ميرفت عوف

3

ميرفت عوف

3

1,953

خمسة عشر عامًا، من أصل حكم بـ 14 مؤبدًا و40 عامًا آخرين، قضاها القيادي الفلسطيني «مروان البرغوثي» في السجون الإسرائيلية، مسلحًا بالكثير من الوسائل في معركة ضد من يريد إقصاءه.

البرغوثي الذي يحظى بتأييدٍ شعبيٍّ جارف يدرك حجم المعركة التي تُخاض ضده من قبل إسرائيل والرئيس الفلسطيني «محمود عباس»، لذلك لم تكن خطواته الأولى في التصدي لذلك الإضراب عن الطعام الذي يقود قراره الآن في داخل السجون، فالرجل يمتلك الكثير من وسائل الضغط على كل الأطراف التي تستهدفه.

«البرغوثي» في مرمى نيران «عباس»

«إن هذا خطأ سياسي فادح، لأن المعلومات التي حصل عليها الإسرائيليون خلال مداهمة المكاتب الأمنية الفلسطينية تتعلق بشخصيات فلسطينية تقاوم الاحتلال مما ساعد على القبض على كثيرين»، هذا ما قاله محامي القيادي الفلسطيني مروان البرغوثي «خضير شقيرات» في العام 2002 عندما كانت يتحدث عن لائحة الاتهام الإسرائيلية ضد موكله.

مروان البرغوثي (المصدر: أسوشيتد برس)

لقد احتفظ مسؤولو الأجهزة الأمنية الفلسطينية بمعلوماتٍ ووثائق أدانت البرغوثي داخل مكاتبهم، ووصلت إليها قوات الأمن الإسرائيلي بكلّ سهولة، لكن لم تكن تلك الضربة الأخيرة التي يتلقاها البرغوثي من أسرته في حركة فتح والقيادة الفلسطينية  التي هو واحدٌ منها، ففي 3 من ديسمبر (كانون الأول) الماضي وبعدما حصل على 936 صوتًا (70% من أصوات أعضاء حركة فتح) يؤهله لمنصب نائب الرئيس، تلقَّى ضربة جديدة من اللجنة المركزية لفتح، إذ أقصي بشكلٍ واضح ومتعمَّد، وهو ما وصفته زوجة البرغوثي «فدوى» بالاغتيال السياسي، لقد وزعت اللجنة المهام على أعضائها، ولم تكلِّف البرغوثي الذي حصد الأصوات الأعلى بأيّ دور أو منصب في الحركة، ولم يكتفِ الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي يخاف من خلافة البرغوثي لرئاسته، بإقصائه بل حاول حرمان مؤيديه من تقلُّد المواقع التنظيمية المتقدمة في الحركة، للحيلولة دون تأثيرهم في القواعد التنظيمية.

ويرى مراقبون أن البرغوثي الذي ينافس عباس في الساحة السياسية الفلسطينية بشكلٍ عام وليس في حركة فتح وحدها، يمضي في بناء بنية تحتية تنظيمية داخل الحركة، ويدرك عباس كما إسرائيل أهمية منع أي غطاء سياسي قيادي للبرغوثي، حتى لا يصبح بديلًا عنه، بديلًا تؤكد استطلاعات الرأي أن الشعب الفلسطيني يفضله، بينما ثلثاهم يطالبون بتنحي عباس، كما أن التيارات الفتحاوية فضلت البرغوثي باعتباره مرجعًا قياديًّا داخل البيت الفتحاوي.

يقول الخبير الإسرائيليّ في الشؤون العربية «يوني بن مناحيم» إنّ: «المعطيات المتوافرة لدى الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تشير إلى أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس قرر إبعاد عضو اللجنة المركزية لحركة فتح مروان البرغوثي عن أي موقع تنظيمي داخل الحركة، خشية غضب إسرائيل التي تعتبر الأخير رمزًا للعمليات المسلحة خلال الانتفاضة الثانية»، مضيفًا: «إذا نجح إضراب البرغوثي ورفاقه عن الطعام واستجابت مصلحة السجون الإسرائيلية لبعض مطالبهم، فسيشكل ذلك أداة ضغط على عباس لإعادته بصورة رسمية إلى قيادة فتح».

