في عام 2005، ترك الكاتب هنتر طومبسون رسالة انتحاره، لمن يهمه أن يطلع على آخر ما كتبه، واضعًا للرسالة عنوانًا استثنائيًا، ربما هو أغرب عنوان لرسالة انتحار في التاريخ: «لقد انتهى موسم كرة القدم الأمريكية».

كتب طومبسون في رسالته، مشيرًا إلى فترة التوقف السنوية للمباريات، قبل بداية الموسم الجديد: «لا توجد مباريات، عمري 67 عامًا، هذا يعني 17 عامًا بعد سن الخمسين، 17 عامًا أكثر مما أحتاج أو أريد، كل شيء أصبح مملًا».

صورة للكاتب الأمريكي هنتر طومبسون.. «مصدر الصورة: morrisonhotelgallery.com»

في الكتاب واسع الانتشار «سوكرنوميكس»، للكاتبين سايمون كوبر وستيفان زيمانسكي، يقول المؤلفان: «السنوات التي تشترك فيها الدول الكبرى كرويًا، ببطولات كبرى، تنخفض فيها نسب الانتحار على نحو درامي، يصبح الفريق هو العائلة، والملعب هو الملاذ، في ظل حياة استهلاكية، تعتمد على العلاقات قصيرة الأمد».

تمتلك كرة القدم تأثيرًا سحريًا على الحياة، إلى حد يجعلها عاملًا شديد التأثير في اتخاذ الأفراد لقرار الانتحار، من عدمه، ومن هنا تصبح مناقشة أمور كرة القدم، مناقشة ذات أهمية، لا تقل عن أهمية مناقشة أمور السياسة والحب والفشل والنجاح، وتكتسي مناقشة مدى أثر الوحدة بين ألمانيا الشرقية والغربية، وهدم جدار برلين في عام 1989، على تهميش وربما انهيار كرة القدم، في شرق ألمانيا الموحدة، لصالح ازدهارها في الجزء الغربي، بقدر من الأهمية.

ماذا لو تأخر سقوط الجدار ثلاثة أشهر فقط؟

لم يكن رافضًا للوحدة، وكل ما كان يتمناه، أن تتأخر ربع عام فقط. هذه كانت أمنية إدوارد جاير، آخر مدرب لمنتخب ألمانيا الشرقية، معبرًا عنها بعد ذلك، على استحياء، في حوار لمجلة كرة القدم النمساوية «باليستير» معه.

كل ما تمناه جاير، أن يشارك مع منتخب بلاده، في نهائيات كأس العالم 1990، والتي فازت بها ألمانيا على كل حال، لكن حلم جاير هُدم مع الجدار، بعد أن تم تذويب منتخب ألمانيا الشرقية، ومن ثم لم يستطع جاير أن يحقق حلمه، بقيادة فريقه في نهائيات كأس العالم، وقد قادته الوحدة والقدر، ليصبح مدربًا لفريق ضعيف نسبيًا، هو إنيرجي كوتبوس، أحد فرق الدوري الألماني الممتاز، بعد أن كان مدربًا لمنتخب بلاده. هكذا كانت صورة الوحدة وسقوط الجدار، للمدرب سيء الحظ إدوارد جاير.

شرق ألمانيا المهمش بعد 25 عامًا من أحلام الوحدة

في حملته الانتخابية عام 1990، أطلق المستشار الألماني السابق هيلموت كول، وعودًا لسكان شرق ألمانيا، المندمجين حديثًا مع الغربيين، بمساواتهم اقتصاديًا مع سكان «ألمانيا الغربية سابقًا».

جدار برلين أثناء محاولات اقتحامه عام 1989 «مصدر الصورة: www.smithsonianmag.com»

بعد مرور حوالي 25 عامًا على الوحدة، فإن متوسط دخل الفرد، لسكان ألمانيا الشرقية، أقل من 18 ألف يورو، بينما يصل متوسط دخل الفرد، في ألمانيا الغربية، إلى ما يقارب 27 ألف يورو، وفي حين يمتلك كل 1000 ساكن، في شرق ألمانيا، 31 سيارة على أقصى تقدير، يمتلك نفس العدد في المناطق الغربية 105 سيارة، بالإضافة إلى الفارق الملحوظ بين رواتب الألمانيين الشرقيين والآخرين الغربيين، الحاملين لنفس المؤهلات.

بعد مرور 25 عامًا على وعود المسؤولين الغربيين، بعد الوحدة مباشرة، بات العديد من المحللين، حين يتذكرونها، يرون أنها كانت محض أكاذيب انتخابية بيضاء، علم من أطلقوها أنها لن تتحقق.

