وسط جمعٍ غفيرٍ من أنصاره، وفي مكانٍ مفتوح، يرتدي مصالي الحاج عباءته البيضاء، وطاقيته الحمراء، وينزل لتحية الجموع التي أتت من شتى بقاع الجزائر، يسكت مصالي لبرهة مستمعًا لهتافات الجماهير، التي تحييه وتحيي حزبه، نجم شمال أفريقيا، وفي لحظةٍ يمسك مصالي الحاج حفنة من التراب وينطلق في خطابه الحماسي المعتاد بكلمة «هذه الأرض ليست للبيع». 

كانت تلك الجملة حسب العديد من المؤرخين والثوريين الجزائريين حاسمةً في تاريخ الجزائر، وكفاحها ضد المستعمر الفرنسي؛ بوصفها الكلمة التي حررت الشعب الجزائري من الخوف من الاستعمار، وفتحت المجال أكثر أمام الكفاح السياسي للحركة الوطنية الجزائرية، بقيادة مصالي الحاج؛ من أجل إسقاط حلم الجزائر الفرنسية.

لم تثن 27 سنة قضاها المناضل مصالي الحاج بين جدران زنازين سجون المحتل الفرنسي، ولا  قرارات الاحتلال بحلِّ أحزابه المؤسسة منذ سنة 1926، من عزيمة مصالي الحاج لتحقيق هدف استقلال الجزائر، غير أنّ اندلاع الثورة الجزائرية بقيادة شبّانٍ كانوا في الأصل تلاميذ عند مصالي في الحركة الوطنية، دون استشارته، أو إبراز دوره القيادي داخلها، بصفته الأب الروحي للحركة الوطنية، دفع مصالي الحاج وأنصاره للتحفظ على الثورة التحريرية في البداية، والسقوط في فخّ الصراع معها.

وهو الموقف الذي بقي، حسب عمر نجار في كتابه «مصالي الحاج الزعيم المفترى عليه»، محفوظًا لمصالي الحاج في التاريخ الجزائري، رغم مواقفه السابقة ضد المستعمر الفرنسي، وظلّ معاقبًا عليه هو وأتباعه حتى بعد الاستقلال، في هذا التقرير نسلط الضوء على تاريخ أبي الحركة الوطنية في الجزائر، مصالي الحاج.

من بينهم الأمير عبد القادر.. أبرز الثوريين الذين تعرضوا للتشويه في الجزائر

مصالي الحاج.. «المناضل» الذي حمل القضية الجزائرية منذ صغره

استنادًا إلى أرشيف الحالة المدنية الفرنسية؛ يذكر مصالي الحاج في مذكراته أنّه ولد ليلة 16 مايو (أيار) عام 1898؛ في حي رحيبة بوهران لعائلةٍ كرغلية، تنحدر من زواج عقد بين الأتراك وعرب الأندلس، فقد كان والده أحمد مصلي من أصلٍ تركي، وأمّا أمّه فطيمة صاري، فتعود أصولها إلى عرب الأندلس الذين استقروا في تلمسان أواخر القرن السادس عشر؛ فرارًا من بطش المسيحيين الإسبان، وأصل اللقب العائلي في الحقيقة كان «مصلي»، نسبةً إلى سكان مدينة الموصل العراقية، غير أنّ الإدارة المدنية الفرنسية حولته إلى «مصالي».

نشأ مصالي الحاج في بيئة حضرية، ومدينة تاريخية، تقاطعت فيها بصمات الحضارات النوميدية، والرومانية، والعربية، والأندلسية، وأخيرًا العثمانية، وكعادة أقرانه انخرط مصالي الحاج صغيرًا في دواوين الكتاب، حيث تلقى تعليمه في كتّاب زاوية سيدي بومدين الغوث، التي كان والده أحمد القائم على إدارتها، ليُلقّن على يد شيوخها منهج الطريقة الدرقاوية المنتشرة في المنطق.