إسرائيل تخوض حربها النفسية ضد «البرغوثي»

إن مبلغ العشرة آلاف دولار التي دفعتها إسرائيل للممثل «الياهوا» مقابل تمثيله مشهدًا ساخرًا يظهر البرغوثي المضرب عن الطعام وهو يأكل بسجنه، لمبلغٌ زهيدٌ للغاية في الحرب النفسية التي تخوضها ضد الرجل، إذ إنها مستعدة لفعل الكثير من أجل كسر عزيمته.

الممثل الإسرائيلي الياهوا وهو يؤدي دور «البرغوثي»

الآن يخوض اللوبي الصهيوني في بريطانيا معركة كلفته حجز كافة تذاكر عرض فيلم «مروان»، لمنع أي شخص آخر من الحصول على تذكرة، أما المعركة الأهم التي ما تزال تعيش «انتصارها» كما تعتقد إسرائيل فهي مقطع فيديو نشره وزير الأمن العام «جلعاد أردان» ويُزعم أن البرغوثي، الذي يقود إضراب الأسرى يأكل في زنزانته، ويظهر الفيديو الذي أجمع فلسطينيون على أنه مفبرك في أجزاءٍ منه، وأجزاء أخرى تعود لعام 2004، البرغوثي يجلس على المرحاض، وفي يده شيء لا تظهره رداءة الصورة، ادعت إسرائيل أنه «قطعة شوكولاتة» من نوع التورتيت، وتعليقًا على ذلك كتب أحد المغردين الإسرائيليين على تويتر: «إسرائيل التي تستثمر في الحلوى كسلاح لا تثبت إلا أنها تفتقر إلى أدوات حقيقية للتعامل مع إضراب الأسرى عن الطعام»، بينما قال آخر : «جلعاد أردان يتباهى بالتورتيت (صنف الحلوى)، وكأنه يتحدث عن تدمير المفاعل النووي العراقي».

وبينما قام المتطرفون في بداية إضراب الأسرى بحفلات شواء لحوم أمام السجون الإسرائيلية بغية استفزاز المضربين منهم، قام فرع شركة «بيتزا هت» في إسرائيل، بنشر منشورٍ على فيسبوك يسخر من الأسير البرغوثي وإضرابه عن الطعام قبل أن يدفع الهجوم على الشركة لاعتذار الشركة الأم باللغة الإنجليزية والعربية.

صور ة ساخرة نشرها إسرائيليون لـ«البرغوثي» وهو يمسك حلوى التورتيت

إذًا، إسرائيل ترى في البرغوثي رمزًا لفترة الصدام الفلسطيني الإسرائيلي أثناء الانتفاضة ولذلك تعمل على إقصائه، وهنا يقول الكاتب الإسرائيلي «بن – درور يميني»: «إنّ كشف البرغوثي بوصفه مخادعًا هو خطوة شرعية، لأنّ الإضراب عن الطعام يستهدف تهييج «المناطق»، والهياج معناه اضطرابات و«إرهاب». الهياج معناه إفشال كل مبادرة من جهة البيت الأبيض، الهياج هو أيضًا سفكٌ للدماء، هكذا حيث إن إضعاف البرغوثي، في الظروف الحالية، هو الأمر الأكثر عدلًا».
مضيفًا في مقال له عنونته «يديعوت أحرنوت» بـ«يجب إضعاف مروان البرغوثي»: «الصحيح حتى الآن أن البرغوثي شريك لـ«حماس» وعدو لفرصة استئناف المسيرة السياسية، مهما كانت طفيفة، وكشفه بوصفه مخادعًا ليس فقط حاجة بل واجب».

فيلم «مروان»

بعيدًا عن أرض السجون الإسرائيلية والقصر الحاكم في رام الله، تُخاض ضد البرغوثي معركةٌ أخرى، معركة أدواتها تذاكر عرض وقاعات، وأماكن، فرغبة المغتربين والنشطاء الفلسطينيين في بريطانيا باختيار لندن باعتبارها أول مكان لعرض فيلم «مروان» بالتزامن مع بدء إضراب الأسرى كان بمثابة ساحة معركة، سارع اللوبي الصهيوني في بريطانيا بالعمل على إفشال العرض، والتهديد بإفراغ قاعة العرض من خلال حجز دعوات لأشخاص وهميين، ونظم حملات على مواقع التواصل الاجتماعي ضد عرض الفيلم، ونظم تظاهرات في شوارع لندن، كما قام بحجز كافة تذاكر العرض، لمنع أي شخصٍ آخر من الحصول على تذكرة كما أسلفنا، ووصل الأمر لمطالبة هذا اللوبي إدارة الفنادق بإلغاء العرض، بل عندما اتصل موظف من أحد الفنادق بالشرطة لطلب مشورتها نصحته بإلغاء العرض.

تقول عضو لجنة إقليم «فتح» في بريطانيا ميسون الشرفا: «إن إدارة فندق «مايفير» ألغت العرض الأول في الساعات الأخيرة متعللةً بمشاكل لوجستية، فتقرَّرَ عرضه في الأسبوع التالي في فندق «ميلينيوم كوبثورن تارا» في كينسينغتون، لكن إدارة الفندق اتصلت للاعتذار في الساعات الأخيرة قبل العرض».

«إذا كان ثمن حرية شعبي فقدان حريتي، أنا مستعد لدفع الثمن»، جملة قالها البرغوثي في الفيلم الذي بلغت مدته 70 دقيقة، إذ يوثق الفيلم حياة البرغوثي مناضلًا، وقائدًا، كما يتطرق الفيلم للحياة الشخصية للبرغوثي الذي ارتبط بزوجته «فدوى» بعد حكاية حب، وقد عاشت معه حياةً صعبة بسبب مطاردته في انتفاضة الحجارة عام 1987 (الانتفاضة الأولى)، واعتقاله وإبعاده. ثم يتحدث عن دوره في مرحلة اتفاق أوسلو، ودوره في انتفاضة الأقصى حتى اعتقاله، تقول زوجة البرغوثي «فدوى»: «الفيلم هو نقلة حقيقية لتوثيق حياة النضال الفلسطيني، فالفيلم عرض حياة مروان على مدار 40 عامًا. هو رجل دفع حياته ثمنًا لحرية شعب، ويستحق أن توثق تجربته النضالية كتوثيق لتاريخ الحركة النضالية».

هل يرغم البرغوثي إسرائيل على إطلاق سراحه؟

«على ما يبدو، إن البرغوثي من خلال الإضراب عن الطعام لا يهدف فقط إلى وقف تغوُّل مصلحة السجون الإسرائيلية التي تنتهك حقوق الأسرى، بل أيضًا يهدف إلى بناء بيئة شعبية لا تسمح لعباس بمواصلة التجاوب مع المخطط الأمريكي الإسرائيلي». هذا ما خلص إليه المحلل السياسي «صالح النعامي» في مقاله المعنون بـ«لماذا قاد البرغوثي إضراب الأسرى؟» يؤكد على أن البرغوثي قادر على ضرب عباس وإسرائيل «بحجرٍ واحد».

القيادي «مروان البرغوثي»

البرغوثي الذي لم تستطع إدارة السجون الإسرائيلية التفاوض معه بشأن فكّ الإضراب، فاجأ هذه الإدارة في 18 أبريل (نيسان) 2017، بنشر مقالٍ له في صحيفة «نيويورك تايمز»، جاء فيه: «إنّ السنوات الـ15 التي أمضاها في السجون الإسرائيلية خولته أن يصبح شاهدًا وضحية لنظام الاعتقالات الجماعية العشوائية الذي تقوم عليه المنظومة الإسرائيلية غير القانونية بحق الفلسطينيين وإساءة معاملتهم».

لذلك لم يحُل قبوعه في الأسر منذ خمسة عشر عامًا من الخروج بين الفنية والأخرى بوسيلةٍ تكيد السلطات الإسرائيلية، إذ تمتع بنفوذٍ كبير يمكنه من إفشال مخطط إسرائيل لإسكاته ومن التصدي لرغبة عباس في إقصائه عن الساحة السياسية الفلسطينية، وحتى على الصعيد الدولي، البرغوثي قادر على إيصال رسائل، وقد نجح في تسويق نفسه أمام الرأي العام العالمي بأنه قد يكون مدخلًا لتسويةٍ تاريخيةٍ كبرى، فهو قيادي يعتبر أيَّ فلسطيني يساوم على حدود 1967 خائنًا، لكنه يؤكد أيضًا على ضرورة التوصُّل إلى حلٍّ عادل ونهائي ضمن بنود قرارات الأمم المتحدة، ورغم ما يظهر من تعنُّت السلطات الإسرائيلية في إطلاق سراحه سواء ضمن صفقات تبادل أو غيرها، إلا أنّ الصحافة الغربية تسرب أن أمر إطلاق البرغوثي يُتداول همسًا في الأروقة الدولية، فهو الذي «يردد أن السلم هو مبتغاه وأن الصدام مع المحتل لا يمنع من الحديث والتفاوض معه» كما يقول الكاتب السياسي «محمد قواص»، مضيفًا: «لا يحيد البرغوثي عن روحية أوسلو ولا يشوش على التفاهمات الدولية المبرمة بين السلطة الفلسطينية ودول العالم».

يدرك الإسرائيليون أنّ البرغوثي القادر من داخل وخارج سجنه، على فرض تحقيق الوحدة بين الفصائل الفلسطينية في إطار نضال سلمي، قد تجبر إسرائيل ذات يوم على إطلاق سراحه، وقد ذكر ذلك موقع «سيحا ميكوميت» العبري، فجاء فيه أن «البرغوثي الذي انشغل في الماضي بالدفاع عن حقوق الإنسان وانتقاد السلطة الفلسطينية لانتهاكها، وهو ما يشير إلى أنه حال تولي
الرئاسة الفلسطينية فسوف يصبح زعيمًا ملتزمًا بمبادئ الديمقراطية، قد نضطر يومًا ما
لإطلاق سراح مروان البرغوثي لتمكينه من خوض الانتخابات في السلطة الفلسطينية، فربما يستطيع البرغوثي إصلاح المنظومة الفلسطينية الفاسدة، وإنشاء نظام يخضع له كل الفلسطينيين».

من هو مروان البرغوثي؟

«كنت في الـ15 من عمري عندما سجنت للمرة الأولى، وكنت بالكاد في الـ18 عندما أجبرني محققٌ إسرائيلي على الوقوف مباعدًا بين ساقي وأنا عار، قبل أن يضرب أعضائي التناسلية. أغمي عليّ فورًا من شدة الألم وارتطم رأسي بالأرض، وما زالت به ندوبٌ من ذلك، وقال ساخرًا مني إن أمثالي يجب ألا ينجبوا لأنني لا أنجب سوى إرهابيين ومجرمين، لأجد نفسي بعدها بسنين داخل السجون الإسرائيلية من جديد أقود إضرابًا عن الطعام»، ذلك جزء من رحلة البرغوثي المكنَّى بـ«أبا القسام» مع التعذيب في سجون الاحتلال الإسرائيلي، فالبرغوثي الذي أصبح أبًا لأربعة أبناء تعرَّض أيضًا لأكثر من محاولة اغتيال، مرة بصواريخ موجهة، وأخرى بسيارة ملغومة، كما أُبعد واعتقل أكثر من مرة.

مروان البرغوثي

ولد الرجل يوم 6 يونيو (حزيران) عام 1958 في قرية كوبر إلى الشمال الغربي من مدينة رام الله، وتولى العديد من المسؤوليات السياسية. خاصة في حركة (فتح)، وكان وقت اعتقاله عام 2002 يعمل محاضرًا في جامعة القدس في أبو ديس، وأصدرت محكمة إسرائيلية في عام 2004 حكمًا بسجنه مدة 5 مؤبدات، بالإضافة إلى 40 عامًا، إذ ووجهت إليه تهمة قيادة الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، وقيادة مجموعات مسلحة واستهداف مواقع إسرائيلية. وتتهم إسرائيل البرغوثي في التورط مباشرة «في عمليات إرهابية، كما في العملية المسلحة التي وقعت في مطعم سي فود ماركت التي قتل فيها ثلاثة إسرائيليين، والمشاركة في تأهيل نشطاء إرهابيين عن طريق تمويل وتنظيم أطر تدريب لنشطاء اجتازوا تدريبات لتشغيل السلاح وتدريبات لياقة بدنية».

يذكر أنّ البرغوثي أصدر كتاب «ألف يوم في زنزانة العزل الانفرادي»، وكتاب «الوعد» وكتاب «الوحدة الوطنية قانون الانتصار».