وكان أهم ما ورد في خطابها – لكنها لم تقله- أنها لم تعد مارجريت تاتشر المرأة العطوف، بل تاتشر «المرأة الحديدية». المرأة التي أعلنت رفض النظريات الاقتصادية التي تقوم على المزواجة بين القطاع العام والخاص، ورائدها الاقتصادي جون كينز. وقالت إنها سوف تتبع نظريات الاقتصادي الأمريكي ميلتون فريدمان، بوصفها سياسة أكثر تحررًا.

ثم وجهت سلاحها لـ«حزب العمال» قائلةً بأن من حق المواطن أن يصبح ما يريد، وينفق ما يجني، وله حق التملك، وأن تكون الدولة في كل هذا خادمًا للمواطن لا مُراقبًا له، ثم يَمّمت وجهها شطر الاتحاد السوفيتي لتصفه بالمهووس للسيطرة على العالم. وما لبثت أن تناقلت الصحف السوفيتيّة الخطاب واصفةً إياها بـ«المرأة الحديدية»، في إشارة لعزمها وسياستها الصارمة. أُعجبت تاتشر باللقب، وظلت حريصةَ على أن يلازمها في كل خطواتها.

بدأت سياستها بخصخصة ما هو عام ومنحه للمواطنين بنظام الأسهم، وعلى مدار ثماني سنوات خصخصت مارجريت تاتشر شركات حيوية مثل «جاغوار للسيارات»، و«الشركة البريطانية للطيران»، و«شركة الغاز» و«البريطانية للاتصالات». إذ كان شعار تاتشر أن تلك الخصخصة المتزايدة ليست إلا إعادةً للسلطة إلى الشعب، كما عدّلت أيضًا قوانين البورصة ما ساهم في تدفق الأموال إلى المملكة المتحدة.

الصدفة تمنحها ولاية ثانية

لكن كل الإصلاحات التي نفذتها تاتشر كانت تعتمد على الربح طويل الأمد، ولا شيء مما فعلته كان متوقعًا أن يشعر المواطنون بثماره فورًا. لذا أظهرت استطلاعات الرأي عام 1981 انخفاض شعبيتها بصورة غير مسبوقة لتصل إلى 23%. ليس بالنسبة لتاريخها الشخصي فحسب، ولا مقارنةً بسلفها فحسب، بل الأقل شعبية في تاريخ بريطانيا بالكامل. فالعاطلون عن العمل بلغوا 3 ملايين شخص، ولم ينخفض هذا الرقم إلا عام 1986. وأُغلقت قطاعات صناعية كبرى، وشاع ركودٌ في كل شيء، في مقابل نمو بطيء للغاية لا يشعر به سوى مارجريت شخصيًّا.

Embed from Getty Images

الانتخابات الثانية كانت على الأبواب، ومنحنى شعبيتها في هبوطٍ لا يتوقف، لكن الإنقاذ جاء من كارثة، حرب الفوكولاند.  هيبة المملكة في اختبارٍ حاسم أمام مدمرتين، وبارجتين، وغواصة، والقوات الخاصة، و900 جندي. النظام الأرجنتيني أراد الفرار من مأزق الانتخابات فحرّك قواته لاستعادة جزر الفوكولاند الواقعة تحت السيطرة البريطانية. مارجريت تاتشر لا تعرف ما تفعل، خاصةً والتأكيدات المتتابعة التي كانت تصل إليها، أكدت أن النظام الأرجنتيني لن يجري أي عمل عسكري.

لكن تاتشر كانت قد أعلنت سابقًا أنها لن تتهاون مع الإرهاب أو محاولات ليّ ذراع المملكة بأي صورة، لذا قررت أن يكون الرد ساحقًا، 127 قطعة بحرية، و28 ألف جندي بريطاني من أجل جزر يقطنها ما يقل عن 3 آلاف شخص. لم تستطع القوات الأرجنتينية أن تصمد سوى 10 أيام أمام الرد البريطاني العنيف. 10 أيام فقط ضمنت لتاتشر منصبها لولاية ثانية، ووضعت حولها هالة القائد القوي الذي لا يتهاون مع أي تطاول على كرامة بلاده.

ولاية ثانية تلاها فوزٌ بولاية ثالثة، كأول رئيس وزراء يحافظ على منصبه هذه المدة الطويلة. لكن للمرة الثالثة يغضب الشعب، فالتضخم والضرائب زادا عن الاحتمال، وبدون مقدّمات تحول الاقتصاد من عصا مارجريت تاتشر السحرية للفوز إلى لعنةٍ كلفتها المنصب. الضربة القاضية وجهها ميشيل هيسلتين، وزير دفاعها ومنافسها الحزبي، الذي استقال من الوزارة واقترح تصويتًا لسحب الثقة. فازت في جولته الأولى بفارقٍ ضئيل، لكن عددًا من وزرائها أعلنوا تخليهم عنها فقررت الاستقالة بدلًا من انتظار الجولة الثانية. وصفت تاتشر تلك الحادثة بأنها كانت «خيانةً ذات وجه مبتسم»، وأردفت أن «ذلك أسوأ ما في الأمر».

إضراب وإرهاب واغتيال.. مشاهد في حياة المرأة الحديدية

تعرضت تاتشر لاختبار من نوع مختلف، حصار السفارة الإيرانية في قلب العاصمة لندن عام 1980، إذ احتجز ستة مسلحين 26 رهينة لمدة أسبوع. توقع الجميع أن تُظهر تلك الحادثة تاتشر بصورة المرأة المضطربة التي لا تعرف ماذا تفعل، لكنّ العكس تمامًا هو ما حدث. فللمرة الأولى منذ سبعة عقود يُسمح للقوات البريطانية باستخدام القوة المميتة في التعامل على الأراضي البريطانية، هذا الحل الحاسم أكدّ استحقاقها لقب المرأة الحديدية.

المرأة الحديدية تبرز من جديد مع إضراب عمال المناجم البريطانيين. فقطاع المناجم لم يُرحب بسياسة الخصخصة أو خفض التدخل الحكومي في الصناعات. إذ كان «مجلس الفحم الوطني» يتلقى النصيب الأكبر من الدعم المُقدّم من الحكومة. لكن تاتشر قررت عام 1984 إغلاق جميع المناجم غير المُربحة، ما يساوي إغلاق أكثر من 20 منجمًا، وخسارة ما يُقارب 20 ألف مواطن عملهم. لكن ما لم يكن يعلمه المُضربون آنذاك أن تاتشر قد راكمت منذ فترةٍ في مخازنها كميات هائلة من الفحم لتجنب انقطاع الطاقة.

استمرت الإضرابات لمدة عام كامل، دون أن تتراجع تاتشر خطوةً واحدة، فلم يجد «الاتحاد الوطني لعمال المناجم» بُدًّا من إنهاء الإضراب دون عقد أي صفقة، ومضت تاتشر في إغلاق المناجم كما خططت، وحُسب الأمر في النهاية نصرًا سياسيًّا لتاتشر وحزبها.

لم يكن ذلك العام سهلًا عليها؛ فبينما الإضرابات مشتعلة تعرضت لمحاولة اغتيال، إذ الجيش الوطني الأيرلندي فجّر الفندق التي كانت مقيمةً فيه مع مجموعة من وزرائها استعدادًا لانعقاد مؤتمر «حزب المحافظين». انفجرت القنبلة في موعدها المضبوط، أصاب الضرر جزءًا من غرفة تاتشر، لكن لم تصب هي أو زوجها بالأذى، كذلك أفلت الوزراء من الموت، لكن خمسة أشخاص فشلوا من الهروب منه.

ارتدت تاتشر  قناع المرأة الحديدية وخرجت على الفور بتصريحٍ تثبت فيه قوتها، وتعلن أن المؤتمر سيُعقد في موعده تمامًا، أما الجيش الأيرلندي فأعلن مسئوليته صراحةً، وأكدّ عزمه على إعادة المحاولة، حتى تتحرر أيرلندا من السيطرة البريطانية. بعد فترة وقعت تاتشر اتفاقيةً مع أيرلندا من أجل الاعتراف ببعض حقوقهم وإظهار بعض الاحترام من الجانب البريطاني لكاثوليك أيرلندا الشمالية؛ لكن تلك الاتفاقية فشلت في تحقيق هدفها، واستمر العنف السياسي.

«أريد استعادة أموالي».. مارجريت تاتشر والبريكست

إذا تتبعنا تصريحات مارجريت تاتشر، وحاولنا استقراء كيف سيكون رد فعلها لو شهدت أزمة البريكست الحالية؛ فإن الإجابة ستكون الخروج. فمارجريت تاتشر لم تكن من أنصار التكتلات الأوروبية أو المؤسسات الأوروبية المشتركة. فتاتشر تشارك بوريس جونسون، رئيس الوزراء الحالي، والناخبين البريطانيين شعورهم بالظلم. فقد صرحت أنها تريد تصحيح الظلم الذي تضعه أوروبا على عاتق المملكة المتحدة، تُلمح تاتشر بذلك للأموال الضخمة التي تخصصها حكومة الملكة للميزانية الأوروبية في مقابل امتيازات ومنافع قليلة للمملكة.

Embed from Getty Images

وقد أعلنت تاتشر ذلك صراحةً أمام قادة أوروبا عام 1980 في دبلن؛ إذ قالت مباشرة «أريد استعادة أموالي». الصدام والاعتراض حققا ما أرادته تاتشر، خُفضت المساهمة البريطانية للثُلثين. كما حصل الفلاحون البريطانيون على المزيد من  الإعفاءات؛ إذ كانت فرنسا تستفيد من الإعفاءات أكثر من بريطانيا، رغم قلة ما تدفعه فرنسا مقارنةً ببريطانية.

لم تخفت حدة الكراهية في صدر تاتشر تجاه الاتحاد الأوروبي، بعد ثماني سنوات من المواجهة في دبلن خطبت مرةً أخرى تجدد رفضها لسلطة الاتحاد. قالت إنها لم تقاتل لتقليص سلطة الدولة في بريطانيا لتُفاجأ بأن أوروبا تحاول أن تفرض على بريطانيا إملاءات أخرى. كما أنها لن تقبل أن يكون الاتحاد واجهة للدول الأخرى لتفرض سيطرتها على بريطانيا، عامان وعادت تاتشر لترفض العملة الأوروبية الموحدة.

لكن كما للبريكست معارضون شرسون، فقد كان لتاتشر معارضون أشرس. على رأسهم يأتي نائبها الذي أعلن استقالته بعد خطابها السابق، وشن معارضو حزبها عليها هجومًا كاسحًا لم تجد أمامه مفرًّا من الاستقالة بعد 11 عامًا على رأس الحكومة.

معارك كثيرة.. ثم الهزيمة الكبرى

بعد الاستقالة قبلت تاتشر بالحصول على لقب البارون كي تتمكن من الدخول لمجلس اللوردات. في ذلك المجلس لم تسكت عن انتقاد معاهد ماسترخيت، وقالت إنها تأخذ بريطانيا للخلف، فلما لم توافقها الأحزاب في رأيها دعت مارجريت لإجراء استفتاء عام. ثم صرخت في أغسطس (آب) 1993 مطالبةً بوقف هجوم حلف شمال الأطلسي على الصرب، وطالبت بحماية البوسنة والهرسك. حذّرت أن الصمت قد يؤدي لمذابح أشبه بوحشية النازيين، وهو ما حدث في مذبحة سربرنيتشا، التي علقت مارجريت عليها قائلةً إن: «أوروبا سوف ترى الكثير من المذابح وجرائم القتل مستقبلًا».

لكن يومًا بعد آخر كانت المرأة الحديدية تُهزم في معركةٍ مختلفة، المعركة الأخيرة في حياة مارجريت كان مع السكتات الدماغية. عدة جلطات ضربتها هزمتهم مارجريت في كل جولة، لكن شيئًا تبقى من آثارهم في نطقها وذاكرتها، فاعتزلت الخطابات السياسية، ثم اعتكفت في منزلها ولم تعد تخرج للعلن، وأُعلن إصابتها بمشكلات في ذاكرتها.

حتى غافتلها الجلطة بضربتها القاضية في 8 أبريل (نيسان) عام 2013. لتُدفن بجانب زوجها في حديقة المستشفى الملكى في لندن. مراسم عزائها كانت أقرب للمراسم التي تُقام لملوك بريطانيا، لكنها لم تكن لملكٍ عادي، بل للمرأة الحديدية؛ أكثر سياسيي بريطانيا صراحةً وحيويةً وقوة. المرأة التي يبقى إرثها السياسي مُحددًا لجوهر الحياة البريطانية السياسية والثقافية الحديثة. واشتُق من اسمها مبدأ التاتشرية، ليكون منهجًا واضحًا لمن يريد الاقتداء بها، بينما يمثل تاريخ وصولها لرئاسة الوزراء نقطة تحول في تاريخ بريطانيا العظمى.

«بلومبرج»: كيف بدأت لندن تخسر مليارات بالفعل بسبب «البريكست»؟

المصادر

تحميل المزيد