منتشيًا بانتصاره في معركة درنة ومبتهجًا ببسط سيطرته على الشرق الليبي؛ يواصل المشير خليفة حفتر تصريحاته عن قرب موعد إنهاء الأزمة الليبية، تصريحاتُ حِفتر هذه أتت على هامش «ملتقى الشباب الأول» الذي نظمته القيادة العامة للجيش؛ وبعد أقل من أسبوعين فقط من «اتفاق أبوظبي» الذي اتفق من خلاله حفتر مع رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فائز السراج على إجراء انتخابات نيابية ورئاسية، وخضوع المؤسسة العسكرية لسلطة الدولة المدنية، ووقف التحرك والاستفزاز العسكري لقوات حفتر، أو إثارة حرب أهلية في العاصمة طرابلس.

قصة الصراع الممتد في ليبيا على عرش القذافي

أحلام طرابلس تداعب خيال حفتر

في الوقت الذي كانت فيه مدافع الجيش الليبي التابع لحكومة الوفاق الوطني في ليبيا تقصف آخر حصون «داعش» في مدينة سرت في إطار عملية «البنيان المرصوص» التي أعلنت عنها حكومة الوفاق الوطني في مايو (أيار) من عام 2016؛ كانت قيادة القوات التابعة للواء المتقاعد خليفة حفتر تعلن قرب انطلاق عملية عسكرية للسيطرة على العاصمة طرابلس؛ وهي المعركة التي لطالما اعتبرها حفتر حاسمة في الصراع الليبي.

وقد قال المتحدث باسم القيادة العامة للجيش الوطني الليبي التابعة لحفتر العقيد أحمد المسماري يومها: إن الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر لديه «خططٌ جاهزة ومعدة مسبقًا، ونسعى لزيادة الإمكانيات المادية وتعويض النقص، ولدينا قواعد جوية بالقرب من طرابلس ومن المناطق المحتمل حدوث فيها اشتباكات، ولن تكون معركة كبرى أو طويلة الأمد، بل ستكون سريعة وخاطفة»، مضيفًا أن طرابلس هي الهدف الإستراتيجي للعمليات العسكرية الخاصة بالقضاء على الإرهاب في الفترة المقبلة، كونها منطقة تمركز الجماعات الإرهابية وقادتهم.

وفي مارس (أذار) 2017، وبينما كانت العاصمة طرابلس تغرق في الفوضى نتيجة المواجهات المسلحة بين الميليشيات التي تتقاسم نفوذ العاصمة خرجت مظاهرة في كلٍ من ساحة الشهداء وميدان الجزائر وسط طرابلس، تطالب بتحرير المدينة من قبضة الميليشيات، ردّ عليها خليفة حفتر – عبر مكالمة هاتفية لإحدى القنوات محلية التابعة له – بالقول: إنّ «القوات المسلحة الليبية لن تخذلكم»، وأن «الانتظار لن يطول حتى تعود العاصمة إلى حضن الوطن»، مؤكدًا أنّ معركة طرابلس التي وصفها بـ«ساعة الخلاص» والقصاص قد اقتربت.

غير أنّ موعد المعركة في العاصمة طرابلس بقي مترنحًا بعد أن دخلت قوات حفتر في معارك لتحرير بنغازي التي تعتبر معقلًا رئيسًا لحفتر وقواته، هذه المعارك جعلت حفتر يغيّر من خططه وتصريحاته بخصوص الحسم في طرابلس وقد استمرت قوات حفتر في معركتها لاستعادة بسط سيطرتها على مدينة بنغازي أكثر من ستة أشهر.

مراكز القوى الحقيقة.. إليك الخارطة السياسية للقبائل في ليبيا

بنغازي التي أنهكت «المشير»

في يوليو (تموز) 2017 خرج حفتر ليعلن سيطرة قواته بالكامل على بنغازي ثاني كبرى المدن الليبية من الجماعات المسلحة، وتكبدت فيها قواته خسائر كبيرة، وهي المدينة التي قال عنها حفتر في أكتوبر (تشرين الأول) 2014 أنّ «تحريرها سيستغرق ساعاتٍ فقط»، قبل أن تمتد المعارك للسيطرة على المدينة قرابة ثلاث سنوات.

وظهر حفتر وهو يعلن انتصاره في بنغازي مرتديًا زيّه العسكري وموجهًا خطابًا للشعب الليبي قال فيه: «تزف إليك قواتك المسلحة بشرى تحرير مدينة بنغازي من الإرهاب تحريرًا كاملًا غير منقوص، وتعلن انتصار جيشك الوطني في معركة الكرامة ضد الإرهاب.. بنغازي تدخل ابتداء من اليوم عهدًا جديدًا من الأمن والسلام».

ارتفعت أسهم حفتر بعد تحرير بنغازي وبدأت أطماعه التوسعية في الانتشار، واضعًا العاصمة طرابلس صوب عينيه؛ بعد أن بسط سيطرته على غالبية مناطق الشرق الليبي، وعلى رأسها مدن طبرق والبيضاء وبنغازي وأجدابيا باستثناء مدينة درنة التي استعصت عليه لوقت طويل.

وفي أكتوبر 2017 خرج حفتر بتصريحٍ مثيرٍ للجدل حين أكّد سيطرة قواته على معظم الأراضي الليبية، مؤكدًا أنه لم يتبق سوى مساحات قليلة خارجة عن سيطرة جيشه، لا تتعدى مساحتها 30 ألف كم مربع، وفي حديث جمعه بـبعض الكتائب في مدينة بنغازي، قال حفتر: «تبلغ مساحة ليبيا مليون و760 ألف كم، والجيش يسيطر الآن على مليون و730 ألف كم ولم يتبق إلا القليل». وأضاف أنّ القوات الموالية له سيطرت على المنطقة الواقعة غرب طرابلس الممتدة من زوارة على الحدود مع تونس، وحتى مدينة الزاوية الواقعة على 30 كم غرب العاصمة طرابلس، مؤكدًا أنه «خلال الأيام القليلة القادمة ستتم السيطرة على الزاوية أيضًا».

كما نقلت تقارير إعلامية عن اللواء عبد الرزاق الناظوري، رئيس أركان قوات حفتر قوله: «لقد فزنا في بنغازي.. والآن نذهب إلى طرابلس»، مضيفًا أنّ حفتر قرّر الزحف بجيشٍ قوامه 35 ألف جندي، ولن يواجه صعوبات كبيرة في طرد الميليشيات الليبية من معاقلها في طرابلس ومصراتة وصبرات، غير أنّ حديث حفتر عن قرب سيطرته على جميع الأراضي الليبية اصطدم بواقع المعارك التي كانت تخوضها قواته للسيطرة على مدينة درنة التي صمدت في وجهه فترة طويلة.

درنة تنقذ طرابلس من أنياب حفتر

بعد رحلة علاجية تخللتها الشائعات حول مصيره، عاد المشير خليفة حفتر إلى بنغازي في 26 من أبريل (نيسان) 2018، وليعيد الزخم لنفسه، بدأ حفتر في التحضير لإطلاق حملة عسكرية قصد السيطرة على العاصمة الليبية طرابلس؛ وسط التجاذبات التي شهدتها قواته بضرورة استكمال تحرير الشرق الليبي من خلال مهاجمة مدينة درنة قبل مهاجمة طرابلس، كان حفتر يرى أن حصاره البري والبحري لدرنة كاف لتطويعها، وأن عليه التوجه نحو طرابلس؛ غير أنّه – وبضغطٍ من قوى إقليمية – وجه في السابع من مايو 2018 حملته نحو مدينة درنة بالشرق الليبي.

شهد الوضع الميداني تقدمًا بطيئًا لقوات حفتر في المعركة رغم المساعدات العسكرية ومشاركة قوى إقليمية في ضرب أهدافٍ لخصومه في المدينة، قبل أن يعلن حفتر مع نهاية شهر يونيو (حزيران) «تحرير درنة من الجهاديين»، وكعادته بعد كلّ انتصار خرج حفتر في خطابٍ ملتلفز بالزي العسكري قائلًا: «نعلن بكل فخر تحرير مدينة درنة الغالية على كل نفوس كل الليبيين وعودتها آمنة مطمئنة إلى أحضان الوطن لتعم الفرحة كافة أرجاء ليبيا».

ومع تحرير مدينة درنة اختلطت أوراق الأزمة الليبية من جديد، بعد أن كانت قريبة من الحل من خلال التقارب السياسي الذي شهدته فترة غياب حفتر؛ وذلك بلقاء رئيس البرلمان الليبي في طبرق عقيلة صالح أبرز حلفاء المشير، مع خالد المشري رئيس المجلس الأعلى للدولة في المغرب والذي أفضى إلى الاتفاق على تعديل المجلس الرئاسي، وتشكيل حكومة جديدة، وإصدار قانون الاستفتاء على الدستور من البرلمان.

وبالسيطرة على درنة دخل الشرق الليبي تحت سيطرة خليفة حفتر لأوّل مرّة منذ إعلان المشير إطلاقه لعملية الكرامة، وهو الأمر الذي زاد من تفاؤل حفتر بقرب إنهائه الأزمة الليبية عسكريًا من خلال إعلانه أنّه «لا بد من تحرير العاصمة، ولا يمكن أن تبقى طرابلس في أياد عابثة».

«درنة» في قبضة المشير.. هل اقترب حفتر من رئاسة ليبيا؟

حفتر يولي وجهه شطر الجنوب

في منتصف يناير الماضي أعلن المشير خليفة حفتر، عن إطلاق قواته لعملية عسكرية هدفها السيطرة على جنوب ليبيا، بما فيها الحقول النفطية التي يستخرج منهما قرابة ثلثي إنتاج ليبيا النفطي، بداية الحملة كانت من مدينة سبها التي دخلها جيش حفتر دون قتال بعد استسلام القبائل المسيطرة على المدينة وانضمامها له، ثم سيطرت قواته بدون قتال على مدينة أوباري جنوب غرب ليبيا، ثم حقلي الشرارة النفطي والفيل، غير أنّ مدينة مرزق التي تقطنها قبائل التبو، استعصت عليه لعدة أيام، وارتكبت فيها قوات حفتر مجازر وحشية.

وبإحكام المشير سيطرته على الجنوب الليبي، بدأ الخناق يضيق على حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا، والتي لم تعد تسيطر إلا على مناطق في الغرب، ومنها العاصمة طرابلس، ويأتي توجه قوات حفتر إلى الجنوب الليبي حسب صحيفة «avvenire» الإيطالية إلى محاولته تطويق العاصمة الليبية طرابلس وإجبار الجماعات المسلحة الموالية لرئيس المجلس الرئاسي فائز السراج.

ورغم الانتصارات المتتالية التي تحققها قوات حفتر غير أنّ حسم الصراع العسكري في ليبيا ما زال يراوح مكانه؛ إذ يرى رئيس المجلس الأعلى للدولة السابق عبد الرحمن السويحلي أن «معطيات القوة على الأرض والتي تؤكدها مراكز الأبحاث الدولية، ترجح بوضوح احتمال انهيار مليشيات حفتر وسقوط معقلها الرجمة، وهو أقرب بكثير من حلم دخولهم إقليم طرابلس». واستبعد مراقبون دخول قوات حفتر إلى العاصمة الليبية طرابلس بسبب معارضة أغلب القوى الإقليمية والولايات المتحدة بالخصوص، محاولة إدخال العاصمة في اقتتال بين المعسكرين.

وأعلنت صباح اليوم الاثنين «قوة حماية طرابلس» عن توحيد القوات الموجودة في المنطقة الغربية، ممثلة في المناطق العسكرية الثلاث، وهي المنطقة العسكرية طرابلس بإمرة اللواء عبد الباسط مروان، والغربية بإمرة اللواء أسامة جويلي، والوسطى بإمرة اللواء محمد الحداد، تضاف لها الوحدات المشاركة في الاجتماع والتابعة لوزارة الداخلية؛ وذلك للوقوف لأية محاولة هجومٍ قد تتعرض لها العاصمة الليبية طرابلس.

حفتر يسيطر على نفط ليبيا.. هل بدأ الفصل الأخير في القصة؟

هل تحسم السياسة ما فشل فيه حفتر بالسلاح؟

برعاية أممية اجتمع مع نهاية شهر فبراير (شباط) كلٌ من المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني وفايز السرّاج رئيس المجلس الرئاسي في العاصمة الإماراتية أبوظبي، من أجل وضع حدّ للخلافات بين الطرفين وإيجاد حلولٍ للأزمة الليبية، وذكرت البعثة الأممية إلى ليبيا إلى أنّ الطرفين اتفقا على ضرورة إنهاء المرحلة الانتقالية من خلال انتخابات عامة، والعمل من أجل الحفاظ على استقرار ليبيا وتوحيد مؤسساتها.

وهو الأمر الذي دفع بحفتر إلى التصريح يوم السبت الماضي بأنّ ليبيا ستشهد خلال الأسبوعين المقبلين انفراجة للأزمة الراهنة التي تعصف بالبلاد عبر تشكيل حكومة وحدة وطنية تنهي الانقسام الحاصل حاليًا بين مؤسسات الدولة، تصريحات حِفتر هذه دفعت الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرس إلى التفاؤل والقول إن قائدي ليبيا المتنافسين قد يتوصلان لأول مرة إلى حل الخلاف بشأن السيطرة على الجيش وسط جهود للتغلب على الصراع المستمر منذ ثماني سنوات في البلاد.

وكانت اللجنة الرباعية حول ليبيا أعلنت أن «الملتقى الوطني الليبي الجامع» سيعقد في الفترة ما بين 14 إلى 16 أبريل الحالي بمدينة غدامس الليبية، بينما ستعقد ندوة «المصالحة الليبية» في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في شهر يوليو (تموز) المقبل، وينتظر من «المؤتمر الوطني الجامع» أن يساهم في تشكيل الحكومة الليبية التي دعا لتشكيلها حفتر.

وتشير تسريبات مخرجات وثيقة الملتقى إلى التوافق على فايز السراج (رئيس حكومة الوفاق) على رأس السلطة المدنية والمشير خليفة حفتر على رأس المؤسسة العسكرية، في وقت أكد فيه مراقبون أنّ فشل الملتقى الوطني الجامع سيجعل فرص حفتر صعبة جدًا إذا ما فكر في المضي في مشروعه العسكري، في إشارة إلى رفض سابقٍ لحفتر للحل السياسي الذي فرضه اتفاق الصخيرات.

نزع زيه العسكري وارتدى ربطة عنق.. هل اقتنع حفتر باستحالة الحل العسكري في ليبيا؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد