الإعلانات ساحرة؛ صورٌ، وحركات، وأضواء، ونجومٌ يخطفون أبصارنا ويأخذونها إلى منتجات قد نعتقد الآن أنها من ضروريات الحياة التي لا يستطيع الإنسان الاستغناء عنها، لكن قصة بعض هذه المنتجات وبداية ظهورها كانت مختلفة.

النعناع

دعنا نبدأ ببعض الانتعاش، أو على الأقل هذا ما تروِّجه الإعلانات لنا كل يوم.

«انتعاش النعناع» هو كلمة السر في كثير من المنتجات: معجون الأسنان، الحلوى، غسول الأسنان، العلكة (اللِبان)، والكثير غيرها.

يبدو الأمر وكأن البشر كانوا يغسلون أسنانهم بالفرشاة والمعجون منذ بدأت حياتهم على الأرض (كما يحب الآباء أن يخبروا أبناءهم كل يوم)، لكن الحقيقة ليست كذلك. استخدم أجدادنا الماء، والسواك، وبعض الأعشاب (من بينها النعناع) في تنظيف الفم والأسنان، لكن معجون الأسنان والحلوى بنكهة «انتعاش النعناع» الذي يقضي على رائحة الفم الكريهة، ويُعطيك الثقة في نفسك، ويجعلك محبوبًا بين الناس؛ هي منتجات تجارية لحملات إعلانية صنعتها شركات أمريكية للمرة الأولى بين عامي 1915 و1920.

هذه نماذج لإعلانات منتجات Pepsodent، وListerine، وLife Savers، التي روَّجت بنجاح هائل لعلاقة رائحة الفم بحُب الناس لنا، وللنعناع الذي يعطينا الانتعاش والثقة.


يُرسل «المنثول»، أو زيت النعناع، إلى المُستقبلات في فمك لتجعلك تشعر ببعض البرودة، وهو ما يدفعنا إلى أن نربط بينه تلقائيًا، وبشكل خاطئ؛ وبين الانتعاش ورائحة الفم الجيدة. في الحقيقة، لا يجعل «المنثول» رائحة فمك أفضل ولا يقضي على الجراثيم أفضل من أي طعمٍ آخر لمعجون أسنانك أو الحلوى التي تتناولها.

الأمر الآن يبدو مثيرًا أكثر من الماضي؛ فطعم النعناع في معجون الأسنان والحلوى مُكوَّن من مواد صناعية ليس فيها زيت النعناع، لكننا ما زلنا نشعر بالانتعاش عند تناوله.

المياه المُعبَّأة


لم تكُن فكرة شراء المياه المُعبَّأة في زجاجات أمرًا معتادًا منذ 50 عامًا أو أكثر. صحيحٌ أن تعبئة المياه في زجاجات بدأ في عام 1622 في إنجلترا، حيث كان الأغنياء في أوروبا يذهبون إلى المنتجعات وعيون الماء بغرض الاستشفاء، وصحيحٌ أن الإنتاج التجاري للمياه المُعبأة على نطاق واسع قد بدأ في القرن الـ 19 ليكون بديلاً صحيًا للمياه العادية التي قد تكون ملوَّثة بأوباء العصر: الكوليرا والتيفويد، لكن تجارة المياه المُعبأة كانت قد ماتت تقريبًا بعد ابتكار تنقية المياه بالكلور.

لكن كل هذا قد تغيَّر في عام 1977، حين أطلقت شركة «بيرير» الفرنسية حملة إعلانية ضخمة في الولايات المتحدة الأمريكية للترويج للمياه المُعبأة للمرة الأولى على التليفزيون بقيمة 5 ملايين دولار أمريكي. أتت الحملة ثمارها؛ فقفزت مبيعات زجاجات المياه بنسبة 3000% خلال 3 أعوام فقط بين 1976 و1979.

منذ ذلك الحين، تغزو السوق الأمريكية مئات من أنواع زجاجات المياه المُعبأة، بنكهات مختلفة، ومن شركات مختلفة، بعضها متخصص في المياه، وبعضها متخصص في المياه الغازية؛ لتنمو صناعة المياه المُعبأة أسرع من أيَّة صناعة أخرى في سوق الغذاء الأمريكي.

يبلغ اليوم حجم الصناعة 60 مليار دولار أمريكي سنويًا، رغم أن وكالة الغذاء الأمريكية تُعلن في تقاريرها أن مياه الصنبور العادية مطابقة للمواصفات المُحددة للمياه الصالحة للاستهلاك الآدمي، بشكل أفضل حتى من بعض أنواع المياه المُعبأة.

استراحة القهوة


ترتبط القهوة لدى الكثير منا بالنشاط واليقظة؛ ويقول بعضنا أن يومهم لا يبدأ إلا بعد أن يتناولوا كوبًا من القهوة.

قد يكون الأمر حقيقيًا على المستوى الشخصي لكلٍ منا، لكن القهوة مشروب اعتمد في انتشاره وشعبيته على مستوى العالم كله على أكثر من مجرد مادة الكافيين؛ فشركات وصناعات ضخمة وقفت وراء ترويجه لفترة طويلة.

على سبيل المثال، متى قرَّرت الشركات في الولايات المتحدة الأمريكية، ثم في مناطق كثيرة في العالم بعدها؛ أن كوب القهوة أمر أساسي جدًا لدرجة إعطاء الموظفين استراحة يومية تُدعى «استراحة القهوة»؟

بدأ الأمر في عام 1952 بحملة إعلانية في الصحف، والراديو، والتليفزيون، أطلقها «مكتب القهوة الأمريكي بالخارج» (الكيان الذي يجمع صُنَّاع القهوة لتشجيع الأمريكيين على شرب القهوة) بقيمة 2 مليون دولار أمريكي. كان عنوان الحملة: «أعطِ نفسك استراحة للقهوة».

بعد الحملة الإعلانية، أظهرت إحدى الاستطلاعات أن 80% من الشركات الأمريكية أصبحت تُعطي موظفيها استراحة يومية لشرب القهوة.

السجائر للنساء


حتى عام 1920، كان التدخين يُعد عادة «رجالية»، مُستهجنة للنساء والأطفال، رغم أن أضرار التدخين الصحية لم تكُن قد استقرت بعد في الدوائر العلمية وبين المستهلكين.

بدأت حينها شركات التبغ في استهداف النساء للمرة الأولى بهدف تشجيعهن على التدخين، بالإعلانات في الصحف والمجلات، ثم الأفلام، والتليفزيون، ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية:

«استُخدِمت صورٌ ومواضيع متعددة لتشجيع النساء على التدخين، بتعزيز مقبوليته الاجتماعية وبتسليط الضوء على الأوصاف المزعومة المرغوبة لأصنافٍ تجارية معيّنة من السجائر. بعضٌ من أكثر المواضيع السائدة والتي ارتبطت مع التدخين وأصنافٍ تجارية خاصة من السجائر هي: السحر، الأناقة والتصميم، الرفاهية، الطبقة الاجتماعية الرفيعة والجودة، الرومانسية والجنس، حسن المعاشرة، المتعة والنجاح، الصحة والشباب، التحرر وأخيرًا ولكن ليس الأقل أهمية، الرشاقة.»

وبعد تشكيل الصورة الساحرة للنساء المُدخنات، «تهدف المرحلة الثانية من إستراتيجية صناعة التبغ الخاصة بالتسويق إلى توسيع وتثبيت التسويق من خلال صنع أصنافٍ تجارية «للنساء فقط» ذات خصائص أنثوية نموذجية، بإنتاج السجائر الرفيعة، والعُلب «الرشيقة»، وغيرها.

تُشكِّل النساء الآن 20% من إجمالي المدخنين، الذين يفوق عددهم المليار في العالم.

الجري والأحذية الرياضية


ليست كل «الخدع» التي اعتمدت عليها حملات إعلانية لشركات في ترويج منتجاتها سيئة أو ضارة بالصحة. قبل عام 1970، لم يكُن من المعتاد أن يجري الناس العاديون في الشوارع بغرض ممارسة الرياضة، لكن شركة «نايكي» (Nike) للمنتجات الرياضية التقطت طرف الخيط من اتجاه لممارسة الجري كنوعٍ من الرياضة، وقرَّرت الترويج للأمر، ولأحذيتها الرياضية أيضًا.

بدأ المدرب الرياضي «بيل بويرمان»، أحد مؤسسي شركة «نايكي»، في الترويج للجري كممارسة رياضية في الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن نقلها من نيوزيلاندا، وكتب عدة كتب لترويج الجري الخفيف (jogging) في المجتمع الأمريكي.

رجلٌ آخر كان له الفضل في الترويج للجري الخفيف هو «جيم فوكس»، بكتابه الشهير «الكتاب الشامل في الجري» في عام 1977. وبعدها بأعوام قليلة، كتب «فوكس» كتابًا آخر تحت رعاية شركة «نايكي» ومُختبرها البحثي.

تتويج جهود «نايكي» في الترويج للجري كممارسة رياضية جاء في عام 1988 بحملتها الإعلانية ذات الشعار الشهير: «فقط افعلها» (JUST DO IT) التي مكَّنت الشركة من زيادة حصتها في سوق الأحذية الرياضية من 18% إلى 43%، وزيادة مبيعاتها حول العالم من 887 مليون دولار إلى أكثر من 9 مليارات من الدولارات بين عامي 1988 و1998.


المصادر

تحميل المزيد