بعد نحو 9 سنواتٍ من اندلاع ثورات الربيع العربي، لم تسقط كل الأنظمة، ولم تنتهِ كل الحروب، تشهد اليمن حربًا تحولت من الهجوم إلى الدفاع، بعدما قاد الحوثيون هجومًا مضادًا لاستعادة ما فقدوه عام 2015، خاصة مدينة مأرب النفطية. تكرر الأمر نفسه في ليبيا، فالجنرال الليبي المتقاعد خليفة حفتر الذي يُسيطر بقوة السلاح على أغلب التراب الليبي أصبح ينتظر حربًا تطرق أبواب سرت، قلعته الشرقية وسط ترقبٍ لنتائجها المدوية على صعيد حرب الوكالة، بينما تنتظر إدلب السورية صدامًا يحدد مصير الفائز بالكعكة في سوريا.

يشرح التقرير التالي آخر التطورات في ثلاث مدن عربية، تقع جميعها تحت القصف، وربما تتغير خريطة المنطقة العربية تبعًا لمصيرها.

سرت الليبية.. معبر «الوفاق» إلى الغرب وحصن حفتر للسيطرة على النفط

تزامن اندلاع الثورة الليبية في فبراير (شباط) عام 2011 مع عودةٍ جنرالٍ ليبي منزوع النفوذ والشرعية؛ ليصبح بعد ثلاث سنواتٍ محط أنظار الجميع، بعدما فرض اسمه سياسيًا، وحضوره عسكريًا في أغلب الأراضي الليبية مدفوعًا بدعمٍ إقليمي ودولي، علني وغير علني من عدة دول، على رأسها: روسيا، وفرنسا، ومصر، والإمارات.

عربي

منذ 4 شهور
الحل والعقدة.. لماذا يسعى الجميع للسيطرة على سرت؟

في أبريل (نيسان) من العام الماضي، أطلق الجنرال الليبي المتقاعد خليفة حفتر معركة إسقاط العاصمة الليبية طرابلس، آخر مدينة من عدة مدن متبقية تسيطر عليها حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا، لكنّ مستجدات الحرب أظهرت أنّ الرجل أخطأ في تقديراته السياسية والعسكرية، فامتدت المواجهة 14 شهرًا بدلًا عن أسبوعين، وهي المدة التي كانت مقررة لها.

عقب توقيع حكومة الوفاق اتفاقية أمنية مع تركيا في ديسمبر (كانون الأول) في العام نفسه، انقلب سير المعارك على الأرض، ومُني حفتر بهزيمة مدوية بخسارته أولًا مدن غلاف العاصمة، ثم خسر ست مدن إستراتيجية على الشريط الساحلي الممتد من العاصمة حتى الحدود مع تونس، وهي البلدات التي تشهد ثقلًا قبليًا داعمًا له، نهاية بخسارة قاعدة الوطية الإستراتيجية، ومدينة ترهونة الحصينة، مركز عملياته في الغرب الليبي.

وفق المستجدات العسكرية الأخيرة، لا يتبقى لحفتر في وسط ليبيا سوى مدينة سرت وقاعدة الجفرة الجوية الإستراتيجية، وسقوطهما يعني تلقائيًا سقوط الجنوب، وحينها ستكون المنطقة الغربية والوسطى والجنوبية في قبضة حكومة الوفاق، مما يعني أنّ النفوذ السياسي لحفتر سيصبح كما كان قبل صعوده في شهر سبتمبر (أيلول) عام 2016، وهو تاريخ استحواذه على الهلال النفطي الذي يضم 80% من النفط الليبي، وتسعى حاليًا الوفاق لاستعادته عبر معركة سرت المرتقبة، وهو ما تحاول منعه الدول الداعمة لحفتر.

بحسب ما نقلته «رويترز»، حركت حكومة الوفاق، المدعومة تركيًا، نحو 200 آلية عسكرية استعدادًا لبدء أولى معارك الشرق الليبي، والمنتظر لها أن تحسم مصير الصراع الدائر لصالح أحد الأطراف في حرب الوكالة.