وبات العديد من المحللين أيضًا يرون أن عدم الوفاء بتلك الوعود والأحلام الوردية، قد أدى إلى سيادة الحقد بين الألمان الشرقيين، وأن هذا الحقد تحول إلى رصيد شعبي كبير، للفكر النازي في الشرق الألماني، بالإضافة إلى الحنين الجارف الملحوظ هناك، تجاه حقبة ما سمي بالحكم الشيوعي لألمانيا الشرقية، حيث بات للنازية جمهورًا عريضًا من غير المؤدلجين، في المناطق الممثلة لألمانيا الشرقية سابقًا.

ويعاني شرق ألمانيا من ارتفاع كبير في معدلات البطالة، حيث تبلغ نسبة البطالة، في الولايات الشرقية الألمانية، حوالي 11%، وتصل إلى 15% في مدن مثل لايبزج ودريسدن.

علمًا بأن شرق ألمانيا قد فقد نسبة كبيرة من سكانه منذ الوحدة، وبحسب إيريس شيلكة، المفوضة البرلمانية لشؤون شرق ألمانيا، فإن المناطق الشرقية، ستفقد 40% من سكانها، بحلول عام 2030، بينما يشكل المهاجرون من شرق ألمانيا إلى غربها، نسبة 93% من المهاجرين داخل البلاد، ممن هم تحت سن الـ 50 عامًا.

وعلى الرغم من كل ذلك، فإن دعم الحكومة المركزية الألمانية للجهة الشرقية، يتقلص عامًا بعد عام، حيث بدأت الحكومة في إيقاف ضريبة بناء شرق ألمانيا، المفروضة منذ إزالة الجدار.

كما أعلنت الدولة أنها ستوقف دعمها لصندوق التضامن بين الولايات، بحلول عام 2020.

من التهميش في الحياة إلى التهميش في كرة القدم

ربما لا يعلم الكثيرون، أن توني كروس، لاعب المنتخب الألماني، والمحترف في صفوف نادي ريال مدريد الأسباني، وأحد أهم ركائز تشكيلة المنتخب الألماني أبطال العالم، الفائزة بكأس العالم في البرازيل، عام 2014، هو واحد من أبناء القسم الشرقي في ألمانيا.

لكن توني كروس نفسه لا يهتم في الحقيقة بهذا الأمر، حيث يؤكد أن مسألة «شرقيته» هذه لا يشعر أنها قريبة منه، ويشعر أنه لا تربطه علاقة كبيرة بذلك.

وتوني كروس هو واحد من عديد اللاعبين، الذين ما إن تظهر موهبتهم في الشرق، حتى يتم تصديرهم فورًا لأندية الغرب الغنية، ما يؤثر بالسلب على الجماهير الشرقية في ألمانيا.

خصوصًا وأنه يتم بيع هؤلاء اللاعبين بأرخص الأثمنة، بمجرد أن تبرز موهبتهم وهم أطفال، بأسعار أقل حتى من قيمتهم الحقيقية في السوق آنذاك، ثم تصبح قيمتهم في السوق أعلى، بأضعاف مضاعفة، في ظرف سنوات قليلة، بعد انتقالهم لمدن الغرب. فتوني كروس الذي انتقل من ناديه الشرقي، روستوك، إلى بايرن ميونخ، مقابل 2.3 مليون يورو، صارت قيمته الآن في السوق لا تقل عن 40 مليون يورو.

لاعب وسط المنتخب الألماني توني كروس «مصدر الصورة: www.foxsports.com»

وفي أحيان كثيرة أيضًا، لا تستفيد أندية الشرق من عائدات مالية، تتناسب مع أسعار السوق، حين تبيع لاعبيها لأندية الغرب.

ومنذ هُدم جدار برلين، انحصر دور أندية شرق ألمانيا، في تكوين المواهب الشابة، وإعدادها بشكل جيد، حتى تستفيد منها فيما بعد أندية الغرب.

حيث تتمتع أندية الشرق الألماني بمراكز تكوين ناشئين بمقاييس عالمية، تصنع الناشئين المصدرين فيما بعد للغرب، فنادي روستوك، منشأ اللاعب توني كروس، يصنف كل ثلاث سنوات من بين أفضل ثمانية مراكز تكوين بألمانيا.

قبل الوحدة، كان لأندية ألمانيا الشرقية تواجد قوي في المحافل الأوروبية، وفاز نادي ماجدبورج، في عام 1974، بكأس الكؤوس الأوروبية، وبعد مرور أكثر من 25 عامًا من سقوط الجدار، صار هذا النادي قابعًا في دوري الدرجة الرابعة الألمانية.

بحلول الموسم الماضي، لم يعد هناك أي فريق شرقي يلعب بالدوري الألماني الممتاز، حيث تُحرم الجماهير الشرقية من الاستمتاع بتواجد أنديتها في المنافسات الكبيرة بالدوري الألماني.

بعد سقوط الجدار، انضم 400 فريق من ألمانيا الشرقية، إلى الاتحاد الألماني لكرة القدم، لكن لم يُسمح سوى لثمانية أندية منها، باللعب بدوري الدرجة الأولى والثانية.

بعد مفاوضات مجهدة وطويلة، قبلت ألمانيا الموحدة في النهاية، أن تسمح لفريقين فقط من ألمانيا الشرقية السابقة، باللعب في دوري الدرجة الأولى الألماني، موسم 1991-1992

وبحسب محمد بصل، العضو المؤسس برابطة بايرن ميونخ الرسمية في مصر، والمتخصص في شؤون الكرة الألمانية، الذي تواصلت معه «ساسة بوست»، فإن تلك اللحظة التي اندمجت فيها أندية ألمانيا الشرقية، في منظومة الكرة الألمانية الموحدة، كانت مؤسسة وحاسمة في مستقبل التهميش، مستقبل عانت منه أندية الشرق الألماني بعد الوحدة.

يقول بصل إن موسم 1989-1990 كان هو الموسم الأخير، الذي لعبته أندية ألمانيا الشرقية دون ضغوط، فخرجت نتيجته تقليدية في سياق الدوريات السابقة، حيث فاز دينامو دريسدن باللقب، تبعه كارل ماركس شتادت «إف سي خيمنيتس حاليًا»، وماجدبورج ودينامو برلين «إف سي برلين حاليًا»، ثم كارل زايس يينا، ثم هانزا روستوك.

وفي الموسم التالي، 1990-1991، تم وضع نظام جديد، على أن يكون هذا الموسم هو الأخير لدوري ألمانيا الشرقية، كدوري درجة أولى، بحيث يتحول هذا الدوري فيما بعد إلى قسم في الدرجة الثالثة الألمانية، وظل يتراجع حتى أصبح الآن قسمًا من الدرجة الخامسة.

وعلى هذا، اعتُبر الدوري في هذا الموسم مؤهلًا إلى الدوري الألماني الممتاز، و«البوندسليجا 2»، والدرجة الثالثة، بواقع: المركزان الأول والثاني إلى الألماني الممتاز، ومن الثالث إلى السادس ينتقلون إلى «البوندسليجا 2»، ويتنافس البقية على دخول «البوندسليجا 2»، وصاحبا المركزين الأخيرين ينتقلان إلى الدرجة الثالثة.

وأضاف بصل: «لعبت كل الأندية تحت ضغوط استثنائية، وكان اللاعبون يفكرون في إيجاد أندية أخرى غربية، خاصة وأن فرص البقاء في الدرجة الأولى تقلصت إلى مركزين فقط، من بين 14 ناديًا».

كانت النتيجة في تلك الظروف، هي فوز هانزا روستوك بالدوري، لأول مرة في تاريخه، وتبعه دينامو دريسدن في المركز الثاني، أما النادي صاحب أقوى سجل في دوري ألمانيا الشرقية، وهو دينامو برلين، فقد كان نصيبه الدرجة الثالثة، وظل يتنقل بين الدرجات الدنيا، وهو حاليًا في الدرجة الرابعة.

والأمر ذاته بالنسبة لماجدبورج، بطل كأس الكؤوس الأوروبية عام 1974، والذي حصد ثلاثة دوريات شرقية سابقة، ونجح مؤخرًا فقط في الصعود إلى الدرجة الثالثة، بعد سنوات في الدرجات الأدنى.

ويستخلص بصل أن هذا الموسم كان حاسمًا، فأعاد تشكيل خريطة الكرة في ألمانيا الشرقية، تحت ضغوط استثنائية، وليس في أحوال عادية تضمن منافسة قوية.

ونظرًا للفروق الفنية والمالية بين الأندية، نجد أن بطل ألمانيا الشرقية في هذا الموسم، وهو هانزا روستوك، لم يصمد في البوندسليجا وهبط مباشرة، رغم انطلاقة مدوية، وأداء جيد في دوري الأبطال ضد برشلونة.

أما دينامو دريسدن، فقد صمد في البوندسليجا أربعة مواسم، ثم هبط ولم يرجع مرة أخرى، وهو حاليًا في الدرجة الثانية.

ويستكمل بصل قائلًا: «خلال الـ20 عامًا التالية، نجد أن التمثيل الشرقي في البوندسليجا، كان حكرًا على ناديي هانزا روستوك، القابع حاليًا في الدرجة الثالثة، وإينرجي كوتبوس، الهابط هذا الموسم للدرجة الرابعة، بل إنه في المواسم الستة الأخيرة، لم يكن شرق ألمانيا ممثلًا على الإطلاق، في دوري الدرجة الأولى، رغم التواجد الأكبر في »البوندسليجا 2».

على الصعيد الاقتصادي

بعد مرور أكثر من ربع قرن على الوحدة، لا زالت ميزانيات أندية الشرق، لا تقارن مع الميزانيات الضخمة لأندية الغرب، وبات واضحًا بالنسبة لخبراء كرة القدم في ألمانيا، أنه بخلاف الأحلام الكبيرة وقت الوحدة، بتحسن حالة كرة القدم في ألمانيا الشرقية بعد الاندماج، فإن العكس في الواقع هو الذي حدث.

وبحسب اللاعب السابق لنادي هانزا روستك، ماركو ريهايمر، فإن «أندية الشرق في ألمانيا تعاني من التهميش والاحتقار».

صورة من مباراة ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية عام 1974 «مصدر الصورة: سكاي نيوز عربية»

يذهب محمد بصل، في حديثه مع «ساسة بوست»، إلى رؤيته للأزمة الاقتصادية لأندية الشرق، موضحًا أن تلك الأندية، قد عانت على مدار 25 عامًا، من تبعات «الحقبة الاشتراكية» كما وصفها، التي حكمت ألمانيا الشرقية. ويرى بصل أن تلك التبعات قد تمثلت في محدودية الموارد المالية، وضعف الاستثمارات، حيث لم تستطع مواكبة التطور الاقتصادي الكبير، الذي طرأ على أندية ألمانيا الغربية، والمستفيدة أيضًا من تدفقات مالية غزيرة، واستثمارات مطردة، منذ السبعينيات وحتى الآن.

فأندية شرق ألمانيا، بحسب بصل، تتضرر بشدة من آثار الماضي، وأبرزها تحكم سلطة ألمانيا الشرقية في الرياضة ككل، وبصفة خاصة كرة القدم، ودعم أجهزة السلطة لأندية بعينها، ماليًا ومعنويًا، وعندما زالت هذه الأجهزة من الوجود، مع انهيار ألمانيا الشرقية، وقبل ذلك انهيار الاتحاد السوفيتي، أصبحت هذه الأندية شبه عارية من الدعم المالي، واقتصرت مواردها المالية على اشتراكات أعضاء جمعياتها العمومية.

ويضيف بصل أن هذه الأندية قد عانت أيضًا من غياب المستثمرين الكبار، عن مناطق شرق ألمانيا، لفترة طويلة من الزمن، حيث لم تظهر شركات كبرى، يمكنها التكفل بمصاريف أندية بكاملها، ومرجع ذلك أيضًا، وفقًا لبصل، هو إمساك سلطة ألمانيا الشرقية بتلابيب الاقتصاد الوطني، وعدم سماحها بحرية الاستثمارات والمنافسة السوقية، إلا في آخر سنواتها فقط، مما أوجد فراغًا في الحياة الاقتصادية، بعد انهيار السلطة.

ويؤكد بصل أن هناك نمطًا تشاركيًّا، بين الأندية والشركات الكبرى، في ألمانيا الغربية، ظهر في سبعينيات القرن الماضي، واستمر حتى الآن، بأن تساهم الشركة في تسيير النادي، وتمتلك نسبة معتبرة من الأسهم فيه، أو تفرض سيطرتها بالكامل على النادي، أو تحتفظ بحق إدارته.

والأمثلة الأوضح على ذلك هي مساهمة أديداس في بايرن ميونخ، ومساهمة مرسيدس في شتوتجارت، وإدارة شركة باير للأدوية لنادي باير ليفركوزن، ونادي باير أوردينجن، منذ عقود.

وحين يضع بصل يده على طبيعة النمط التشاركي، في إدارة أندية ألمانيا الغربية، يجد أن هذا النمط المميز، في الإدارة الرياضية، لم يتحقق في ألمانيا الشرقية، بسبب ضعف الاستثمارات، وضيق السوق، وسوء حالة الأندية من حيث البنية التحتية والمنشآت، وانخفاض المستوى الاقتصادي لمواطني شرق ألمانيا عمومًا بالنسبة لغربها، وانتشار البطالة.

لكن يعود بصل ويؤكد لنا أنه: «لا يمكن القول بكون الأندية الشرقية بالجملة، كانت أضعف من الغربية، لأن الأندية الشرقية كانت متواجدة أوروبيًا، بشكل قوي قبل الوحدة، ممثلة في دينامو دريسدن وكارل زايس يينا وماجدبورج، لكن الظرف السياسي والاقتصادي الذي تغير فجأة، واختفاء الأجهزة السياسية والاقتصادية الرسمية، الداعمة لهذه الأندية، أدى إلى الانهيار».

ويشير بصل هنا، في إطار رؤيته لجذور مشاكل أندية شرق ألمانيا، إلى أن أجهزة السلطة الحاكمة في ألمانيا الشرقية، لم تكن تكتفي بدعم أندية بعينها، بوصفها أندية النظام، أو أن هذا نادي البوليس، وهذا نادي الأمن القومي، وهذا نادي الاستخبارات، بل كانت الأجهزة تفرض كلمتها أحيانًا على اللاعبين، فترفض الصفقات والانتقالات. مشيرًا إلى أن هذا كاشف للحد الذي وصل إليه التحكم المركزي في الكرة، قبل سقوط الجدار.

هل تتحمل الجماهير الشرقية مسؤولية التهميش أيضًا؟

بحسب ما قاله لنا محمد بصل في هذا الصدد، فإن «محاولات الاستغلال الاستثماري، لمنشآت أندية ألمانيا الشرقية، قوبلت دائمًا بمعارضات جماهيرية، وبرزت هنا معضلة «المال أم التقاليد؟»، فلم تكن الجماهير ترضى بسهولة بتنازلات إدارات الأندية للمستثمرين، على أمل زيادة العوائد المالية».

ويضرب هنا بصل المثل، باعتراضات جماهير العديد من الأندية، وعلى رأسها هانزا روستوك ودينامو دريسدن، على تغيير أسماء ملاعبها الأصلية، بأسماء شركات كبرى، وفي رأي بصل، فرغم أن الإدارات كانت تنفذ اتفاقاتها مع الشركات، إلاّ أن الحالة العامة المعارضة لتدخل هذه الشركات، كانت تقف عائقًا أمام المزيد من الاستثمارات.

يؤكد بصل في هذا الصدد، أن «جماهير ألمانيا الشرقية عاطفية تجاه أنديتها، وتشعر بالظلم الرياضي، نتيجة دخول أنديتها تحت أندية ألمانيا الغربية، لدى توحيد الدوري في البلدين، عام 1991، وهذا الإحساس التاريخي بالظلم ينعكس أيضًا على سلوكياتهم، سواء في المدرجات أو خارجها».

ويضيف بصل، مستشهدًا بتفضيل إحدى الشركات الكبرى لإنشاء نادي غير جماهيري، بشرق ألمانيا، بدلًا من الاستحواذ على نادي جماهيري شرقي: «أعتقد أن هذه الصعوبات كانت دافعًا لشركة ريد بول العملاقة للمشروبات، لإنشاء نادي جديد هو «إر بي لايبتسش: لايبزج»، عام 2009، في مدينة لايبتسش، بدلًا من عقد صفقة استحواذ، أو إدارة نادي قائم في شرق ألمانيا، سواء في لايبتسش أو غيرها من المدن».

واستطاعت ريد بول، بحسب بصل، عبر مشروعها البعيد عن الأندية الجماهيرية واعتباراتها المعقدة، أن تنجح وتصعد بالنادي إلى البوندسليجا، بعد سبع سنوات فقط من إنشائه، لينافس الموسم القادم كبار ألمانيا في الدوري الممتاز، ويصبح الممثل الوحيد لولايات شرق ألمانيا كلها في هذا الدوري.

وفي النهاية يرى بصل، المتخصص في شؤون الكرة الألمانية والمتابع لها عن كثب، أنه بعد أكثر من 25 عامًا على اندماج أندية الألمانيتين، «يظهر بوضوح أن ظلمًا بينًا وقع على أندية ألمانيا الشرقية، مما أدى إلى تراكم العقبات أمام صعودها مرة أخرى لمنصة البطولات».

المصادر

عرض التعليقات
s