عندما يتعلق الأمر بالسفر إلى الفضاء، لا نلاحظ وجود أي نقص في الحماس بخصوص فكرة الذهاب بالبشر إلى المريخ فقد قال إيلون ماسك مؤسس شركة «Space X» إن شركته يمكنها أن تأخذ الركاب إلى الكوكب الأحمر بحلول عام 2025، كما أن الكونجرس الأمريكي طلب من وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» تحقيق نفس المهمة بحلول عام 2033.

الأجساد البشرية

ولكن في حين أن هذه الرحلة يمكن أن تكون ممكنة من الناحية التكنولوجية خلال العقد أو العقدين المقبلين، إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل البشر حقًا على استعداد – جسدي ونفسي – للتخلي عن الأرض والبدء في استعمار الكوكب الأحمر؟

الإجابة هي «لا»، فطبقًا لورقة حديثة من قبل العالم المعرفي كونراد زوسيك من جامعة تكنولوجيا المعلومات والإدارة في بولندا، فإنه لا توجد أدنى فرصة للبشر بخصوص هذا الأمر. يقول زوسيك إنه لا توجد أي عمليات محاكاة طويلة الأمد للعيش على الكوكب الأحمر تجري على الأرض أو عمليات بقاء طويلة على متن محطة الفضاء الدولية (ISS) يمكن أن تعد رواد الفضاء البشريين للتحديات التي من شأنها أن تظهر عند استعمار المريخ.

وقال زوسيك «لا يمكننا محاكاة الظروف المادية والبيئية نفسها لإعادة بناء بيئة المريخ في معاملنا الأرضية، أعني سمات مثل الجاذبية الصغرى للمريخ أو التعرض للإشعاعات الكونية، وبالتالي، لا يمكننا التنبؤ بالآثار الفيزيائية والبيولوجية للبشر الذين يعيشون على سطح المريخ».

وفي مقال نشر مؤخرًا، ناقش زوسيك ومساعدوه بعض التحديات السياسية والثقافية والشخصية التي يواجهها مستعمرو المريخ، وباختصار، فإن الفريق لا يعتقد أن البشر يستطيعون البقاء على الكوكب الأحمر واستعماره إلا في حالة إجراء تغييرات على أجسادنا لمساعدتنا على التكيف بسهولة أكبر مع بيئة المريخ.

غزو المريخ على الأبواب

وأوضح زوسيك أن فكرته تتعلق بأن الجسم والعقل البشريَّيْن يتكيفان للعيش في البيئة الأرضية، «وبالتالي، فإن بعض التحديات الفسيولوجية والنفسية خاصة خلال الرحلة، ومن ثم أثناء العيش على المريخ، ربما ستجعل الأمور في منتهى الصعوبة بالنسبة للبشر للبقاء على قيد الحياة».

البقاء في الفضاء مختلف

وفي حين أن رائد فضاء ناسا، سكوت كيلي، ورائد الفضاء الروسي، ميخائيل كورنينكو، قضى كل منهما سنة واحدة على محطة الفضاء الدولية، فلم تمر هذه المغامرة من دون آثار فسيولوجية كبيرة وآلام ناجمة عن الكثير من الوقت الذي عاشوه في الفضاء.

ولكن تلك المصاعب ستكون أقل بكثير مما سيواجهه المسافرون إلى المريخ، الذين سيخوضون رحلات أطول بكثير، ولا يعرفون متى أو إذا كان بإمكانهم العودة إلى الأرض. وأوضح زوسيك أن أول رواد فضاء سيتجهون للمريخ سيكونون على علم بأنهم سيضطرون للعيش على سطحه لمدة عدة سنوات على الأقل، وذلك بعدما يخوضون رحلة طويلة ستستمر لمدة عام على الأقل. بل ربما يذهب الأمر أبعد من هذا ليكونوا مضطرين للعيش كل حياتهم هناك كون عودتهم يمكن أن تكون مستحيلة من الناحية التكنولوجية.

وأضاف «ربما يكون هؤلاء المستعمرون الأوائل على علم بأن مهمتهم هي تذكرة ذهاب فقط». ويقر الباحثون بأن وضع المسافرين في حالة غيبوبة قد يجعل الرحلة نفسها أكثر قابلية للتحمل، ولكن بمجرد وصولهم، سيواجه المستعمرون بيئة يكون فيها دعم الحياة اصطناعيًا هو مطلبًا ثابتًا وأساسيًا، وربما يكون الأمر لفترة مؤقتة إلى حين تطوير التكنولوجيا اللازمة التي ستجعل بيئة المريخ القاحلة والمتجمدة قابلة لاستقبال البشر.

تغيير جيني

وإلى أن يحدث ذلك، يعتقد الباحثون أن أفضل الاحتمالات الإنسانية للعيش على سطح المريخ تنطوي على نوع من التغيير الجسماني أو الجيني الذي قد يعطينا فرصة قتالية للبقاء على كوكب لم يكن علينا أن نتطور ونعيش عليه. وقال الباحثون «نحن ندعي أن البشر لم يجرِ تهيئتهم استراتيجيًا للتكيف لاستعمار البيئات الكونية الأخرى».

وأضافوا «نحن نقترح أن الحل الأفضل يمكن أن يكون التسريع الاصطناعي للتطور البيولوجي لرواد الفضاء قبل أن يبدؤوا مهمتهم العميقة في الفضاء». وفي حين أن الفريق لا يقدم تفاصيل عما قد يستلزمه هذا الأمر في ورقتهم البحثية، فقد قال زوسيك إن «الحلول الدائمة مثل التعديلات الجينية و/ أو الجراحية يمكن أن تجعل المستعمرين قادرة على البقاء على قيد الحياة على المريخ بطرق لا يمكن للبشر غير المعدلين التعامل معها».

ووفقًا لعالم ناسا السابق للبحوث البشرية، مارك جيه شيلهامر، ففي حين أن هذه الأفكار قد تكون مثيرة للاهتمام وتساعد على مزيد من النقاش حول ما سوف يحتاجه البشر للتكيف مع بيئة المريخ، فإنه بمجرد أن يتحول الحديث إلى علم الوراثة، فإنك تجد نفسك داخل حقل من الألغام يتعلق بالقضايا المحتملة الأخرى.

يقول شيلهامر «لقد اقترح الناس بالفعل اختيار رواد فضاء من أجل الاستعداد وراثيًا لأمور مثل مقاومة الإشعاع». وبطبيعة الحال، فإن هذه الفكرة محفوفة بالمشاكل، فبالنسبة إلى الشخص، فإنه من غير القانوني اتخاذ قرارات التوظيف استنادًا إلى المعلومات الجينية، أما بالنسبة لآخر، فهناك عادة عواقب غير مقصودة عند إجراء تلاعب من هذا القبيل، «ومن يدري ما الذي قد يزداد سوءًا إذا ما قمنا باختيار ما نعتقد أنه يجب أن يكون أفضل».

إن تلك الأصوات التي تبدو أصواتًا تنادي بنقاط عادلة جدًا – خاصة بالنظر إلى سوزوك الذي يذهب إلى أبعد نقطة ممكنة عندما يشير إلى أن «الاستنساخ البشري أو أساليب أخرى مماثلة قد تكون ضرورية في نهاية المطاف للحفاظ على سكان المستعمرات على مر الأجيال دون التعرض لخطر التكاثر بين عدد قليل جدًا من المستعمرين».

من الواضح أن هناك الكثير للعمل عليه هنا، فبينما بعض الأفكار من الباحثين هي بالتأكيد موجودة بقلة، نحن بحاجة إلى التفكير خارج الصندوق إذا أردنا أن نسكن كوكبًا يبعد عنا حوالي 56 مليون كيلومتر في أقرب نقطة له.

من جانبه، يبدو شيلهامر واثقًا في أن نوعًا من التدريب الصحيح سوف يعمل على تجهيز المسافرين من البشر خلال رحلتهم الشاقة نحو المريخ، وإذا كانت التقديرات الحالية المتعلقة بتوقعات أن نرى هذا الأمر يحدث صحيحة بالفعل، فنحن لن ننتظر طويلًا لمعرفة ما إذا كنا على حق.

وقال زوسيك «أعتقد أننا يمكن أن نعطي رواد الفضاء الأدوات – البدنية والعقلية والتشغيلية – بحيث يكونون على نحو فردي وكمجموعة، مرنين في مواجهة المجهول». مضيفًا «ما هو نوع الشخص الذي يزدهر في بيئة متطرفة؟ ما هي أنواع هياكل البعثات الموجودة لمساعدة هذا الشخص؟ هذا يحتاج إلى دراسة منهجية».

عرض التعليقات
تحميل المزيد