وفي الوقت الذي خططت فيه روسيا لإعادة تسويق سيف الإسلام القذافي ليكون بديل حفتر في حالة تخلت عنه، لم تكن مستعدة أيضًا لخسارة سرت، بسبب رغبة موسكو في إقامة قاعدة عسكرية دائمة في الجفرة على غرار قاعدة «حميميم» في سوريا، إضافة إلى قاعدة بحرية أخرى في المدينة الساحلية تضمن لها موطئ قدم في شمال أفريقيا، والوصول عبر الجهتين – سوريا، وليبيا – إلى شرق البحر المتوسط.

Embed from Getty Images

يهدد دخول الوفاق إلى سرت أيضًا مصالح فرنسا والإمارات البحرية لصالح تركيا، وسبق لأنقرة أن طلبت رسميًا من حكومة الوفاق الحصول على إذن بالتنقيب في شرق البحر المتوسط، وسط اعتراضٍ فرنسي علني، وخوف إماراتي من خسارة موانئ شرق ليبيا. وتسيطر الإمارات حاليًا على ميناءي طبرق وبرقة، وتضع خطة السيطرة على موانئ البحر المتوسط عبر شركة موانئ دبي.

وبعيدًا عن المكاسب السياسية والاقتصادية التي تمثلها سرت لكل دولة، فدخول قوات الوفاق المدينة، التي تعتبر مفرق العبور إلى قلعة حفتر في الشرق الليبي، تتعامل معه مصر على أنه تهديد مباشر؛ إذ يمهد لدخول بنغازي التي اختارها الجنرال الليبي لتكون عاصمته ومقر عملياته العسكرية، نتيجة قربها الجغرافي من الحدود المصرية.

ومن وجهة نظرٍ عسكرية، فمحافظة حفتر على مدينة سرت وصده الهجوم المحتمل عليها يمنحه فرصةً للحفاظ على الجنوب الليبي وتأمين حقول النفط، بالإضافة إلى منحه فرصةً جديدة للعودة إلى طرابلس، أما بالنسبة للوفاق فسقوط سرت يمهد لانتزاع الجنوب الليبي، ثم المواجهة الأخيرة على حقول النفط التي منحت حفتر دعمًا دوليًا بسيطرته عليها منذ العام 2016.

مأرب اليمنية.. المحافظة النفطية وآخر معاقل «الشرعية»

بعد مرور أكثر من خمسة أعوامٍ على اندلاع حرب اليمن، فشلت السعودية، حتى الآن، في إعادة «الحكومة الشرعية اليمنية» للحكم. بعد انقلاب الحوثيين على العاصمة صنعاء في سبتمبر عام 2014.

لكنّ الحرب لم تلبث إلا وأفرزت عدة حروبٍ داخل حرب واحدة ممتدة بين ستة أطراف للصراع، هي: السعودية، والإمارات، والحوثيين، والحكومة اليمنية، وحزب الإصلاح المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين، والمجلس الانتقالي، تزامنًا مع تغيّر موازين القوى سياسيًا وعسكريًا لصالح الحوثيين في الشمال على حساب الحكومة اليمنية.

Embed from Getty Images

دخلت السعودية اليمن في مارس (أذار) عام 2015 تحت تحالفٍ دولي لخوض حرب ضد الحوثيين، لكن منذ ذلك التاريخ وحتى الآن، تسيطر الجماعة على المناطق الأهم والأكثر كثافة سكانية داخل اليمن، وأبرزها العاصمة صنعاء ومدينة الحديدة الساحلية غربًا، التي تضم ميناءين دوليين، بالإضافة لسيطرة مطلقة على محافظات عمران، وذمار، وإب، والبيضاء، والمحويت، وريمة، ومركز محافظة الحديدة وغالبية مديرياتها، وحجة، باستثناء مديريتين، وعدد من المديريات التابعة لمحافظة تعز.