ولمّا صار في عمر السابعة، اختلف والداه على المدرسة الابتدائية التي يزاول فيها دراسته، بعد أن فضّل أبوه أن يدخل المدرسة الفرنسية، بينما آثرت أمّه تعليمه في المدارس العربية، ليكون القرار بأن يزاول مصالي الحاج تعليمه الابتدائي في المدارس المختلطة بين الفرنسيين والجزائريين، ولمواجهة الحياة الصعبة التي كانت تواجه معظم العائلات الجزائرية، كان على مصالي الحاج أن يدخل عالم الشغل باكرًا؛ ففي السنة التاسعة اشتغل مصالي حلاقًا، ثمّ إسكافيًّا؛ ليوفر أعباء المدرسة، قبل أن ينفصل عن أهله أول مرة، وكان في السنة العاشرة، ليعمل في مصنعٍ للتبغ مدة سنةٍ كاملة. 

طوال فترة طفولته، يروي مصالي الحاج في مذكراته أنّه كان يسمع عن الاحتلال الفرنسي لبلاده على استحياء، رغم مصادفته الجنود الفرنسيين في طريق لعبه ودراسته مع أبناء المستوطنين، وحكايات والده عن مصادرة السلطات الفرنسية أراضي العائلة، غير أنّ وعيه للاحتلال الفرنسي وضرورة مكافحته بدأت تتجلى حين شارك في أوّل مظاهرة ضد التجنيد الإجباري، وكان يبلغ من العمر حينها 13 سنة فقط. 

ومع بلوغه سنّ 18 سنة؛ كان مصالي الحاج على موعدٍ مع اكتشاف فرنسا، وذلك بعد تجنيده الإجباري في صفوف الجيش الفرنسي كغالبية أبناء جلدته، ليغادر مسقط رأسه إلى مدينة وهران، ثم ينتقل بعدها إلى ثكنة بوردو بفرنسا، كانت الخدمة العسكرية الإجبارية التي فرضتها فرنسا على سكان مستعمراتها بمثابة الفرصة التي التقى فيها مصالي الحاج برفاقٍ له من المغرب وتونس وبعض الأفارقة، وفرصةً أيضًا لاستكشاف العالم وأحداثه، التي غيّبتها السلطات الفرنسية عن الجزائريين بعزلهم عن العالم. 

وبحكم تزامن فترة تجنيده مع نهاية الحرب العالمية الأولى، فقد كانت أخبار تركيا الشغل الشاغل لمصالي الحاج، رغم مشاركته في حرب ضدّها، فقد كان معارضًا لقتالها، إذ أوقفته الشرطة الفرنسية أول مرة بعد هتافه «يحيا مصطفى كمال باشا» أمام الضباط الفرنسيين، تضامنًا مع الشعب التركي.

مصالي الحاج في فرنسا

مصالي الحاج في فرنسا

كانت سنة 1922 بمثابة نقطة الانعطاف في مسيرة مصالي الحاج النضالية؛ وذلك بعد التقائه بحفيد الأمير خالد حفيد الأمير عبد القادر الجزائري، مؤسس «الدولة الجزائرية الحديثة»؛ إذ أطلعه الأمير خالد على آفاق الحركة الإصلاحية، واستمع مصالي الحاج أول مرة إلى خطاب استقلالي وطني، يستند الخطاب إلى «وثيقة ولسون»، في حق الشعوب في تقرير المصير، حين خطب الأمير خالد وسط الجزائريين في تلمسان من أجل الدفع بتقرير المصير. 

تحمّس مصالي الحاج بعد خطاب الأمير خالد؛ للعمل أكثر على النضال من أجل تحقيق حياةٍ أفضل للجزائريين، فقرّر السفر إلى فرنسا سنة 1923 للعمل بمصنعٍ للنسيج، غير أنّه استغل تلك الفرصة للاحتكاك بالجالية الجزائرية والعمل السياسي والنقابي. كما تأثر خلال تلك الزيارة بالدعاية التي يبذلها الحزب الشيوعي الفرنسي والنقابات العمالية، ودفاعهم عن وضعية عمال شمال أفريقيا.

كيف رسم مصالي الحاج خريطة النضال السياسي في الجزائر؟

يُجمع المؤرخون على أنّ التأثير الكبير للحرب العالمية الأولى في المستعمرات الفرنسية؛ فقد كانت الحرب فرصةً للجزائريين لمعرفة قوة فرنسا من جهة، واطلاع العالم على قضيتهم من جهة أخرى، ولأنّ اللبنة الأولى من المسار السياسي والنضالي لمصالي الحاج قد تكونت خلال مشاركته في الحرب، فقد كان لزامًا عليه أن يحوّل أفكاره التي حملها من فرنسا باحتكاكه مع النقابات العمالية الفرنسية إلى حزبٍ يشق بها طريق النضال ضد فرنسا؛ إذ يشير الكاتب والباحث السوسيولوجي، محمد طيبي إلى حياة مصالي بعد الحرب العالمية الأولى، فيقول «تشكل مصالي الحاج في رحم مرجعية أخرى، وهي المرجعية الماركسية النقابية، وقد أخرج من خلالها المجهودات المطلبية، ومحاولة إقامة معابر مع اليسار الفرنسي والجزائري، وكان قريبًا جدًّا من الحزب الشيوعي الفرنسي».

ولأنّ أصعب شيءٍ في الحياة هي البدايات، كما كان يردّد مصالي الحاج دائمًا، فقد جاءت أولى خطوات المناضل الجزائري مصالي الحاج، برفقة أصدقائه في تأسيس أوّل حزبٍ سياسي في تاريخ الجزائر، متثاقلة، فيذكر مصالي الحاج في مذكراته، أنّ فكرة إنشاء حزب «نجم شمال أفريقيا» امتدت سنوات عديدة وتضحيات جمّة، قبل أن ترى النور في مارس (آذار) سنة 1926، كما أنّ الحزب استمر في عقد جلساته واجتماعاته منتقلًا بين المقاهي، وتحت وصايةٍ من «الحزب الشيوعي الفرنسي» الذي انفصل عنه بعد سنتين من التأسيس. 

مصالي الحاج

مصالي الحاج

وخلال مؤتمر الشعوب المناهضة للاستعمار، الذي انعقد في بروكسل سنة 1927، عرّف مصالي الحاج بصفته رئيسًا لـ«حزب نجم شمال  أفريقيا» بقضية الجزائر والمغرب العربي عمومًا، وطالب باستقلالها عن فرنسا، وبذلك يكون مصالي الحاج قد فتح صدامًا مباشرًا بين نجم شمال أفريقيا والسلطات الاستعمارية الفرنسية، التي سمعت خطابًا جديدًا وثوريًّا لم تسمعه منذ عقود.

شعرت فرنسا بالخطر من تصاعد أنشطة «حزب نجم شمال أفريقيا» الذي زاد من دائرة استهدافه النخبة المغاربية، وبات يشكل تضييقًا على الإدارة الفرنسية، فسلطت الشرطة الفرنسية شتى أنواع التعذيب والاعتقال في حقّ أعضائه وقادته، ولم يسلم مصالي الحاج من بطش السلطات الفرنسية؛ إذ تعرّض للاعتقال يوم الفاتح من نوفمبر (تشرين الثاني) 1934، وصدر بحقه حكم بالسجن ستة أشهر، بعدها صدرت عدة أحكام في حقه، وفرّ إلى سويسرا، وخلال فترة سجنه، حلت السلطات الفرنسية حزبه.

لم يذعن مصالي الحاج ورفاقه إلى قرار السلطات الفرنسية بحلّ «نجم شمال أفريقيا»، ليؤسس حزبًا جديدًا على أنقاض النجم بتسميةٍ جديدةٍ هي «حزب الشعب»؛ وكان ذلك في 11 مارس 1937، وبعد أيام من التأسيس، يذكر المؤرخ الجزائري عمر نجار في كتابه «مصالي الحاج الزعيم المفترى عليه» أنّ مصالي الحاج أراد استغلال احتفالات بمناسبة العيد الوطني الفرنسي المصادف يوم 17 أغسطس (آب) عام 1937، لإبراز مطالب الشعب الجزائري في الاستقلال عن فرنسا، فطلب مصالي من زوجته الفرنسية الأصل، صنع علم جزائري يحمل الهلال رمزًا للإسلام، والنجمة رمزًا للأركان الخمسة، ويلون بالأخضر للدين، والأبيض للإسلام، والأحمر لدم الشهداء.

كما رفع المتظاهرون هذا العلم عاليًا أثناء تلك الاحتفالات، رافعين شعار «يحيا حزب الشعب الجزائري»، و«تحيا الحرية»، و«يحيا الإسلام»، وينشدون سويًّا نشيد «فداء الجزائر»، الذي وضعه شاعر الثورة الجزائرية مفدى زكريا، نشيدًا لـ«حزب الشعب»؛ فتحولت الاحتفالات إلى صدامات عنيفة بين مناضلي «حزب الشعب الجزائري» بزعامة مصالي الحاج، والشرطة الفرنسية، لتعتقل السلطات الفرنسية مصالي، وتصادر أملاكه عدة مرات؛ بسبب نشاطه السياسي المعارض لفكرة إدماج الجزائر مع فرنسا.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 1946، ترأس مصالي الحاج حركة «انتصار الحريات الديمقراطية»، واتخذ في مؤتمرها الأول المنعقد في 15 فبراير (شباط) 1947 قرار الإبقاء على «حزب الشعب» سرًّا، وإنشاء منظمة شبه عسكرية مهمتها التحضير للثورة المسلحة، كما أنّها كانت مدرسة لتكوين جلّ إطارات الثورة الجزائرية.

مؤتمر الصومام.. الاجتماع الذي غيّر مجرى الثورة التحريرية في الجزائر

 هل كان مصالي الحاج معارضًا لقيام الثورة الجزائرية؟

مع اندلاع الثورة التحريرية الجزائرية في الساعة الصفر من يوم الفاتح نوفمبر سنة 1954، التحق الكثير من الشباب الجزائري بصفوف الثورة اعتقادًا منهم أن قائدها هو المناضل مصالي الحاج، كما شددت السلطات الفرنسية حصارها وزاد تضييقها على تحركاته ورفاقه، معتقدين أيضًا أنّ الرجل الذي كان على مشارف الستين من عمره حينها، يقف وراء تفجير هذه  الثورة، غير أنّ الكثير من الجزائريين، ومن ورائهم فرنسا، احتاجوا لعدّة أشهرٍ ليعلموا أنّ الثورة الجزائرية قامت دون مصالي الحاج. 

ولا يختلف اثنان على أنّ مصالي الحاج كان معلّم الشباب الجزائري الذي فجّر الثورة وملهمهم، إذ بفضله، اكتسبوا الوعي السياسي، ليصبحوا القادة المخططين لإحدى أعظم الثورات في التاريخ الحديث، وإن كان الخلاف قد اندلع بين قادة الثورة ومصالي الحاج بعدما نشبت انقسامات بين «المصاليين» و«المركزيين»، وهكذا ظهرت لجنتان متنازعتان للتخطيط للثورة، لكن اللجنة المنشقة عن رحم اللجنتين، والمتمثلة في «اللجنة الثورية للوحدة والعمل» فاجأت مصالي الحاج بإعلان قيام الثورة.

 

وعلى الرغم من عزل مصالي الحاج عن «شرف» قيادة الثورة الجزائرية، فإنّه حسب إبراهيم لونيسي في كتابه «مصالي الحاج في مواجهة جبهة التحرير الوطني خلال الثورة التحريرية» لم يقف سدًّا في طريقها، رغم ما يحاول خصومه الترويج له؛ وبعد ثلاثة أيامٍ فقط على اندلاعها، أصدر مصالي الحاج بيانًا بارك فيه قيام الكفاح المسلح، وطلب من أتباعه الالتفاف حول الثورة، كما يشير المؤرخ رابح بلعيد إلى أنّ الثورة الجزائرية استمرت في حشد مقاتليها باسم مصالي الحاج حتى السنة الأولى لقيامها.

وفي هذا الصدد تقول ابنته جنينة مصالي في كتابها «حياة متقاسمة مع أبي مصالي الحاج»، إن مصطفى بن بولعيد كان يجند الثوار في الأوراس باسم أبيها، كما أكد المؤرخ الجزائري محمد حربي في محاضرة ألقاها خلال الملتقى الدولي حول مصالي الحاج عام 2011، أن مصالي أرسل إلى كريم بلقاسم مسؤول حركة «انتصار الحريات الديمقراطية» بمنطقة القبائل مليون فرنك فرنسي؛ من أجل دعم الثورة.

مصالي يخطب وسط أنصاره في حزب الشعب

مصالي يخطب وسط أنصاره في حزب الشعب

ولعلّ النقطة السوداء التي – حسب الكثير من المراقبين- أثرت في مسار مصالي الحاج النضالي، تمثلت في إعلانه تأسيس «جيش الشعب الجزائري» تحت مظلة الحزب الجديد الذي أسسه «الحركة الوطنية الجزائرية»، وهو الجيش الذي دخل في صراعٍ مع «جيش التحرير الوطني»، خصوصًا بعد تولي بلونيس قيادة جيش مصالي، إذ تحوّل جيش بلونيس، الذي كان يعمل تحت غطاء مصالي الحاج، إلى أداة لإضعاف الثورة الجزائرية؛ وذلك بارتكابه عدة مجازر في حق الثوار الجزائريين، وقد كان المؤرخ محمد حربي على حق، عندما أطلق على هذا الصراع «حرب داخل حرب»؛ أي بمعنى حرب أهلية جزائرية داخل الثورة. 

لماذا أبعد مصالي الحاج عن قيادة الثورة التحريرية؟

في حوارٍ لصحيفة «الشروق الجزائرية» مع أحد مفجري الثورة الجزائرية، أجاب أحمد مهساس عن سبب إبعاد مصالي الحاج عن قيادة الثورة بالقول: «لأننا كنا متأكدين أن الثورة لا يمكنها أن تنجح بالزعامة؛ لأننا رأينا أن مصالي الذي كان زعيمنا والذي أحببناه ودافعنا عنه، ولما أوجدنا آلية لتنفيذ الثورة، ووصلت إلى مرحلة النضوج، لم يتمكن من الحفاظ عليها من أجل تفجير الثورة، فكيف لا يستطيع هذا زعيم أن يتنازل عن بعض حقوقه، قلنا له أنت زعيم الجزائر كلها، فلا يجب أن تتدخل في هذه التفاصيل، وبفضل التضحيات تمكنا من بناء أكبر حزب في شمال أفريقيا، لكن مصالي ضيع كل تضحياتنا، تأكدنا أن هذا الزعيم لا يصلح لقيادة الثورة، ومنها رفضنا مبدأ الزعامة، ووضعنا فكرة القيادة الجماعية».

مصالي الحاج في بيل إيل أون مير 1959

مصالي الحاج في بيل إيل أون مير 1959

وقد ظلّت شخصية مصالي الحاج المحبّة للزعامة والمعظّمة للأنا، السبب الذي ربط به معظم المؤرخين وصانعي الحدث في الجزائر، غياب مصالي الحاج عن دور الزعيم والقائد للثورة التحريرية الجزائرية، غير أنّ حقائق وشهاداتٍ أخرى بدأت في الخروج تدريجيًّا عن الأسباب وراء تهميش مصالي الحاج ووسمه بالخيانة، إذ يشير الشيخ عقوني إحدى الشخصيات التي لازمت مصالي الحاج حتى وفاته، إلى دور الرئيس المصري جمال عبد الناصر في تنحية مصالي الحاج عن واجهة الثورية في الجزائر وتصفيته، إذ يقول عقوني إن «عبد الناصر فوجئ بمصالي الذي نزل عليه ضيفًا، وهو يقول له إن عقل الثورة يجب أن يكون جزائريًّا، عقلها وقلبها ونبضها، تلك الجرأة في «جزأرة» الثورة الجزائرية التي كانت قيد الكفاح، أدت بمخابرات عبد الناصر إلى إخراج مصالي من اللعبة؛ كون عبد الناصر كان يريد أن يظل الزعيم العربي الأول، ولا أحد سواه؛ فهو الثورة، ومصر هي أم الدنيا وأم الثورة».

وفي زيارة المناضل أحمد بن بلّة إلى مصر بصفته سفيرًا للثورة بها، أوضح بن بلة لعبد الناصر أن مصالي الحاج أبٌ للحركة الوطنية، لكنه يريد أن تكون الثورة باسمه، وقيادة الثورة قررت أن تكون الثورة باسم الشعب الجزائري، و«جبهة التحرير الوطني» التي ضمت سائر الأحزاب الجزائرية ممثلة للثورة، وقررت عزل مصالي وسائر أعوانه.

دفن ليلًا.. ولم يسمح بتغطية جثمانه بالعلم الجزائري

في الوقت الذي كانت فيه «جبهة التحرير الوطني» تفاوض فرنسا على الاستقلال؛ في ما عرف تاريخيًا بمفاوضات إيفيان، تقدّم مصالي الحاج في 4 مارس 1962 بأوراق اعتماد آخر حزبٍ في مسيرته النضالية، بعد أن أسّس «حزب الشعب الجزائري»، وأبدى استعداده لمواصلة العمل لبناء دولة حديثة على أسس ديمقراطية.

بعد استقلال الجزائر، استأثرت «جبهة التحرير الوطني» بحكم البلاد، مصدرةً قانونًا يحظر تأسيس الأحزاب، ويحلّ جميع الأحزاب التي كانت فترة الاحتلال، فكان مصالي الحاج وحزبه أول الضحايا، بعد أن تقرر إخضاع مصالي للإقامة الجبرية، غير أنه اختار العيش منفيًّا في فرنسا، إلى أن وافته المنية يوم 3 يونيو (حزيران) 1973.

 

وتنفيذًا لوصيته نُقل جثمانه إلى الجزائر ليُدفن في مسقط رأسه، غير أن السلطات الجزائرية أصرت على أن تكون جنازته في الليل، وسط حصارٍ أمني لمكان الدفن، وهو الأمر الذي حال دون تمكن الكثير من أنصار مصالي الحاج من الصلاة عليه، إضافةً إلى منع السلطات تغطية جثمانه بالعلم الجزائري، الذي خاطته زوجته الفرنسية المناضلة إيميلي بيسكان.

وما زال «حزب الشعب» ممنوعًا من النشاط والاعتماد في الجزائر، برغم المطالب الملحة من أنصاره لرفع الحظر عن الحزب، وكان الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة قد حاول إعادة الاعتبار لمصالي الحاج، بإطلاق اسمه على مطار مدينة تلمسان، وإقامة ملتقى وطني حول مسيرته، كما اكتسحت صور مصالي الحاج وأناشيد «حزب الشعب» الحراك الشعبي الذي انطلق في 22 فبراير الماضي.

يلقبونه بـ«المنجل».. الجنرال الجزائري الذي «حصد رؤوس» رجالات بوتفليقة

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد