المركيز دو ساد، صاحب المدرسة السادية، والإنسان الأكثر تخريبًا في التاريخ، هو أيضًا في رأي البعض الرجل الذي خدم الإنسانية على أفضل وجه، فإذا كان الإنسان العادي يرتعد عند التفكير في الموت والألم، ويتسبب له المأساوي والمقرف في انقباض القلب، فقد جعل ساد – في رأي الكثيرين – لهذه الأشياء نفس دلالة الشمس التي لا تختفي إذا أغمضنا أعيننا عنها. تحكي السطور التالية بعض فلسفة المركيز دو ساد، وسبره لأغوار النفس البشرية.

الملوك.. أولئك الذين لا يشملهم العقل

كانت الجموع الفرنسية سنة 1789 تريد أن تحيا لنفسها، وتريد نصيبها من الامتيازات الضخمة، وفي مكان ما كان هناك رجل منعزل يدعى المركيز دو ساد، تمكن من الاستفادة من ذلك الرفض الثوري لكي يقيم «النسق» الأخلاقي والمجتمعي، ويقوده إلى نتائجه في خدمة المعارضة، وكانت أولى أفكاره هي مواجهة كل استخدام مسرف للامتيازات من قبل الأسياد الإقطاعيين. 

كان المركيز دو ساد ضحية للفوضى السائدة وقت الثورة، فرغم أنه لم يساند تطرف مرحلة الرعب الثوري إلا أنه كان الخصم اللدود للنظام القديم، فقد كان المركيز دو ساد أحد أبرز أعضاء «نادي اليعاقبة»، أو «جمعية أصدقاء الدستور»، وقد كانت الجمعية الأقوى نفوذًا خلال الثورة الفرنسية، وجمعت من معاديي الملكية نحو نصف مليون، بينهم أبرز الفصائل البرلمانية والأحزاب القوية التي نادت بالإطاحة بالملكية والتعليم والفصل بين الدولة والكنيسة والاقتراع العام وغيرها من الإصلاحات العميقة. 

بخلاف كونه سكرتيرًا لإحدى دوائر اليعاقبة كان المركيز دو ساد قد سجل نقده للملكية وتبنيه موقف الثورة، ولكن بشكل مختلف ومستقل باستثمار حريته في الكتابة الأدبية لإيصال أفكاره، فاقترح على قرائه أفكارًا إنسانية متحررة بمنحه الفرد العادي من الجمهور – في رواياته – امتيازات ضخمة مقارنة بامتيازات الأسياد والملوك، ومنحهم بخياله الروائي سلطة تامة وتحللًا تامًا من العقاب، وإمكانية مفتوحة أقوى من إمكانية المؤسسات، وحقق للفرد رغبته التي غفل عنها في وجود متحرر من القيود. وكان ما فعله دو ساد عند النظام أشد ضررًا فسجنوه في برج فانسان أولًا، ثم في الباستيل كعقاب. 

منها الهوس بالأقدام.. الدلالات النفسية لأنواع الـ«فيتيش» المختلفة

في عزلة الباستيل

«إن الطبيعة جعلتنا نولد وحدنا، فليس هناك أي شكل من العلاقة بين إنسان وآخر. والقاعدة الوحيدة للسلوك هي أن أفضل كل ما يثير فيَّ السعادة، وأن أعتبر كل ما يلحق الضرر بالآخر بمثابة لا شيء». المركيز دو ساد.

كان ساد مهتمًا بالآخر خلال حياته، ولكن عزلة الزنزانة اقتضت أن يتوقف الآخر عن أن تكون له أهمية بالنسبة إليه، فأصبح الأدب هو الملاذ الوحيد لعاطفته وأفكاره، ووسع من حدود الممكن إلى ما وراء الأفكار الأكثر شيطانية، أفكار لم تطرأ على بال إنسان، ليتيح لنا بكتابته صورة عن ذلك الإنسان الذي أفقد الآخر أهميته بفضل قوة أدب، زاد منها تجربته في السجن.

على غير المنتشر عنه فإن شخصية ساد المتحررة في كتابته، بتلك الفترة، ليست فقط الشخصية التي تدفع جمهورها نحو الإسراف في الخيالات الجنسية، فالإشباع الجنسي الملائم لرغبة الكل ليس هو الإشباع الذي يريده ساد لشخصياته الخيالية؛ إذ تتعارض الحياة الجنسية التي يجنح لها ساد حتى مع رغبات الآخرين، كل الآخرين، وفيها ما يريده من علو الفرد المكتمل على الجموع.

Embed from Getty Images

بورتريه الماركيز دو ساد يكتب من عزلته

لذا فقد اقترح التوحد على أبطاله، فنفى فكرة الشريك حتى في الممارسة الجنسية، ونفى الضحية عند ارتكاب الجريمة، وأقر بالتحرر الذي يتلخص في نفي الآخر، وأنجز تجسيدًا لصورة الإنسان المتحرر الذي مزق أي اتحاد يحد من حريته، وخلص ساد إلى أن الجريمة سبيله لإشباع شهواته، وحرر عقله من كل نسق قد يعيقه؛ فلا شيء اليوم سوى شهية كلب مفترس لا يتوقع أحد سلوكه.  

كانت المرة الأولى التي سجل فيها ساد تصوره للحياة الحرة الإجرامية لأشخاص متوحدين مع أنفسهم متسامحين مع شهواتهم الإجرامية في كتابه «120 يومًا في سادوم»، والذي كتبه في السجن، ففي ليلة تم نقله لسجن آخر؛ لأنه حاول إثارة المارة بصياحه من النافذة: «يا شعب باريس، إنهم يذبحون المساجين». وكان ذلك بعد أن رأي المقصلة تعمل ضد المعارضة.

عند نقله من زنزانته لم يسمح له بأخذ أي شيء معه، فضاع عمله في خضم عمليات النهب التي تلت سقوط الباستيل، وبداية الثورة الفرنسية، ولكن كان هناك بعض الفضوليين الذين التقطوا كل ما بدا لهم مهمًا وسط القمامة التي كانت متناثرة في محيط القصر، وعثروا فيها على المخطوط الذي عُثر عليه عام 1900 في مكتب بألمانيا، بعد ضياعه عام 1789، وقال ساد عن ضياعه: إنه «سكب دموعًا من دم بسبب خسارة هي في الحقيقة خسارة للآخرين، وللإنسانية بوجه عام»؛ لأنه سعى فيه لكشف تفاهة الآخر.

«أشباح يسمون الآخرين»

«تمر الروح إلى ضرب من اللامبالاة المطلقة تتحول إلى حالات لذة أكثر ألوهية بآلاف المرات من تلك التي تكفلها حالات الضعف» * المركيز دو ساد

بعد مرحلة السجن اتبع ساد رؤيته اللامبالية بشكل مطلق، بتدميره مشاعره، ورأى أنه شتت قواه أغلب الوقت لصالح هؤلاء الأشباح الذين يسمون الآخرين، أو الله أو المثل الأعلى، وأنه بهذا التشتيت أخطأ، فهو شخص وحيد وعليه أن يقبل ذلك. استمد المركيز دو ساد من هذا التدمير طاقة حقيقية، وآثر على أبطال روايته أن تكون جرائمهم ناتجة عن انفعال ورغبة، بل عن دم بارد وانعدام شعور.

فقد احتقر بطلته جولييت لأنها كانت لا تقترف الجريمة إلا في جو من الحماس، وتمنح شهوتها الجنسية قيمة أكبر من شهوة ارتكاب الجريمة، ولأن كل هؤلاء الماجنين الكبار الذين لا يعيشون إلا من أجل اللذة ليسوا كبارًا، إلا لكونهم قد محوا من ذواتهم كل اقتدار على اللذة.

مثل ساد الجريمة المخيفة التي هي من فعل روح تهوى التدمير الشامل مع بطليه آميلي وبورشامب، فبورشامب هو الذي يأمل أن يشهد عملية قتل ضخمة بعد أن سلم الملك قائمة بأعضاء مؤامرة نسجها بورشامب نفسه في الخفاء، وآميلي التي تعشق شراسته وتتمنى الموت ضحية لانفعالات المجون القاسية، وأن تكون جثتها جزءًا من جريمة بشعة، وبالفعل يرى فيها بورشامب رأس جديرة بالسحق، فيعشق رأسها حد الجنون ويرى في تجربته معها فساد وتعفن يثيران مكامن متعته عندما يقوم بفعل الشر ضد الآخرين، ويا لها من متعة عند آميلي أن يقوم الآخرون بفعل الشر ضدها، كالفضيلة التي تثير اللذة لأنها ضعيفة ولأنها تُسحق.

جعل ساد الجلادين يتكلمون في أعماله، ولكنهم يتكلمون لمن يشبههم فقط، فالجلادون الزناة يتحدثون إلى بعضهم البعض، ينساقون في كلام مطول يبررون فيه ما يقومون به، فهم يظنون أغلب الأحيان أنهم يتبعون ما تمليه عليهم الطبيعة، ويتبجحون بأن لا أحد سواهم منسجم مع قوانينها، إلا أن أفعالهم تبدو غير منسجمة أغلب الأحيان لأنهم يعطون تبريرات لأنفسهم، فهم لم ينفوا الآخر الذين يرتكبون الجريمة بحقه، ولكن يرى بعض النقاد أن ساد كان يبرر نفسه لنفسه أمام الآخرين عندما جعل المجرم المتوحد يخرج من عزلته وصمته.

الرذيلة هي حقيقة الإنسان

لم تعد أعمال ساد سوى جثث مخضبة بالدماء وأطفال تم انتزاعهم من حضن أمهاتهم، أو امرأة شابة يتم ذبحها عند نهاية وليمة، وكؤوس مليئة دمًا وخمرًا، وبطلته الأشهر جوستين والكلاب السائبة تطاردها، ويقودها وحوش من مقبرة إلى أخرى، وقد تم نهشها إلى حد الموت، وكما عبر عن الانتصار الشهواني اللامتناهي وسمو الأشخاص الشهوانيين، عبر عن التدمير اللامتناهي والشعور بالتهديد والبؤس، ففي فلسفته أين ستكون اللذة إذا لم يكن هناك قلق وخوف؟ وأين ستكون المتعة ما لم يكن هناك شيئًا لا يُطاق النظر له؟

أصبح المركيز دو ساد في نظر معاصريه القاتل المحتمل لبناتهم، حتى لو أبهرهم خياله، ورأوا العبث في محاولة زعزعة خياله. فقد سخر ساد أعمالًا كثيرة لإثبات قيم لا يمكن قبولها، وأن الحياة تبلغ عنفوانها عند انتفائها وتدميرها، ولكنه أثار التمرد في الجمهور ضد احتكار المجون من قبل أصحاب السيادة، وكشف عن الجانب المسكوت عنه في بعض أشكال العلاقة بين السلطة والدين والجمهور في بعض البلدان، حيث تدفع السلطة بالشعب في مجال التحريم والتواري سعيًا من السلطة للانفراد بالحرية المطلقة لارتكاب جرائم تتجاوز خيال ساد نفسه. أما الشعب نفسه الذي يحركه الحاجة والخوف، فيحكم نفسه بنسق أخلاقي أساسه الجبن والقلق والتعاطف، وإذا سنحت الظروف فسيقومون – أنفسهم – بالنهب، والقتل، والاغتصاب، وارتكاب المجازر.

من جلد «الزناة» وإعدامهم إلى الثورة الجنسية.. تاريخ الجنس في الغرب

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد