اختصر مشهد اختلاط دماء الفلسطيني «باسل الأعرج» مع الكتب، مسيرة حياة وفكر وثورة الصيدلاني ذي الشعر الكثيف الأسود، وصاحب الابتسامة العريضة.

الأعرج، قائد الحراك الشبابي ضد الاحتلال الإسرائيلي، والذي أفلت من قيد الانتماء للتنظيمات الفلسطينية صنع وحده فكره النضال الفردي، بعد أن رفض فكرة الانتظار حتى تحقيق الإجماع الوطني، فضل الرجل أن يحتضنه التراب على خيارين كليهما مر بالنسبة له، الاعتقال في سجون السلطة الفلسطينية، أو في سجون الاحتلال الإسرائيلي.

القلم في جعبة «الأعرج»

»بدك تصير مثقف، بدك تصير مثقف مشتبك ما بدك مشتبك، لا منك ولا من ثقافتك ولا في فايدة منك«، هذه واحدة من أبرز الجمل التي قالها الشهيد باسل الأعرج، وتناقلها الفلسطينيون لاختصار مسيرة الرجل النضالية.

باسل الأعرج

باسل الأعرج ( شبكة القدس الإخبارية)


المثقف الصيدلاني، كتب على «شبكة القدس الإخبارية» العديد من المقالات التي قدمت ذخرًا ثقافيًّا خاصًا بالقضية الفلسطينية، كتب يدعم المقاومة، ويدعو لمقاطعة جميع أشكال الحياة مع «الاحتلال» في فلسطين، وخارجها.

في مقاله «عش نيصًا وقاتل كالبرغوث» يقول باسل: «ويستخدم النيص في تنقله ودخوله وخروجه عدة طرق محددة ومعينة، ويبدو كأنها مدروسة، ويملك نوعًا غريبًا من البارانويا أو ما نسميه فلسطينيًّا بالحسّ الأمنيّ«، كما عمل الباحث المحارب في مشروع توثيق أهم مراحل الثورة الفلسطينية، مرحلة امتدت منذ ثلاثينيات القرن الماضي ضد الاحتلال البريطاني، حتى الآن، وقو أعد دراسةً عن خصائص منفذي عمليات الطعن والدهس في العامين الماضيين.

يقول المؤرخ والمهتم بالتاريخ الشفوي «حمزة العقرباوي» إن الأعرج كان ظاهرة، فهو باحث اختص في البحث عن تاريخ الثورة، وامتلك طموحًا كبيرًا في إقامة جولات معرفية في تاريخ المقاومة، وهو كاتب التاريخ الشفوي في دائرة سليمان الحلبي، وهو الباحث الذي كتب المادة الأساسية من مرجعيات وبحث لبرنامج «باص47» الذي يبث على التلفزيون الفلسطيني.

ويضيف العقرباوي: «كان ينظر إلى تاريخ البطولة ككنز، ويحرص على توثيقه وتدوينه، وخلال ست سنوات من العمل في رام الله أسس قاعدة من الباحثين تؤمن بأهمية تدوين التاريخ الشفوي للمقاومة الفلسطينية».

ويوضح العقرباوي الذي عمل أكثر من مرة مع الأعرج: «كان باحثًا غير أناني، قيمه العليا جعلته يسعى لتوظيف الناس لخدمة القضية، أذكر أنه قبل أسابيع من اختفائه التقى بعددٍ كبير من الباحثين، ووضع أمانة في أعناقهم أن يقوموا بإجراء أبحاث عن عدة شخصيات في التاريخ الفلسطيني»، وعن الأعرج الإنسان يقول العقرباوي إن اهتمامه بالحقوق النقابية والحقوقية والعمالية لم يكن مجرد شعارات، فقد دافع الرجل بنصائحه وحضوره الشخصي عن المضطهدين في العمل النقابي والجماهيري، ويضيف: «أذكر عشرات المواقف للعمال الذين طردوا من عملهم، أخذ باسل يوجههم ويصطحبهم للقانونين لاسترداد حقوقهم».

