2,189

ذهبت إلى الفراش بعدما غادرتِ. لم يعد هناك شيء للعيش من أجله بعد رحيلك. ذهبت معكِ أشعة الشمس. كيف سيمكنني البقاء بدونك؟ *من مارك توين إلى دورثي كويك، البالغة من العمر 11 عامًا.

مجد الأديب الأمريكي مارك توين مراهقته، وجسد عنفوان المراهقة عند الذكور في شخصياته المراهقة بأدبه، مثل «مغامرات هاكلبري فن» و«مغامرات توم سوير»، ولكن عندما جاء ليمجد المراهقة في الواقع، لم يختر المراهقين الذكور، ولكن اختار الفتيات من سن العاشرة إلى السادسة عشرة، بأجساد صبيانية لم تبلغ بعد، وتبادل معهن المغازلة والمداعبة، أديب شهير يظهر برفقة فتيات، يطوق أكتافهن وخصورهن، دون معرفة هل يتخذهن حفيدات أم عشيقات.

معلومات غريبة حقًّا، خاصة عندما تأتي من شخص يراه بعضهم «أبا الأدب الأمريكي»، لكن الرجل دافع عن ميوله تلك بإصرار، ووضع الخطط من أجلها، وجمع المال، ووضع دستورًا ينظم به حياة كل شخص يشاركه رغبته، وأشياء أخرى كثيرة سنحكيها عن مارك توين، من يطلق النكات ويحب الضحك، العاشق المولع، والصديق العطوف، والأب.

من أين يولد الشغف؟

بدأ هوس مارك توين بالفتيات الصغيرة عندما رأته جيرتود ناتكين، البالغة من العمر 15 عامًا، وهو يغادر قاعة كارنيجي بعد حفلة موسيقية لعازفة ألمانية في الليالي الأخيرة من عام 1905. لاحظ توين رغبة جيرتود في الحديث إليه، فقدم نفسه لها وصافحها، وفي اليوم التالي كتبت له رسالة شكر، وفيها: «أنا سعيدة للغاية بأنني تحدثت إليك، وأستطيع الكتابة لك، أشعر وكأننا نعرف بعضنا بعضًا من قبل لقائنا، أنا طفلة مطيعة، وأنا الفتاة الصغيرة التي تحبك».

كان مارك يرد على رسائل جيرتود لحظة وصولها إليه، وسمى نفسه «أول وآخر محتل لقلب جيرتود» وأطلق عليها «الساحرة الصغيرة»، ونادته «حبيبي»، واستمرت رسائلهم الغزلية على هذا النحو. أرسل مارك توين لجيرتود نسخة من كتابه المفضل، وكان عبارة عن كتابات لمارجوري، والتي توفيت قبل عيد ميلادها التاسع عشر في أسكتلندا عام 1811، وكتب مارك في رسالته: «لقد عشقت مارجوري لمدة 36 سنة؛ الطفلة التي سجلت ملاحظات راقية حول الكتب والتاريخ والدين، وكم كانت صادمة، وكم كانت مفاجئة، وكم كانت محبة، وكم كانت متمردة».

لترد عليه جيرتود على الفور: «هل يمكن أن أصبح صغيرتك مارجوري؟»، وبالفعل، هكذا كان يناديها مارك في رسائله، حتى اليوم الذي فوجئ فيه بأن جيرتود أتمت السادسة عشر من عمرها، في عام 1906، فقرر وقف حركة الرسائل بينهما، وبدأ مارك في البحث عن فتيات أصغر.

«المرأة كل المجتمع».. 10 كتب لنساء يروين مآسي مجتمعاتهن

الركض خلف أجساد ضئيلة

من خلال تجربته مع جيرتود، اكتشف مارك توين أنه من السهل على رجل مثله الوصول لقلوب معجبات أخريات أصغر، وبدأ بالسعي نحو ذلك، بتتبع المسافرين في العطلات إلى جزر برمودا. وكتب مارك توين في مدخل سيرته الذاتية عن طريقته في البحث عن «جواهره»، وسجل عن صباح أحد الأيام في برمودا، بينما كان يدخل غرفة الإفطار: «كان أول ما وقعت عليه عيني في هذا المكان الشاسع هو فتاة صغيرة، تجلس وحدها على طاولة لشخصين. اقتربت منها، وانحيت فوقها، ولمست خدها، وقلت بلطف ومودة: لماذا تأكلين وحدك يا عزيزتي الصغيرة؟ ثم رتبنا لقاء بعد الإفطار، وكنا رفيقين مقربين لمدة ثمانية أيام».

كانت الفتاة في الثانية عشر من عمرها، وبالفعل وقعت في حب الأديب العالمي، وأخبره صديق له، أن الفتاة أتته لتسأل عما إذا كان مارك متزوجًا، وعندما علمت بأمر وفاة زوجته قالت: «لو كنت زوجته، ما تركت جانبه للحظة، كنت سأبقى معه، وأعتني به طوال الوقت».

كان مارك مخلصًا لهدفه، فتيات صغيرات، ولم يكن الأمر سهلًا، إلا أنه بعدما حاز مارك توين درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة أوكسفورد، في عام 1907، وعلى متن السفينة التي عاد بها من بريطانيا بعد التكريم، قابل مارك دوروثي كويك، الفتاة التي تبلغ من العمر تسع سنوات، وكتب عن لقائهما صحافي كان يراقبه في رحلة عودته: «نامت في أحضانه، ورأسها يستند على كتفه»، وكتب صحافي آخر: «كان يناديها (أمي)، وقفا عند ظهر السفينة، وهو يطوق كتفي الطفلة بذراعيه، وفي لحظة عانقها عناق مغرمٍ».

انتشرت الأخبار في أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية، وبدا مغريًا جدًّا للنساء البالغات، التقرب من رجل مثل مارك توين، فبدأن بالضغط للحصول على عضوية النادي، حتى إنه في ليلة حضرت امرأة إلى منزل مارك توين لتناول العشاء، وارتدت ملابس طفلة، وشرائط وردية في شعرها وعلى خصرها، حتى بدت وكأنها في الرابعة عشر من عمرها، فمنحها مارك دبوس «السمك الملائكي»، وقال بعد ذلك أنه لن يقبل عضويات أخرى إلا إذا تقدمت بيلي بورك بالطلب، وبيلي كانت الممثلة المفضلة لتوين، ويراها مفعمة بالحياة والشباب، وبعد وقت أصبح صديقًا مقربًا لها، وكانت تزوره في منزله بمنهاتن. وكانت بيلي ترفض اتباع موضة النساء في أوائل القرن العشرين الداكنة، وفضلت ملابس مكشكشة بشرائط ملونة، ما راق لمارك كثيرًا.

كنوت هامسون.. شبيه دوستويفسكي الذي نجح في سبر أغوار النفس البشرية

تعرف إلى فتيات نادي «الأكواريوم»

بحلول عام 1908، كان مارك توين قد جمع 10 تلميذات، وأطلق عليهن « السمك الملائكي»، وهو نوع من أنواع الأسماك التي يشاع تربيتها لجمالها وغرابة شكلها، ومنحهن عضوية «نادي الأكواريوم»، والتي تعني حوض السمك، ووزع عليهن دبابيس مصممة خصيصًا من أجلهن لتثبيتها بالملابس على الصدر الأيسر، ناحية القلب، وكانت معظم الفتيات من أسر معروفة وثرية، وتجمعهن بمارك توين الدوائر الاجتماعية نفسها، ومنهن من زارته هي وأهلها في منزله بنيويورك.

و في ربيع 1908، أدرج مارك توين أسماء سمكه الملائكي في دفتره، وكتب: «دوروثي بوتس، فرانسيس نونلي، دوروثي كويك، مارغريت بلاكمير، هيلين مارتن، جان سبور، لورين ألين، هيلين ألن، دوروثي ستورجيس. الفتيات المدرجات في هذه القائمة، هن سمكي الملائكي، وأعضاء النادي الخاص بي، الأكواريوم، وإن سمكي البرمودي المزخرف باللون الأزرق الرائع، هو أجمل الأسماك، وشارة النادي هي دبوس صمم خصيصًا من أجلهن، ومصنوع في النرويج».

ساعدت إيزابيل ليون، سكرتيرة مارك توين -التي كان يناديها بـ«اللبؤة»، وتناديه بـ«الملك»- في رعاية الفتيات الصغيرات وتسهيل أمور زياراتهن المنزل، بعد أن رافقته في رحلة بحثه في برمودا عام 1908، وسجلت في دفترها: «كان لديه حوض سمك يجمع فيه السمك الملائكي، الفتيات، وجميعهن يرتدين الدبوس والوشاح. وكان يأخذه السحر بمجرد أن يرى زوجًا من السيقان الرشيقة تظهر على بعد، وإذا كانت الفتاة تضع طوقًا من الفراشات في شعرها أعرف بأن عقله قد ذهب».

من أجل عضوات النادي اشترى مارك 248 فدانًا في كونيتيكت عام 1906، حصل على مقابلها من عائدات نشره أجزاء من سيرته الذاتية في مجلة «North American Review»، وبدأ في بناء منزل ريفي كبير، من أجل حفيداته البديلات. وكتب مارك عن خططه للمنزل الجديد بينما كان يبنيه: ستكون غرفة البلياردو، غرفة لعضوات نادي «الأكواريوم»، وسأعلق صورًا جميلة لكل سمكاتي، سأصنع لها إطارات، وأعلقها بكل الجدران. وسيكون هناك غرف نوم للسمك، بأسرة مزدوجة».

بحلول صيف 1908، صاغ مارك توين، ما يشبه دستورًا ومجموعة لوائح خاصة بنادي «الأكواريوم»، منها ألا تصوت الفتيات على تعيينهن عضوات، ولا يحق لهن الاستقالة، كما أن النادي يضم عضوة واحدة من دولتها، ولا يمكن ضم عضوتين من الدولة نفسها. وأضاف مارك للقائمة كلًّا من دوروثي هارفي، ولويز باين، ومارجوري بريكنريدج.

لاحظ أحد كتاب السير، والمتابع لمارك توين، في ربيع عام 1908 وصيفه، أن نصف الرسائل التي كتبها مارك في تلك الفترة كانت من أجل سمكه الملائكي، رسالة مرسلة، ورسالة مستلمة، كل يوم، تتضمن العديد من الدعوات المرسلة للفتيات من أجل زيارته في منزله الفخم، في ولاية كونيتيكت، أقصى شمال شرق الولايات المتحدة الأمريكية، وكتب في إحدى رسائله: «لقد بنيت هذا المنزل، وعنيت أن يكون مسكنًا للراحة والسكن لعضوات نادي الأكواريوم».

فسر مارك توين تعلقه بالفتيات في سيرته الذاتية عام 1908، وكتب: «لكل شخص هواية في جمع شيء ما، أنا أجمع الحيوانات الأليفة: فتيات صغيرات، تتراوح أعمارهن بين 10 إلى 16 عامًا؛ فتيات جميلات ولطيفات وساذجات وبريئات؛ مخلوقات شابة، وعزيزة، الحياة لديهن فرح كامل، لم تأتِ بجروح ولا مرارة ولا دموع». وكتب أيضًا: «بعد وفاة زوجتي عام 1904، عشت فترة طويلة من الاضطراب والوحدة. كانت كلارا وجين مشغولتين بدراستهما وأعمالهما، وكنت أنا كمن يقف على بحر هائج، أصبحت في سن الأجداد، ولكن بلا أحفاد».

جثة في حوض الاستحمام تضع حدًّا لمارك

خلال الفترة التي تبع فيها مارك توين هوسه بالفتيات الصغيرات، رفض مارك العيش مع ابنته جين، والتي قضت وقتًا طويلًا في المصحات العقلية لمعاناتها من مرض الصرع، وعندما تعافت في صيف 1908، طلب مارك من سكرتيرته إيزابيل ليون أن ترتب لابنته جين أمور العيش في ماساتشوستس، لتبقى فيها جين فترة قصيرة، تقضي أيامها وحيدة وغير سعيدة، حتى غادرتها برفقة أصدقائها، وعندما عادت جين إلى منزل والدها، في عام 1909، من أجل أن تعيش معه في منزل سمكه الملائكي، غرقت في حوض الاستحمام، بعد أن هاجمتها نوبة صرع.

بعد وفاة جين، عادت كلارا الابنة الأخرى لمارك من جولتها الموسيقية في أوروبا، وأفزعها اهتمام والدها الجديد بجمع الفتيات الصغيرات، وعهدت على أن تضع حدًّا لزيارات الفتيات للمنزل، واعترضت كلارا على علاقات والدها بالفتيات، على الرغم من دفاعه عنها بأنها بريئة، ولاحظ كاتب السير، جون كولي، أنه بعد فترة وجيزة من عودة كلارا، توقفت رسائل السمك الملائكي إلى مارك. بالفعل نجحت كلارا، ولكن اعتبر مارك ذلك وأدًا للبراءة التي طغت روحها على المنزل، وبحلول فصل الشتاء مرض مارك، وتدهورت صحته وحالته النفسية.

إسرائيل نقلت تراثه إلى مكتبتها.. هل كان كافكا صهيونيًّا فعلاً؟

بدا أن للفتيات تأثير السحر الذي لا يزول على مارك، ففي أيامه الأخيرة، وقبل أسابيع من وفاته في ربيع عام 1910، كتب في دفتره عن هيلين آلين، الفتاة التي تبلغ من العمر 15 عامًا: «هي ساحرة، ومشرقة، وذكية، وقوية، ومزاجية، لكنها أيضًا مخيبة للآمال، فهي تفضل الروايات الرومانسية على الشعر، وتتلقى نكاتي بصمت لا مبالٍ». كانت حالة هيلين معذبة لمارك، فكانت الفتاة على علاقة بشاب، ما أشعر توين بالغيرة منه، وحذرها من فقدان براءتها في تلك العلاقة، وطلب منها الانفصال عنه، ولكن لم يمهله القدر ليمنع الفتى بنفسه.

كشف ما دونه مارك في دفاتره عن هيلين، وعن رغبته في أن يكون أكثر من جد حامٍ ومرشد، عندما سجل ندمه على شيخوخته مقابل الفتى الذي تحبه هيلين، فكتب: «في الساعة الثانية صباحًا، أشعر بأنني كهل وآثم، ولكن في الثامنة صباحًا، عندما أحلق، أشعر وكأنني شاب مستعد لاصطياد الفرائس، كما لو أنني لم أصل إلى سن الخامسة والعشرين».

«السمك الملائكي» ليس التجربة الوحيدة

لم يكن نادي «أكواريوم» أول مشروع لمارك توين لمراسلة الإناث وزيارتهن، ففي عام 1902، وقبل وفاة زوجته، شكل مارك مجموعة من عضوات، وأسماها «نادي الطاغوت»، وبعضهن لم يقابلهن أبدًا، وكانت مهمتهن، كتابة رسائل حول مواضيع قد تكون مشتركة، وقام بتزويد كل عضوة بنسخة مطبعية من الدستور والقوانين الخاصة بالنادي، وكانت من العضوات، هيلين بيكر، والتي نشرت بعد ذلك رسائل مارك والعضوات.

ضمن كُتاب السير الذاتية جيرتود ناتكين، الطفلة التي قطع عنها مارك رسائله بمجرد بلوغها، مع النساء التي راسلها مارك ثم هجرها، ومعها بادي مادن، التي كانت تبلغ 19 عامًا، وقت رافقت مارك في رحلة مدة خمسة أيام إلى برمودا، ومعهما إثيل سلون التي احتفل معها بعيد الحب في برمودا، ولم تكن بيلي بورك الممثلة الوحيدة في حياة مارك، فقد شاركتها إثيل باريمور وماودي آدمز، وشاركتهن أيضًا الكاتبة شارلوت تيلر.

وبالنهاية، فقد استمتع مارك توين بعلاقاته مع النساء في جميع أعمارهن، بسمكه الملائكي وأمهاتهن ومربياتهن، والممثلات، والكاتبات، ما وفر له رفقة محببة له، ولكنه لم يستمتع بكونه جدًا لحفيدة، فقد أتت حفيدة مارك توين إلى الحياة بعد وفاته بأشهر، وتوفيت إثر جرعة زائدة من الكحول، وماتت عام 1966 دون أن تنجب، وانتهى أثر عائلة مارك توين للأبد بوفاتها.