بعد الحرب العالمية الثانية وخسارة هتلر، احتكر اليهود مفهوم «الضحية»، وأصبح رأس مالهم القومي، وعندما تأملت الباحثة الإسرائيلية أربيلا أزولي تاريخ ما بعد الهولوكوست وجدت أن التاريخ الإسرائيلي وثَّق أحداث الهولوكوست على أنها اختبار لتحقيق الشرّ باستخدام هؤلاء اليهود الضحايا، وذلك ساعد إسرائيل في ترسيخ الاضطهاد الذي كانوا يعانون منه، وإذا سقطت الدولة سيعانون أضعافه.

بالتالي أصبح لعب دور الضحية يمكن أن يعيشه أيّ يهودي أيًّا كان ما فعله أسلافه في الحرب، وأيًّا كان ما حدث لهم أثناء الحرب، وأصبح كل مواطن يهودي يعي الآن أنَّ أي تخلٍ عن حق الدولة المستمر في ترسيخ أقدامها وإثبات قوتها هو خيانة لضحايا الهولوكوست وخيانة لتاريخ إسرائيل. ولذلك رفض اليهود تسمية من قُتلوا على يد النازيين بـ«الأبطال» أو «شهداء حرب» بالرغم من وجود عدة مجموعات مقاومة يهودية ضد النازيين؛ ولكنّ كلمة «الضحية» هي مُبررهم القوي والمستمر لوجودهم.

يحتل مفهوم «الشهداء» مكانًا مهمًا في السرد التاريخي والقومي لأيّ دولة، فالأعمال البطوليَّة والبذل الذي يُقدمه هؤلاء الشهداء يتحوَّل إلى رمز لكل الحركات القومية، وبصمة مهمة في التاريخ؛ لأن قصص هؤلاء الشهداء تشارك بشكل رئيسي في معرفة الأحداث التي مرت في التاريخ، أو كما قالت شانون دين دكتورة دراسة الأديان في جامعة قونزاقا: إن هؤلاء الشهداء شاركوا في «إنتاج الحقيقة»، وتصبح قصصهم مسارًا من مسارات النضال الذي تمنى كل مناضل أن يصل إليه.

سنتناول في هذا التقرير فكرة «الشهداء» في ثورتين: ثورة الغناء في ليتوانيا عام 1989، وثورة 25 يناير (كانون الثاني) في مصر عام 2011، بالرغم من أنهما مختلفتان في الزمن، ولكن لديهما وجوه تشابه عدة في الحشد الشعبي للحركات السياسية، ودور الشهداء البارز في كلتيهما.

في بحثٍ لدكتور دراسات الشرق الأوسط في جامعة لندن لينا خطيب، ودكتورة إليزابيث بيكنر من جامعة تورونتو، يوضحان أن الربيع العربي قدَّم نموذجًا جديدًا للشهيد في الوطن العربي، وذلك بجعل أسطورة «شهيد الدولة» ملكًا للشعب، ويمكن لكل مواطن قُتل في الثورة أن يُسمَّى «شهيدًا» دون الحاجة إلى تعريف من الدولة لهوية هذا المواطن، وأصبحت قصص الشهداء لها دور مهم في خلق الهوية الثورية والمُشترك الثوري بين جميع الأطياف المختلفة، وذلك بالمثل في ثورة ليتوانيا. لكن يُعقِّب عالم الاجتماع ديدر فاسن على ذلك بأنّ الاضطرابات السياسية بين الحركات الثورية بعد الثورة تجعل الاستشهاد فعلًا ذاتيًّا سياسيًّا يخدم فئة سياسية بعينها، وتتحول السرديات التي تحكي قصة الشهداء إلى سرديات فردية مُوجهة تيارات سياسية معينة.

 

ثورة الغناء

في أواخر عام 1990 وانهيار الاتحاد السوفيتي، طالبت عدة دول بالاستقلال عن الاتحاد السوفيتي، وفي يناير عام 1991، حدث تصاعد متسلسل للأحداث الثورية ضد الاتحاد السوفيتي في دولة ليتوانيا فيما يُسمى بـ«الأحد الدموي» الذي أعلنت فيه الحركات الثورية بقيادة حركة الإصلاح «ساجو ديديس» الاستقلال عن الاتحاد السوفيتي، ولكن لم يعترف الاتحاد السوفيتي بهذا الاستقلال، وقامت القوات السوفيتية بمهاجمة الأبنية الاستراتيجية (الإعلام والبرلمان)، وتجمع حشود من الشعب حول هذه الأبنية بنيّة حمايتها وحماية شرعية استقلالهم من الانقلاب عليها، وقُتل حينذاك من الشعب الليتواني ما يقرب من 13 شخصًا، وعلى أثر ذلك حدثت ضغوط دولية عجّلت باعتراف الاتحاد السوفيتي باستقلال ليتوانيا، وانضمت إلى الأمم المتحدة عام 1991، وإلى الاتحاد الأوروبي عام 2004.

وثائقي- ثورة الغناء عام 1991

في عام 1991، قام الصحافي التلفزيوني الروسي إلكسندر نيفزروف بعمل فيلم وثائقي يصوِّر القوات السوفيتية أنها كانت تقوم بحماية ليتوانيا من أعمال التخريب والبلطجة، ويقول فيه إن الضحايا الذين قتلوا في أحداث يناير تم قتلهم عن طريق الثوار أنفسهم. ومنذ البدء في بث هذا الفيلم قامت وسائل الإعلام الليتوانية بحملة شرسة ضد فيلم إلكسندر، ونفي الأكاذيب التي نشرها في هذا الفيلم على حد وصفهم، وشاركت الكنيسة الأرثوزكسية في هذه الحملة، وقام بعض الكُتاب بعمل منشورات صحافية تدعو إلى مقاطعة الإعلام الروسي.

دفعت هذه الحملة الروسية الثوار إلى توثيق قصص 13 شهيدًا قتلتهم القوات السوفيتية، حتى تُثبت كفاح الثورة وتضحيات الثوار. قامت أستاذة دراسات الشرق الأوسط إيفا زاكريفيست بجامعة «لودفيغ ماكسيميليان» في مدينة ميونخ الألمانية بعمل بحث يدرس القصص البطولية التي صنعها ورواها الثوار لشهدائهم، وركّزت على ثورة ليتوانيا والثورة المصرية في يناير عام 2011، وحللت قصص بعض الشهداء التي رواها الثوار والذين أصبحوا بعد ذلك أيقونة من أيقونات الثورة، فعلى سبيل المثال في ليتوانيا كان هناك الشهيد:

 

تيتاس- Titas.. يمامة السلام

وهو شاب يبلغ من العمر 28 عامًا وكان يعمل مُهندسًا، واسمه اشتقاق من اسم «اليمام»؛ ولذلك كان يُكتب عنه مقالات ويُرمز له بـ«يمامة السلام»، وكان مُحبًا للطبيعة والحيوانات ومعروفًا بين أصدقائه وأقاربه بالطيبة، وتم تكريم أجداده لأنهم أنقذوا طفلًا يهوديًّا من القتل على يد النازيين في الحرب العالمية الثانية.

تم بناء قصة حياة تيتاس عن طريق التركيز على صفات وسلوكيات معينة، وبعض المواقف الجيدة بين أصدقائه التي من الممكن على حد تعبير إيفا «أن تتواجد بشكلٍ عام في أغلب البشر»، ولكنَّ الصفات التي أبرزتها ليتوانيا في شهدائها كانت تهدف إلى مدى نقاء الثوار ومدى وحشية السوفيت في قتل هؤلاء الأبطال، ولا توجد أي قصص خارجة عن صفات النُبل والبسالة لهؤلاء الشهداء، حتى وإن كنا لا نعلم انتماءهم للثورة، وإذا كانوا مشاركين فيها أم مُجرد ضحايا.

مسلسل «الباقون- The Leftovers» تدور أحداثه بعد ثلاث سنوات من اختفاء 2% من سكان العالم فجأة، ولا يعرف أحد إلى أين ذهبوا، ويُقام كل عام حفل لإحياء ذكرى هؤلاء الذين رحلوا عن العالم، وقام الكثير من الناس بادعاء أن هؤلاء هم أكثر الناس نقاءً في العالم؛ ولذلك اصطفاهم الرب لكي يسكنوا بجانبه، وقام أحد الصحافيين بعمل بحث عن قصص هؤلاء المختفين، ووجد فيهم من كان قاتلًا، ومن كان عليه أحكام بالسجن بسبب اغتصابه لأطفال، وكانت ردود الأفعال عنيفة تجاه هذا الصحافي لأنهم لا يريدون تشويه تلك السردية النقية لهؤلاء البشر الراحلين.

قصص الثوار

موكب جنازة تيتاس يوم 16 يناير عام 1991

 

«سالي زهران».. «جان دارك» الثورة المصرية

تعتبر قصة سالي زهران من القصص الثورية الأكثر تعقيدًا وجدلًا، وفتحت الأبواب لعدة موضوعات تتعلق بمكانة المرأة وحريتها، ومعضلة الانتحار وحكم المجتمع على المُنتحر بالكفر، وذكورية المجتمع الذي يمكن أن يحذف أو يضيف لشخصية الإناث، وتلك الذكورية التي تجعل النساء اللواتي قطعن طريقهن إلى الاتجاه الثوري تتعرض للرقابة والتحدي الشرس.

توفيت سالي يوم 28 يناير 2011 المعروف باسم جمعة الغضب، وتناثرت الأقاويل حول طبيعة وفاتها وما إذا كانت ناشطة من قبل أم لا، وأعلنت التقارير الأولى عن وفاتها أنها تعرضت للضرب من قبل بلطجية في مدخل ميدان التحرير، وأدى ذلك إلى حدوث نزيف داخلي لها ومن ثم توفيت.

انطلاقًا من هذا التقرير نُشرت صور سالي في ميدان التحرير وعلى الجدران حتى رسمها الفنان حلمي التوني ووصفها بأنها «جان دارك المصرية»، وتُعد جان دارك من الأبطال القوميين في التاريخ الفرنسي، وقادت الجيش الفرنسي في عدة انتصارات عام 1429.

قصص الثوار

تطورت شهرة سالي إلى أن أعلنت الممثلة منى زكي أنها ستقوم بعمل فيلم يحكي سيرة حياة سالي زهران، ويُعد تكريمًا لها ولشهداء ثورة 25 يناير، ووصلت شهرتها ذروتها بعد ترويض شائعات بأن وكالة ناسا الفضائية قامت بإدراج اسم سالي زهران على مركبة الفضاء التي ستسافر إلى المريخ.

بدأت وسائل الإعلام بعد ذلك في نشر أخبار عن أن سالي في يوم 28 يناير كانت في منزلها، وكان أبواها قد منعاها من الانضمام إلى المظاهرات في ميدان التحرير، وقفزت من شباك غرفتها من الدور التاسع مما أدَّى إلى وفاتها، حدثت جلبة واستياء على مواقع التواصل الاجتماعي من تلك الأخبار والمسميات التي أطلقها الإعلام على سالي بأنها «شهيدة البلكونة»، وعلى أثر ذلك نفت الممثلة منى زكي أنها تعمل على فكرة فيلم سيرة حياة سالي زهران بعد تلك الأخبار، وذلك أيضًا بعد أن صرحت والدة سالي بأنها بالفعل سقطت من سور شرفة المنزل بعد تهديدها لوالدتها إذا لم تسمح لها بالنزول في المظاهرات بأنها ستنتحر، ثم اختل توازنها وسقطت بالفعل من الطابق التاسع.

https://www.youtube.com/watch?v=QqvSohh4bWk

والدة سالي تحكي عن يوم وفاتها

 

تصاعدت الأوضاع إلى مستوى آخر عندما صرحت والدة سالي بأنها كانت «مُحجبة»، وطلبت إزالة كل تلك الصور التي تكشف شعرها من على مواقع التواصل الاجتماعي، مما فتح مجالًا للتيارات الإسلامية بوضع صورها على مواقعهم بعد إضافة الحجاب بالفوتوشوب، ولكن بعد قول أشقائها إنها لم تكن محجبة رأى البعض أنها فكرة يتم فرضها الآن عليها وهي في الأصل لم تكن محجبة، وبدأت صورها بدون حجاب تظهر ثانيةً، وتقاسم كل طرف سردية الحجاب على حسب انتماءاتهم الفكرية.

صمدت قصة سالي زهران بالرغم من كل ذلك وأصبح لم يعد يهم ما إذا كانت ناشطة أم لا، وإذا كانت محجبة أم لا، وظلت صورتها من ضمن الورود التي «فتَّحت في جناين مصر».

يقول والتر أرمبرست، أستاذ علم الاجتماع في جامعة أكسفورد، عن سالي زهران في دراسة عن الربيع العربي في مصر: «سالي أكثر شهيدة استفاد منها المجتمع، لأنَّ قصتها سلطت الضوء على العديد من الأمور الاجتماعية المهمة، صحيح لم تكن الثورة من أجل المرأة ولكن موت سالي دفع مبادرات عدة لإعادة التفكير في مكانة المرأة في المجتمع المصري».

قصص الثوار

كلنا خالد سعيد

في 6 يونيو (حزيران) عام 2010، تعرَّض خالد سعيد للضرب المُبرح الذي أفضى إلى الموت من قَبل اثنين من رجال الشرطة بعد رفضه لاعتقاله وهو داخل مقهى إنترنت، وثار جدل كبير حول وفاة خالد سعيد، وذلك بعد التشريح واتهامه أنه قام ببلع لفافة من الحشيش وهي التي تسببت في موته.
عندما انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صورة وجهه الذي به العديد من التشوهات والكدمات، كان هناك رد فعل غاضب تجاه ليس فقط التعامل الوحشي من رجال الشرطة ولكن أيضًا محاولة تشويه سمعة خالد سعيد واتهامه بتعاطيه المخدرات.

انطلقت بعد ذلك صفحة على فيسبوك باسم «كلنا خالد سعيد»، وكانت تنشر تطورات قضية خالد سعيد، ثم بدأت تنشر أعمال العنف التي تمارسها الدولة ضد المواطنين، وكانت صوت الناشطين المصريين، وكان لها دور رئيسي في تعبئة الشعب من أجل تصعيد الاحتجاجات، كانت الصفحة قبل الثورة يعكس اسمها معنى أننا كلنا ضحية مثل خالد سعيد، كلنا تحت وطأة عنف الدولة وكلنا ضحايا للعنف، ولكن بعد الثورة أصبح كلنا شهداء الثورة وكلنا مناضلون من أجل الثورة، هذا التحول هو تحول أيضًا لتعريف خالد من كونه ضحية عنف الدولة إلى ثائر شهيد.

قصص الثوار

انتشرت قصة أخرى عن سبب ضرب الشرطة لخالد، وكانت من ناشط سياسي من الإسكندرية، أن خالد تعرض للضرب بسبب تصويره لمشاركة أفراد الشرطة في صفقة لبيع المخدرات وانتشرت هذه القصة عبر الإنترنت، لكن يقول «عمرو علي»، وهو أستاذ مساعد في الجامعة الأمريكية: إن تلك القصة جاءت لتحويل الانتباه من قصة أجهزة الإعلام لتعاطيه المخدرات إلى «قصة بطولية» تتماسك وتلتحم مع نسيج الثورة، وكما حدث في ليتوانيا من تشويه للثورة على يد الروس قامت وزارة الإعلام بادعاء أن «خالد» هارب من الجيش ولديه قضايا سرقة وحيازة سلاح، وكان الرد من الثوار هو تحويل خالد سعيد من ضحية إلى شخصية ثورية حتى لا تُمحى أسطورة الثورة، وذلك بالمثل في تونس مع «محمد بو عزيزي» المواطن الذي أضرم النار في نفسه خلال ديسمبر (كانون الأول) عام 2011 احتجاجًا على مصادرة سلطات البلدية عربة كان يبيع عليها الخضار، وكان بو عزيزي أيقونة من أيقونات قيام الثورة التونسية، وكانت الصورة التي رسمتها له الثورة على أنه شاب جامعي عاطل واضطر إلى بيع الخضروات؛ ولكنه في الحقيقة بائع خضروات في الأصل.

 

خاتمة

تقول شانون دين، أستاذة دراسة الأديان في جامعة قونزاقا: إنَّ فكرة الشهيد ليست حدثًا تاريخيًّا إنسانيًّا فقط؛ بل هناك دائمًا أهداف سياسية واجتماعية خاصة لمن يستعملون هذه الكلمة كـ«أيقونة» ويقومون بتعميمها.

يتضح من المذكور أعلاه أن هوية الشهداء تتشكل بشكلٍ جماعي من روايات العامة بعد وفاتهم، وتوضَع بعناية لتناسب الصورة البطولية المطلوبة، والتي تعكس القيم الثورية الرائدة، وكل الروايات التي ينشرها أعداء الثورة يجب أن تواجه بروايات تحمل الكثير من القيم الإنسانية، وتُقدم حقائق بديلة تُعمم، وتكون إرثًا ينتقل عبر الأجيال، وتُفرض على التاريخ، وتخدم أغراض القومية والانتماء، وأيضًا هوية التيارات التي يُمثلها هؤلاء الشهداء.

 

المصادر

تحميل المزيد