العقرباوي، وهو مختص في مجال رحلات التجوال، يقول إن الأعرج كان لديه رؤيته الخاصة في التجوال، ويوضح لـ«ساسة بوست»: «أذكر في إحدى الجولات داس المتجولون زرع القرية، فكتب باسل مقالًا يعرب عن غضبه من سوء فهم المتجول لحرمة المكان، وقداسة الأرض التي يتم التجول فيها، لقد ضخ باتجاه خلق التجوال المعرفي في فلسطين، وعندما كنا نحتاج لحل خلاف نتصل به فلا يبخل في إنهاء هذه المسالة التاريخية بيننا»، ويختم بالقول: «كان ظاهرةً ومنارةً لكل الشباب، ومن حسن حظنا أنه كان قريبًا منا في رام الله، وكان يضللنا كغمامة في كل فرقنا البحثية وجهدنا كمهتمين بالتاريخ الفلسطيني، أشعر أن عمودنا الفقري الذي كنا نستند عليه انكسر».

الأعرج يضع «قلمه» ويبدأ المقاومة

لم يشف القلم وحده غليل الأعرج، كان عليه تقديم الكثير في ساحة المعركة كمقاتل فردي، فقناعته التي أعرب عنها تمثلت في أن «القتال الفردي» هو بديل عن غياب الانتفاضات الجماعية، لذلك قاد ابن بلدة «الولجة» الواقعة في بيت لحم، والتي تعد أهم البؤر الساخنة في المقاومة الشعبية ضد الاستيطان، وضد الجدار العنصري الذي قسم بلدته، حراكًا شبابيًّا، لم يكن ليقتصر على اقتحام متجر «رامي ليفي» الاستيطاني، ولا على تنظيمه لرحلات ميدانية بهدف التعريف والربط بالأرض الفلسطينية المحتلة، فالعديد من مبادراته الوطنية والفكرية خدمت غايته تلك، كأن يتصدر المظاهرات الشعبية ضد الاحتلال، ويكون أول المحتجين على زيارة وزير دفاع جيش الاحتلال السابق «شاؤول موفاز» عام 2012، إذ تعرض للضرب من الأمن الفلسطيني، وأصيب بجراح.

وقد تحدثت مصادر فلسطينية عن أن «الأعرج شكل نموذجًا جديدًا من التنظيمات، يختلف عن التنظيمات التقليدية، ويتميز بالمرونة الواسعة، ويضم عناصر من حماس وفتح والجهاد والشعبية وغيرهم».

باسل الأعرج

باسل الأعرج في مواجهات مع الاحتلال


أحدثت مسيرة الأعرج التفافًا شعبيًّا كبيرًا معه من قبل الشعب الفلسطيني والعربي، فالشاب الذي درس الصيدلة في إحدى الجامعات المصرية، وكان من الممكن أن يعيش حياة عملية جيدة في مجال دراسته، اختار طريقًا ذا أشواك، ويرجع أستاذ الإعلام في جامعة بيزيت «صالح مشارقة» سبب هذا الالتفاف في حديثه لـ«ساسة بوست» إلى أنه: «كان سبقًا اجتماعيًّا في نسيج الثقافة والسلاح، هذا النموذج مفتقد منذ عقود في فلسطين، ولدى حركات التحرر العالمية. باسل كان هذا النسيج، وهذا السبق باختصار».

ويوضح الكاتب الصحافي أحمد البيتاوي أن: «الناس في مجملها تنجذب للشخص الذي يتبع أقواله بأفعال، وهي لا تحبذ المثقف المنظر فقط البعيد عن الميدان»، ويتابع القول عن الأعرج: «جاء في زمان صعب، إذ تشهد الضفة الغربية مرحلةً ذهبية بالنسبة للاحتلال فيما يخص التنسيق الأمني مع الاحتلال، والأعرج هو آخر ضحايا هذا التنسيق، والمؤشرات تدل على أنه لن يكون الأخير».

ويضيف: «أيضًا الأعرج يعتبر أول شهيد يقضي في عملية اغتيال دون أن يتبناه أي فصيل بشكل رسمي، وإن كان يقال إنه قريب من حيث الفكر لليسار، وهذا يدلل على المرحلة التي وصلت إليها الفصائل كلها، فكونه غير منتمي لحزب معين أكسبه تأييد الكل الفلسطيني«.

ويشير البيتاوي خلال حديثه لـ«ساسة بوست»: «الشهيد الأعرج كان من الصنف الأول، الرجل مارس المقاومة بكافة أشكالها الشعبية والجماهيرية والعسكرية أيضًا، وقبل هذا شارك في معركة الوعي من خلال تعريف الجيل الناشئ بالقضية الفلسطينية، وأهم المحطات التي مرت بها في التاريخ القديم والحديث، وهذا شيء نحن في أمس الحاجة إليه هذه الأيام«.

يعد الأعرج القتيل رقم 285 بين شهداء انتفاضة الأقصى الذي قال عنهم ذات مرة: «لقد تملكني هؤلاء الشباب وسكنوا بي.. ولا أستطيع الحديث عنهم بالكلام«، وقد كتب في وصيته قبل أن ينضم إلى قافلة الشهداء: «منذ سنين انقضت وأنا أتأمل كل وصايا الشهداء التي كتبوها، لطالما حيرتني تلك الوصايا، مختصرة سريعة مختزلة فاقدة للبلاغة، ولا تشفي غليلنا في البحث عن أسئلة الشهادة».

السلطة الفلسطينية.. «حاضرة» في اعتقاله واغتياله

«الشهيد باسل الأعرج له شرف المقاتل، ورغم اعتقاله وتعذيبه من السلطة الفلسطينية لم يطلق رصاصة على الأجهزة الأمنية«، إن ما قاله راعي الكنيسة اللاتينية في فلسطين، الأب «مانويل مسلم» حقيقة وقعت حتى في الاعتقال الأخير للأعرج، فعندما وصلت السلطة الفلسطينية لمكانه مع رفاقه، كان بإمكانه إطلاق النار على عناصر الأمن الفلسطيني ومقاومة اعتقاله، لكنه آثر حقن الدماء.

باسل الأعرج

الأعرج مصاب على أيدي السلطة الفلسطينية (مصدر : أحمد شحدة)


اعتقل الصيدلاني الأعرج في مارس (آذار) 2016 بتهمة التخطيط مع خمسة شبانٍ آخرين لتنفيذ عملية ضد إحدى المستوطنات، تبعًا للمصادر الأمنية الفلسطينية والإسرائيلية، وشغلت عملية الاعتقال تلك الشارع الفلسطيني بأكمله، فبينما كان الاحتلال يبحث عن هؤلاء الشباب، أحكمت أجهزة أمن السلطة خطة ملاحقة للتمكن من اعتقالهم، بعد أن أشاعت أن الشباب مفقود وأهلهم يبحثون عنهم، وبالفعل تمكن الأمن الفلسطيني من الوصول لمكان اختباء الشباب الخمسة في الجبال شمالي رام الله.

قضى الأعرج ورفاقه داخل سجن أريحا التابع للسلطة خمسة أشهر، تعرض مع رفيقيه هيثم سياج، ومحمد حرب للتعذيب والشبح والشتم والتهديد، كما أكد محامي مؤسسة الضمير «أنس البرغوثي»، ونقل عن شقيق باسل القول: «أول 12 يومًا من الاعتقال في سجن أريحا تعرض لأقسى أنواع التعذيب والشبح، ونقل إلى المستشفى لتدهور حالته الصحية جراء التعذيب المستمر، توقف قلبه ست مرات خلال فترة اعتقاله، وحولوه للخدمات الطبية العسكرية لينعشوا قلبه».

سرعان ما خاض الأعرج إضرابًا عن الطعام، احتجاجًا على اعتقاله، وهو ما دفع السلطة الفلسطينية لإطلاق سراحه فيما بعد مع رفاقه، بعد خروجه من السجن اختار الأعرج أن يصبح مُطارَدًا لقوات الاحتلال على أن يجلس في بيته فيتم اعتقاله من أحد الطرفين، السلطة الفلسطينية أو الاحتلال، كان همه كبيرًا عندما يسمع خبر اقتحام منزله من أجل اعتقاله، كانت هذه الاقتحامات وصور الخراب التي تخلفها في منزله مؤلمة للغاية، حتى أنه في ديسمبر (كانون الأول) الماضي 2016 شهد مداهمة متواصلة لمدة عشرة أيام من قبل الجيش الإسرائيلي كل ليلة.

باسل الأعرج

صورة لباسل الأعرج سربها نشطاء خلال اعتقاله في سجن أريحا


وتظهر عملية اغتيال الأعرج تعاون السلطة الفلسطينية بسماحها لاستباحة الضفة الغربية من قبل الجيش الإسرائيلي، إذ تظهرها هذه العمليات شريكًا أمنيًّا مع الاحتلال، ومعنية بمحاربة ظاهرة المطاردين والمسلحين في الضفة الغربية.

يقول أستاذ العلوم السياسية والإعلام في جامعة فلسطين التقنية (خضوري) محمد اشتيوي من طولكرم: «إن جريمة اغتيال الشهيد باسل الأعرج تأتي في سياق استهداف الاحتلال للبنية التحتية للمقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية، وخاصة ظاهرة المطاردين، إذ ينفذ الاحتلال حملات مداهمة واعتقالات يومية في جميع محافظات الضفة الغربية، تستهدف جميع الفلسطينيين الذين يحاولون إعادة بناء تنظيماتهم المسلحة، أو حتى الذين يعملون على تفعيل أي دور اجتماعي أو سياسي لهذه التنظيمات الفلسطينية».

ويضيف اشتيوي لـ«ساسة بوست»: «بالتالي الاحتلال لا يقيم وزنًا للسلطة الفلسطينية، ويرى فيها وكيلًا أمنيًّا، بعد أن حصر العلاقة معها في ملف التنسيق الأمني، وأصبح أمرًا عاديًا استباحة مناطق تصنف على أنها تحت سيطرة أمنية فلسطينية».

اغتيال الأعرج من مسافة الصفر

ليلة الاثنين، يوم السادس من مارس (آذار) عام 2017، وبينما كانت الساعة تقترب من الواحدة والنصف منتصف الليل، اقتحمت الآليات الإسرائيلية بيتًا قريبًا من مسجد البيرة الكبير الذي يتوسط مدينة البيرة، داخل مناطق السلطة الفلسطينية.

باسل الأعرج

من بيت عزاء باسل الأعرج ( شبكة القدس الإخبارية)


خططت القوات الإسرائيلية لهذه العملية كثيرًا، وشارك في التخطيط والتنفيذ قوات من «حرس الحدود»، ووحدة «اليمام» الخاصة، وجيش الاحتلال، وجهاز «الشاباك» أيضًا، سرعان ما بدأ إطلاق النار تجاه شقة سكنية في هذا البناء، وسرعان ما جاء الرد من داخلها، إذ كانت بندقية من نوع M16، وسلاح كارلو في انتظار المقتحمين منذ عدة شهور، حينها أدرك جنود الاحتلال أن المقاتل باسل مصرٌ على أن تصيب رصاصته أجسادهم، مقدمًا روحه فداءً للنيل منهم، عجلوا بالرد بقذيفة «أنيرجا»، فكانت هذه القذيفة هي سبب مقتل باسل الأعرج التي أوقفت جسده عن المقاومة.

وصف الاشتباك تبعًا لشهود العيان بأنه عنيف وسريع، إذ لم يستغرق إطلاق النار أكثر من خمس دقائق، بعدها دخل جنود الاحتلال المكان وحملوا جثمان الأعرج من قدميه ورجليه، وبينما كان جسده يرتطم بالأرض كانت دماؤه تنزف، وتترك أثرًا في كل مكان.

باسل الأعرج

مكان قتل باسل الأعرج


خرج الجنود الإسرائيليون من المكان، ليعجل أهالي «البيرة» بدخوله قبل أن يعرفوا هوية الضحية، كان مشهد الدماء على الكتب وأصص الورد موجعًا للغاية، اخترق الرصاص كل شيء في المكان، مقتنيات البيت، أثاثه، وتناثرت أيضًا كتب المفكر غرامشي، وقضايا الفكر العربي المعاصر، وأزمة الحضارة والحرية، ومجلة الدراسات الفلسطينية، ومجلة العربي الكويتية، واتضح أن رواية «المسكوبية» لأسامة العيسة هي آخر ما كان يقرؤه الأعرج، فقد وضع علامة تُشير إلى وصوله إلى صفحة (72).

رحل الأعرج ليجعل من موته مسيرة نضال يجمع عليها الكل الفلسطيني بشكل كبير، فقد «ترأس مجموعة خططت لتنفيذ عمليات ضد أهداف إسرائيلية، وهو كان موجه المجموعة والمسؤول عن اقتناء السلاح»، كما قالت المتحدثة باسم شرطة الاحتلال الإسرائيلي «لوبا السمري» في تبريرها لعملية اغتياله.

المصادر

تحميل المزيد