“مارك زوكربيرغ يتبرع بـ99% من أسهمه في فيسبوك- وهي ما تقدر بـ45 مليار دولار- لمؤسسة خيرية”.

كالنار في الهشيم انتشر ذلك الخبر حول العالم ، وأثار ضجة واسعة خصوصًا العالم بما في ذلك الأوساط العربية التي احتفت بما فعله مارك زوكربيرج -مؤسس فيس بوك- وزوجته بريسيلا تشان احتفالًا بمولودهما الجديد، ولكن يبدو أن هناك حقائق وتفاصيل أبعد من هذا الخبر “المجرد” نسلط عليها الضوء في هذا التقرير:

(1) مارك لم يتبرع بهذا المبلغ بعد!

تناول الكثيرون الخبر على أن مارك قد تبرع فعلًا بمبلغ 45 مليار دولار، ولكن هذا ليس صحيحًا، والحقيقة أن مارك تعهد بالتبرع بهذا المبلغ خلال حياته أو قد يتعدى الأمر ذلك، فتلك التبرعات التي تعهد بها مارك ستكون خلال خطة طويلة المدى تستمر 25 أو 50 أو 100 سنة ترتكز على هدفين رئيسيين وهما: تطوير الإمكانات البشرية، وتعزيز المساواة “من أجل بناء عالم جديد لأبنائنا أفضل من هذا الذي نعيشه نحن جيل اليوم” على حد تعبير مارك في رسالته.

(2) الجمعية ليست خيرية بشكل كامل!

سيتبرع “مارك” خلال مبادرته التي سماها بـ”مبادرة تشان زوكربيرج” لمنظمة ذات مسئولية محدودة يمتلكها مارك وزوجته، والمنظمات من هذا النوع تهتم بشكل أساسي بالأنشطة الخيرية، ولكن ليس كل أنشطتها غير ربحية، وستشمل أنشطة هذه الشركة استثمارات وأنشطة أخرى سياسية من قبل أعمال التأثير والضغط السياسي.

فقد أفاد مارك في رسالته بأن “مبادرة زوكربيرج تشان ستقوم بمهامها من خلال تمويل المنظمات غير الربحية، وعمل استثمارات خاصة والمشاركة في النقاشات السياسية، بهدف توليد تأثير إيجابي”، لافتًا إلى أن: “أي أرباح ستأتي من الشركات ستستخدم في تمويل عمل إضافي يطور مهام المبادرة”.

(3) كيف سيظل مسيطرًا على فيسبوك وسيحظى بتخفيضات ضريبية أيضًا؟

 

مارك بتبرعه لمنظمة يمتلكها هو سيحافظ على سيطرته على “فيس بوك” وسينقل أسهمه من فيس بوك دون دفع ضرائب المكاسب الرأسمالية لشركة فيس بوك، وسوف يستفيد أيضًا من احتمالية بأن مؤسسته سوف تكون بعيدًا عنه، ليسيطر عليها ورثته وورثة ورثته بمنأى عن الضرائب.

ويسمح القانون الأمريكي للضرائب بأن يقوم الشخص بدفع تبرعات للحصول على تسهيلات ضريبة، ويقول الخبير الاقتصادي مايكل مايلو: “إن مارك سيخفض من دخله الخاضع للضريبة في العام الذي يتبرع فيه، فالاستفادة الضريبة تعادل ثلث قيمة تبرعه، وبالنسبة لمارك فإنه سيستفيد بـ333 مليون دولار عندما يتبرع بأول مليار دولار في أول عام”.

وهذا يفسر ماديًّا فكرة التبرع على مراحل وسنوات متعددة بشكل طويل الأمد بدلًا من التبرع على دفعة واحدة، وأحد أهم ما سيكتسبه مارك تجاه تلك الخطوة هو دخوله بين مليون ونصف جمعية خيرية مسجلة في أمريكا التي تحصل على حصة من السوق الأمريكية تصل إلى 358 مليار دولار ، وقد شهدت تلك الحصة ارتفاعًا كبيرًا خلال الـ20 سنة الأخيرة، كما يظهرها هذا الرسم البياني التي وفرته صحيفة هافنجتون بوست:


(4) تبرعات مارك السابقة غير مؤثرة

هذه ليست المرة الأولى التي يتبرع فيها مارك، وله تجارب غير ناجحة في هذا الصدد تثير الشكوك حول قدرة مارك على توظيف تبرعاته بشكل جيد للمجتمع، فقد تبرع مارك سلفًا بـ100 مليون دولار لمدرسة نيو ورك، وبحسب تقرير كتبه أنيل داش المتخصص في الشأن الاقتصادي في موقع ميديم فإن تلك التبرعات كانت “عديمة التأثير والجدوى”، وتنبأ أنيل بنتائج مماثلة على تبرع مارك الأخير، ولكن مارك أكد أنه استفاد من أخطاء الماضي.

(5) طبيعية استثنائية للعمل الخيري والاجتماعي في أمريكا:

تلعب المنظمات غير الربحية في الولايات المتحدة دورًا كبيرًا بشكل غير متناسب في الحياة العامة، وأحد الأسباب الرئيسية لذلك قوانين الضرائب الأمريكية التي جذبت الأغنياء على التبرع بالكثير من ثرواتهم، ذلك بدلًا من أن يدفعوا مبالغ طائلة في الضرائب العقارية وضرائب المكاسب الرأسمالية .

لذلك ليس مارك وحده هو الذي توجه لفكرة التبرع، فكثير من المليارديرات في أمريكا يلجؤون للتبرع في الأنشطة غير الربحية الاجتماعية والخيرية للحصول على تسهيلات ضريبية، وهو ما لا يفعله نظراؤهم في الدول المتقدمة الأخرى نظرًا للطبيعة المختلفة لتلك الدول، فالإنفاق الخاص على الأنشطة الاجتماعية في أمريكا يمثل في المتوسط 4 مرات الإنفاق الخاص في الاقتصاديات الكبرى الأخرى وفقًا لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، فالأنشطة الاجتماعية للدول الغنية مثل: ألمانيا وبريطانيا وفرنسا تتولاها بشكل أساسي الحكومة، ويتولى القطاع الخاص نسبة ضئيلة من تلك الأنشطة.

ففي الدول الغنية، يبلغ نسبة الإنفاق الاجتماعي من القطاع الخاص 2.6 % في المتوسط من الناتج المحلي، أما في أمريكا فترتفع تلك النسبة لتقترب من الـ11%، وهذا الرسم الذي أعدته منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، يوضح بشكل أكبر تباين النسب بين أمريكا وغيرها من الدول الغنية:


ومثلت فكرة توجه المليارديرات الأمريكيين للتبرع والحصول على تسهيلات ضريبية وسط تراجع نسبي من الحكومة الأمريكية عن الأنشطة الاجتماعية مقارنة بالدول الكبرى الأخرى، جدلية كبيرة حتى قبل إقبال مارك على تلك الخطوة؛ ويتحدث عنها الملياردير الألماني بيتر كرامر في حوار له أجراه مع جريدة ديرشبيجل الألمانية في 2010، تعليقًا على إقبال 40 مليارديرًا أمريكيًّا على التبرع بحصة كبيرة من ثرواتهم لمبادرة خيرية أطلقها كل من بيل جيتس ووارن بوفيت سُميت “تعهد العطاء”:

“توجد في المبادرة الأمريكية إشكالية كبيرة، أنت تستطيع أن تتبرع للتخلص من نسبة كبيرة من الضرائب في أمريكا، ولذلك يكون الأغنياء أمام خيارين إما أن يتبرعوا أو يدفعوا الضرائب. لقد حل المتبرعون محل الدولة، هذ غير مقبول… هذا يمثل انتقالًا سيئًا للسلطة من الدولة إلى المليارديرات، وبذلك فالمليارديات يحددون ما هو جيد للناس بدلًا من الدولة، هذا تطور سيئ، فما هي الشرعية التي يمتلكها هؤلاء المليارديرات لتحديد أين ستوجه تلك المبالغ الضخمة من الأموال”.

ولفت كرامر: “سيحدد 40 شخصًا غنيًّا من أجل تحديد في ماذا ستستخدم أموالهم، وهذا يتعارض مع الدولة ذات الشرعية الديموقراطية، ومن الممكن أن يغمس المليارديرات أهواءهم في اتخاذ القرار –ومن الممكن أن يكون للصالح العام- ولكن اختياراتهم شخصية جدًّا”. ونصح كرامر كلًّا من جيتس وبفت بأنه كان من الأفضل لهما أن يعطيا تلك الأموال إلى المنظمات والمجتمعات الصغيرة لتحقيق واجباتهم العامة”.

(6) جيتس نموذج ملهم لمارك

 

“أنت وبيل جيتس تمثلان مصدر إلهام بالنسبة لنا، نأمل في التعلم منكما ومن كل الخير الذي تفعلانه”.

هكذا رد مارك على تهنئة ماليندا جيتس –زوجة بيل جيتس مؤسسة شركة مايكروسوفت- على مبادرة مارك، وبالفعل تمثل مؤسسة بيل وماليندا جيتس الخيرية نموذجًا جيدًا للمؤسسات الخيرية؛ فالمؤسسة التي تبرع لها بيل وزوجته بـ 30 مليار دولار من ثروته، أتت بانعكاسات جيدة على الصحة العامة.

فمؤسسة جيتس بعد فترة قصيرة من تدشينها في 2010، ركزت جزءًا كبيرًا من تمويلها على هيئتين صحيتين، وهما التحالف العالمي للقاحات والتحصين )جافي)، والصندوق العالمي لمكافحة فيروسات نقص المناعة والإيدز والمالاريا والسل، فوفقًا للمؤسسة توفرت لقاحات لـ250 مليون طفل في البلدان الفقيرة، وإنقاذ أكثر مما يقدر بنحو 5 ملايين حالة وفاة.

وأشاد مايكل إدوارد محلل للأنشطة الخيرية بمؤسسة جيتس، بالرغم من أنه دائمًا ما ينتقد الأنشطة الخيرية للمليارديرات، عندما قال: “إن مؤسسة جيتس مثلت قوة جديدة، ويقدم جيتس أكثر من قصة إيجابية، وهو قدوة لغيره من المتبرعين!”

لنرى كيف ستؤثر تبرعات مارك على الصالح العام وتحقيق الأهداف التي أعلنها والتي ارتبطت بالتعليم والصحة و”التواصل بين الناس”.

عرض التعليقات
تحميل المزيد