خلال سنوات الحرب الممتدة، فرض الحوثيون بقوة السلاح واقعًا سياسيًا حصلوا منه على نفوذ سياسي وعسكري أكبر، وشرعية دولية ممثلة في الاعتراف بهم جزءًا من الحل النهائي، وهو التحوّل الذي غيّر الخريطة العسكرية لحرب الأعوام الخمسة، ففي مارس الماضي، بدأ الحوثيون في التحرك لاستعادة مواقع إستراتيجية مهمة خسروها عام 2016.

بدأت تحركات الحوثيين لاستعادة شمال اليمن كاملًا بالسيطرة أولًا على مديرية نهم، البوابة الشرقية لصنعاء، التي لطالما نُظر إليها بوصفها أضعف ثغرة للحوثيين، وأهم جبهة يمتلكها التحالف العربي، ثم خاض معركته الأشرس لاستعادة محافظة الجوف الحدودية مع السعودية، والتي قال عنها مستشار الرئيس اليمني ورئيس الوزراء السابق، أحمد بن دغر، إنّ سقوطها يُنهي دور التحالف كُليًّا في اليمن.

سياسة

منذ 8 شهور
5 دروس يجب أن تتعلمها السعودية من حرب اليمن

تكتسب الجوف أهمية كبرى تبعًا لموقعها الفريد من جميع النواحي، فمن وجهة نظرٍ عسكرية، تعزز السيطرة عليها فرص الحوثيين في تأمين معاقلها القديمة، بينما يجعل سقوطها السعودية، التي تشترك معها في أكثر من 266 كليومترًا من حدودها الجنوبية، عُرضة للاستهداف والقصف بشكل أكبر، بينما يتمثل البُعد الاقتصادي في المحافظة النفطية التي تطفو صحاريها على كمياتٍ ضخمةٍ من النفط والغاز، هو ما يحتاجه الحوثيون لتمكينهم من دفع فاتورة الحرب والاستمرار فيها.

الأخطر في سقوط الجوف، هو أنها تفتح الباب لآخر معركةٍ في الشمال اليمني ممثلة في مدينة مأرب النفطية، والتي تعد المقر الرئيس للحكومة، حيث تقع وزارة الدفاع والكليات الحربية، وتتمركز فيها أكبر الألوية العسكرية منذ اندلاع الحرب، بالإضافة لكونها معقل «حزب الإصلاح» اليمني المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين، وهو ما يعني أنّ سقوطها يكتب بامتياز الفصل الأخير في القصة.

في حال سقطت مأرب في يد الحوثيين، تكون الحكومة اليمنية فقدت شرعيتها الفعلية، كون المحافظات الشمالية باتت نهائيًا في قبضة الجماعة، في الوقت الذي يسعى فيه المجلس الانتقالي الانفصالي، المدعوم إماراتيًا، إلى انتزاع المحافظات الجنوبية وفق خطة معلنة، تستهدف في الأيام القادمة محافظة حضرموت بعد السيطرة على سقطرى وعدن، ليبدأ السيناريو ذاته الذي خاضته جماعة الحوثي في الشمال، والذي قد يصل إلى تقسيم اليمن إلى شمالي وجنوبي، إذا ما انتهت الحرب وفقًا للمتغيرات الحالية.

إدلب السورية.. صراع البقاء في سوريا بين تركيا وروسيا

كانت محافظة إدلب السورية من أولى المحافظات التي التحقت بركب الثورة المندلعة في مارس 2011، التي تحولت لاحقًا إلى نزاع مُسلح. بعدما فقد الجيش النظامي سيطرته على المدينة، أصبحت إدلب مقر الفصائل الإسلامية، وآخر مدن المعارضة السورية المسلحة.

تتمتع المدينة الخضراء بأهمية إستراتيجية كبيرة نظرًا لموقعها الجغرافي؛ فهي من جهة محاذية لتركيا الداعمة للمعارضة، ومن جهةٍ أخرى، تجاور محافظة اللاذقية، معقل الطائفة العلوية التي ينتمي إليها رئيس النظام السوري بشار الأسد.

Embed from Getty Images

خلال سبع سنوات من الحرب، سيطر نظام الأسد، المدعوم من روسيا وإيران، على معظم الأراضي التي فقدها، لكن قوة المعارضة انحسرت في إدلب، وخاضت فيما بينها معارك الاقتتال الداخلي في عام 2017، لكنّ «هيئة تحرير الشام» – جبهة النصرة سابقًا – التي تضم عشرات الكتائب المُسلحة أحكمت سيطرتها على المحافظة التي تضم أكثر من 2.3 مليون لاجئ، وهي نقطة قوة يعوّل عليها المسلحون لكبح جماح الأسد قبل خوض حربه.

تدخلت تركيا منذ البداية لمنع تقدم النظام السوري وروسيا في إدلب، تخوفًا من حدوث عمليات نزوح لملايين اللاجئين صوب حدودها الجنوبية، بعد أن أصبحت غير قادرة على استقبال المزيد منهم، نظرًا إلى استضافتها نحو 3.6 مليون لاجئ سوري حاليًا.

بعيدًا عن أزمة اللاجئين، فإنّ سقوط إدلب نفسها يُعني انتهاء الدور التركي في سوريا وفقدانها مناطق نفوذها، لذا تتواجد النقاط الأمنية التركية بكثافة في المدينة منعًا لأي هجومٍ سوري يستهدفها.

بحسب ما صرحه مصدر عسكري في المعارضة السورية لوكالة «رويترز» فإن القوات التركية في إدلب يبلغ تعدادها نحو 15 ألف جنديًا، وهو ما يجعل ميزان القوى العسكرية لصالحها في أية معارك قادمة، إلى جانب أن أنقرة نفسها تدعم ما يسمى بـ«الجيش الوطني السوري» الذي يزيد عناصره على 60 ألفا، وهي نقطة الضعف التي يفشل النظام السوري في تجاوزها.

عربي

منذ 6 شهور
من الحاكم الفعلي لإدلب الآن.. «هيئة تحرير الشام» أم تركيا؟

وفي مارس الماضي وقعت تركيا مع روسيا اتفاق وقف إطلاق النار في إدلب، وهما الطرفان اللذان تفرقهما المصالح المتعارضة في سوريا، فموسكو قدمت الدعم العسكري لتمكين النظام من استعادة السيطرة على أغلب المناطق السورية ضمن إستراتيجية تهدف إلى إعادة روسيا قوة في منطقة الشرق الأوسط، وهي نفس الخطة التي تتقاطع مع الإستراتيجية التي ينتهجها أردوغان منذ سنوات لتوسيع دور أنقرة الإقليمي في الشرق الأوسط، سواء كان سياسيًا، أو دبلوماسيًا، أو اقتصاديًا، أو عسكريًا، ولم تكن إدلب فقط هي ساحة المواجهة بين الرجلين، فامتدت المواجهات لاحقًا إلى ليبيا.

يرى سعيد الحاج، الكاتب والباحث في الشأن التركي، أنّ ما يحدث بين أنقرة وموسكو في ليبيا يجد صدىً واسعًا في سوريا، وأن هناك احتمالًا بأن ترد روسيا على تطورات المشهد الليبي في إدلب، لتضغط على تركيا للتوصل لتفاهمات جديدة، خاصة بعدما قررت أنقرة تأسيس قاعدتين عسكريتين في ليبيا.

وبالرغم من أنّ طرفي الصراع ما زالا يُديران التفاوض للوصول إلى تفاهمات جيدة، حتى في ظل التصعيد، إلا أنّ المواجهة العسكرية في إدلب تظل قريبة، ولو بدافع الضغط الروسي على تركيا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد