شهد العالم أزمة دولية كبيرة على كافة المستويات عقب تفشي وباء كورونا عام 2020، فعلى المستوى الصحي انهارت المنظومات الصحية في عدة دول، وعلى الصعيد الاقتصادي تضرر نظام الاقتصاد العالمي نتيجة الحجر الصحي، وتوقفت الكثير من الأعمال والتعاملات التجارية، أما على الجانب السياسي، فقد خرجت المظاهرات السياسية الرافضة لطريقة تصدي الحكومات للوباء تارة، وضد قوانين الحجر تارة أخرى.

القارة العجوز كانت أول المتضررين بشدة من جراء الوباء، ومع الأيام الأولى للحجر الصحي، تعالت صيحات العامة والسياسيين المطالِبة بما يسمى «خطة مارشال جديدة» لمساعدة أوروبا على تخطي المحنة والأزمة بشكل فعال، وبالفعل استجاب الاتحاد الأوروبي وأعلن إطلاق خطة مارشال جديدة لإنقاذ أوروبا. لكن ما هي خطة مارشال القديمة أو الجديدة؟ وما الذي حدث؟

ما بعد الحرب العالمية وخطة الإنقاذ الأمريكية.. من هنا بدأت «خطة مارشال»

أثرت الحرب العالمية الثانية في قارة أوروبا بالكامل، فدُمرت البنية التحتية في عدة بلدان، وتوقفت أعمال الصناعة والزراعة، وعانت الشعوب الأوروبية من الفقر والمجاعة والتضخم، وكان الجميع يفكر في طريقة للخروج من هذا النفق المظلم، ولمِّ شمل الدول الأوروبية في كيان واحد، يجعل من الحرب أمرًا مستحيلًا ماديًّا وفكريًّا ولا يمكن حدوثه في المستقبل، فمن يحارب نفسه؟

الاتحاد الأوربي

تخوف الأمريكيون بشدة من تمدد الاتحاد السوفيتي وانتشار الشيوعية في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، ولمواجهة هذا التمدد وفرض وجود أمريكا في أوروبا، تقدم الجنرال جورج مارشال، رئيس أركان الجيش الأمريكي في الحرب العالمية الثانية ووزير خارجية أمريكا بعد انقضاء الحرب، بخطة إنقاذ للقارة العجوز، بدأ تنفيذ الخطة عام 1948 بعد موافقة 16 دولة أوروبية والرئيس الأمريكي، هاري ترومان، عليها.

تضمنت الخطة إرسال مساعدات مالية للدول الأوروبية بقيمة تتجاوز 13 مليار دولار أمريكي، أي ما يعادل 150 مليار دولار في وقتنا الحالي، على هيئة قروض مالية مباشرة ومعدات واستثمارات أمريكية، لإنعاش الاقتصاد الأوروبي، خاصة في مجالي الزراعة والصناعة، وإعادة تشكيل البنية التحتية، ومشروعات الطاقة، ورغم انسحاب الاتحاد السوفيتي من الخطة منذ البداية، فإن المساعدات شملت كل أوروبا تقريبًا في ذلك الوقت، بما فيها الدول الواقعة تحت الاحتلال السوفيتي.

انتهت إجراءات خطة الإنقاذ عام 1951، ونجحت الخطة في تحقيق أهدافها وأعيد إعمار أوروبا مرة أخرى، ونتج من تلك الخطة أقوى اتحاد دولي في العالم، وهو الاتحاد الأوروبي صاحب الذراع العسكرية حلف الناتو، ولكن لم يكن تكوين الاتحاد الأوروبي أمرًا بسيطًا؛ فقد مر بالعديد من المراحل والأحداث الفارقة.

برعاية أمريكية.. 3 كيانات انطلق منها الاتحاد الأوروبي

بعد انتهاء أعمال خطة مارشال في أوروبا، بدأت القارة العجوز في مراحل تكوين الاتحاد الأوروبي، وهو الاتحاد الأكبر والأقوى في العالم، تأسس الاتحاد عام 1993 عقب معاهدة ماستريخت في هولندا، ومر بالعديد من المراحل وثلاثة كيانات مهمة ساعدت على تأسيس الاتحاد القوي.

1. الجماعة الأوروبية للفحم والصلب: أول نتيجة ملموسة لخطة مارشال

نتيجة تعافي الاقتصاد الأوروبي وحاجته للاستثمار، اقترح وزير الخارجية الفرنسي، روبرت شومان، عام 1950 فكرة تشكيل اتحاد أوروبي للفحم وصناعات الحديد والصلب، وافقت عدة دول أوروبية على تشكيل الاتحاد عام 1951 في باريس، في أعقاب مؤتمر باريس للست دول (فرنسا- ألمانيا الغربية- إيطاليا- بلجيكا- هولندا- لوكسمبورغ)، والذي أسفر عن معاهدة التعاون، والتي انضمت لها عدة دول في ما بعد.

بحلول عام 1954 كانت دول أوروبا دون حواجز أو حدود أمام صناعات الفحم والحديد والصلب، فتحت الأسواق، ووحدت الأسعار، وشكلت أربع لجان لمراقبة سير الأمور، وأصبحت الجماعة الأوروبية للفحم والصلب هي أول اتحاد أوروبي ناجح، ونواة الاتحاد الأوروبي الحديث، ونتيجة مباشرة لخطة مارشال.

2. إنشاء السوق الأوروبية المشتركة: خطوة على طريق التكامل الاقتصادي

تشكلت السوق الأوروبية المشتركة، أو ما يعرف باسم المجموعة الاقتصادية الأوروبية، لتحقيق التكامل الاقتصادي بين الدول الأوروبية الموحدة، من خلال فتح سوق مشتركة لكل البضائع، وتحديد الأسعار، وتعديل نظام الجمارك، وتفعيل نظام اللاحدود. وقعت الدول الست على معاهدة روما عام 1957، والتي نتج منها كيان السوق المشتركة الأوروبية، واندمج كيان الجماعة الأوروبية للفحم والصلب مع المجموعة الاقتصادية الأوروبية مكونين ما عرف بالجماعة الأوروبية.

3. الجماعة الأوروبية للطاقة الذرية: آخر عمود في كيان الاتحاد

عقب تأسيس الجماعة الأوروبية عام 1957 بدأت الدول الأعضاء في التفكير في إنشاء كيان مسؤول عن الطاقة النووية داخل اتحاد طاقة أوروبي أيضًا، من حيث مصادرها، واستخداماتها، وتوزيعها على الدول الأعضاء وتصدير الفائض، وفي عام معاهدة روما نفسه، تشكلت الجماعة الأوروبية للطاقة الذرية.

جرت الأمور وفقًا للخطة، وازدهرت السوق الأوروبية، وانتعش الاقتصاد، وأصبحت الثلاثة كيانات هي الأعمدة الأساسية لتأسيس منظمة الاتحاد الأوروبي عام 1993، والذي تشكل بدمج المؤسسات الثلاثة وغيرها من الكيانات الموحدة، ويضم الاتحاد الأوروبي حاليًا 28 دولة دون حدود وأصحاب سوق مشتركة، وتعتمد منهم 19 دولة اليورو عملة موحدة، ويعود الفضل لخطة مارشال من البداية، والتي أصبحت مرادفًا للإنقاذ لكل دول العالم.

خطة مارشال الجديدة تواجه كورونا في أوروبا

ظهر وباء كوفيد-19 في الصين أواخر عام 2019، ولم يلبث أن تفشى بشكل واسع عام 2020، فضرب القارة العجوز بشدة، وانتشر الفيروس بشكل سريع أدى إلى تدهور الاقتصاد الأوروبي، وانهيار المنظومة الصحية، وتوقف الأعمال التجارية وموت الآلاف، وأصبح الوضع كارثيًّا.

مع الموجة الأولى الضاربة من الوباء في أوروبا، بدأ يظهر في وسائل الإعلام مصطلح خطة مارشال جديدة تهدف إلى مواجهة آثار فيروس كورونا وتخطي الأزمة، وتعالت أصوات الساسة والعامة المطالبة بـ«خطة مارشال جديدة»، وبالفعل استجاب الاتحاد الأوروبي وأطلق «خطة مارشال جديدة» تتضمن دعمًا ماليًّا مباشرًا للدول والشركات والمؤسسات الأوروبية، في هيئة قروض طويلة الأمد للمساعدة على صمود وتحسين الاقتصاد والمؤسسات الصحية.

ففي أبريل (نيسان) 2020 أعلنت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، عزم الاتحاد الأوروبي تقديم حزمة مساعدات للدول الأوروبية بميزانية تتراوح بين 100 و500 مليار يورو، وقد صرحت قائلة: «أعتقد أنه من الأهمية أن نعتمد على ميزانية أوروبية اليوم، تكون ردًّا قويًّا لمواجهة فيروس كورونا، الميزانية الجديدة للاتحاد الأوروبي ستكون على هيئة خطة مارشال جديدة لتحقيق الانتعاش لأوروبا». وبالفعل جرى تنفيذ الخطة الجديدة، ونجحت «خطة مارشال» في إنقاذ أوروبا مرة أخرى، وتعافى الاقتصاد الأوروبي بشكل ما.

وفي السياق نفسه؛ تنظر العديد من الجهات إلى مصطلح خطة مارشال بوصفه حلًّا سحريًّا للإنقاذ وتعافي الدول، خاصة بعد ما أقرته أمريكا سياسة خارجية لها، وما أسمته ببرنامج النقطة الرابعة، والذي يعني سياسة الولايات المتحدة للمساعدة الفنية والمساعدات الاقتصادية للبلدان المتخلفة والمنكوبة، ويعود تسميتها بالنقطة الرابعة لأنها كانت النقطة الرابعة في خطاب تنصيب الرئيس الأمريكي، هاري ترومان، عام 1949.

حِكرًا على أوروبا! لماذا لا نرى «خطة مارشال» في أماكن أخرى من العالم؟

تنتشر الصراعات والحروب في كل أنحاء العالم، ودائما ما تخلف وراءها ركام المنازل وضياع المستقبل، وخراب ودمار البلاد. تعاني منطقتنا في الشرق الأوسط من أهوال وتبعات حروب كثيرة تركت العديد من البلدان في معاناة، ومرض، وفقر، وجهل، دون مستقبل واضح.

ففي الوقت الحالي الكثير من دول الشرق الأوسط في حالة صعبة للغاية، وتعاني جراء الحروب والنزاعات منها (سوريا، العراق، لبنان، ليبيا وغيرها)، وتحتاج تلك الدول إلى إعادة إعمار لكل شيء: الاقتصاد والبنية التحتية، لكن من الواضح أن الدول الغربية خاصة الولايات المتحدة الأمريكية لا تهتم بحال دول الشرق الأوسط التي ساهمت هي في انهيارها، ولا ترى الشرق الأوسط مثل أوروبا، وعليه قد تمنح الدول الغنية بعض المساعدات للدول المنكوبة والمدمرة، لكنها مساعدات دون إشراف، أو تعقب، أو مساعدة جادة للتغيير، وإعادة البناء، على غرار خطة مارشال لأوروبا، ويظهر ذلك بوضوح في حال دول مثل لبنان، وأفغانستان.

فعلى سبيل المثال تشير التقارير إلى أن العديد من الأموال ضخت بالفعل من أجل حل مشاكل لبنان ومساعدتها، لكنها لم تكن ذات فعالية كبيرة، بل زادت الأمور سوءًا، وقدرت قيمة المساعدات المقدمة للبنان نحو 170 مليار دولار منذ عام 1993، وحتى 2012.

لكن الفساد وعدم الاهتمام والمراقبة الخارجية أدت إلى فشل جميع الخطط، ومحاولات الإنقاذ، وإعادة البناء، أما في أفغانستان فقد كانت هناك محاولات كثيرة فردية وجماعية، لكنها غير حكومية لمساعدة أفغانستان، نجح بعضها في إعادة إعمار قرى صغيرة.

عدم رغبة الغرب في تقديم خطط ومساعدات جادة خارج القارة العجوز، قد يراه البعض سلوكًا غير إنساني، لكن له دوافعه الواضحة عند المجتمعات الغربية. 

«أكُل الرؤوس سواء؟».. أوروبا حليف وشريك إستراتيجي قوي

 فالعالم وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، ترى أن دول الشرق الأوسط أو غيرها ليست مثل أوروبا، وأن خطة مارشال القديمة لإنقاذ أوروبا كانت لأسباب واضحة ومباشرة، فقد كانت أمريكا حليفًا قويًا في الحرب، وشريكًا إستراتيجيًا كبيرًا، ومصدر سلع وأسلحة لدول أوروبا طوال الحرب العالمية الثانية.

ولذلك قامت بدعم الدول الحليفة، والتي قد تساعدها في المستقبل من ناحية، ومن ناحية أخرى وجدت أمريكا في خطة مارشال فكرة رائعة للسيطرة على القارة العجوز، ووقف تمدد الاتحاد السوفيتي في تلك القارة العريقة. ولذلك يبدو من المنطقي عدم تقديم المساعدات لدول تعاني في الشرق الأوسط فهي ليست حليفًا قويًا يعتمد عليه في المستقبل، أو أماكن يسيطر عليها عدو تخشاه أمريكا ويهدد مصالحها.

والصراعات والحروب تملأ «الجيوب» بالنقود!

السلوك الغربي تجاه دول الشرق الأوسط يفتح الباب للعديد من الأسئلة، فعلى سبيل المثال: هل من مصلحة أمريكا أن تنهي الحروب، والنزاعات، وأسباب الفقر، والتدهور في البلدان التي تعاني من تبعات الحروب العسكرية التي قد تكون أمريكا قد شاركت فيها، مثل: العراق، وليبيا، وسوريا، وأفغانستان؟ في الحقيقة الإجابة: لا، ليس من مصلحة أمريكا أن تفوت الفرصة على نفسها في الحصول على عقود بيع الأسلحة بالملايين، إلى جانب أراض لتجارب الأسلحة الجديدة، وعقود الاستثمار، وإعادة الأعمار في البلدان المتضررة بالملايين أيضًا. 

أما على الجانب الاقتصادي، كيف تسمح الدول الغربية لدول الشرق الأوسط بتكوين اتحاد كبير يرعى ويسير مصالحها؟ ماذا لو تفوق هذا الاتحاد الشرق أوسطي على الاتحاد الأوروبي، وانقطعت التجارة، والاستثمار، والتصدير، والاستيراد؟ خسائر كبيرة قد يتكبدها الغرب إن ساعد على قيام كيانات اقتصادية، وعسكرية موحدة في الشرق الأوسط، ولذلك قد تفكر دول الغرب في بقاء الوضع كما هو عليه، ولا حاجة لخطة مارشال جادة لإنقاذ الشرق الأوسط أو غيره.

وأخيرًا يمكن تفسير هذا السلوك الغربي من وجهة نظر أخرى تقول إن الرجل الأبيض لا يهتم إلا بالعرق الأبيض، وقد يفسر هذا المنطق سر خطة مارشال الناجحة لأوروبا، وعدم إطلاق خطة مارشال لأية دولة أخرى في العالم، رغم وجود قانون في الدستور الأمريكي للمساعدات الخارجية تسببت خطة مارشال القديمة في صياغته!

دولي

منذ 7 شهور
مترجم: بعد بريطانيا.. هل تنسحب فرنسا من الاتحاد الأوروبي؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد