كانت ليلة ممطرة كئيبة تلك التي رأت فيها ماري شيلي ذات الثمانية عشر عامًا في نومها شابًا نحيلًا شاحب اللون منكبًا على طاولة يحاول تجميع أجزاء من أجساد الموتى، ولصقها ببعضها البعض، بواسطة آلة تعمل بالكهرباء. وسرعان ما فتح هذا الشيء الرهيب المُسجَّى على الطاولة عينيه ودبَّت فيه الحياة، حتى أنه قد قام من على الطاولة وأخذ في التحديق في وجه صانعه الذي فر مذعورًا من هول ما رأى.  

مصدر الصورة: agustinadearagonschool

عامٌ بلا صيف شهد مولد أول رواية خيال علمي

بدأ الأمر كله في عام 1816، الذي كان عامًا بلا صيف؛ فقد شهدت فيه أوروبا سحبًا كثيفة على مدار العام؛ تسببت في حجب ضوء الشمس؛ مما جعل العام كله عبارة عن شتاء مستمر، والسبب في ذلك يرجع إلى ثوران بركان تومبارا في إندونيسيا، والذي استمر لمدة أسبوعين كاملين، وخلف سحبًا كثيفة وأبخرة عمت أرجاء آسيا، وامتدت إلى أوروبا؛ مما أحدث تغيرات جذرية في المناخ وأمطارًا رعدية مستمرة.

وفي ذلك العام، ذهبت ماري برفقة صديقها آنذاك – الشاعر الرومانسي بيرسي شيلي – إلى سويسرا بناء على دعوة أختها غير الشقيقة «كلير» ليتعرفا على صديق الأخيرة الشاعر الإنجليزي الشهير اللورد بايرون. وهناك أقاموا جميعًا في قصر اللورد بايرون المطلّ على بحيرة جنيف، والمُسمى بـ«فيلا ديوداتي». وفي يومٍ عاصف ممطر – أعاق الجميع عن التنزُّه خارجًا – جَمَعَ اللورد بايرون كلا من ماري وبيرسي شيلي، وطبيبه الخاص وصديقه المقرَّب الكاتب جون بوليدوري، وأخذ يقرأ لهم عددًا من قصص الأشباح الألمانية من كتابٍ في يديه، وانتهت الليلة بمسابقةٍ عقدها اللورد بايرون حول من يستطيع منهم كتابة أفضل قصة رعب.

ومن بين الجميع، كانت ماري هي الوحيدة التي أخذت المسابقة على محمل الجد، وظلت عدة أيام تبحث عن فكرة مناسبة دون جدوى، حتى واتتها الفكرة في إحدى الليالي التي أعقبت مناقشة علمية بين اللورد بايرون وبيرسي شيلي حول طبيعة الحياة، وتجارب داروين، وإذا ما كان إرجاع شخص للحياة بواسطة الكهرباء أمرًا ممكنًا.

وفي تلك الليلة، رأت ماري شيلي كابوسًا يقوم فيه شاب بإحياء مسخ صنعه من بقايا أجساد الموتى، ثم يفر هاربًا خوفًا مما جنت يداه؛ لتعلن في اليوم التالي عن عثورها على فكرة لحكايتها التي كانت في البداية قصة قصيرة، ثم طورتها إلى رواية نُشرت في عام 1818 تحت عنوان «فرانكنشتاين».

حين نُشرت رواية «فرانكنشتاين» لأول مرة عام 1818، أثارت عاصفة كبيرة من النقد والاستهجان؛ فالقراء قد صُدموا من هذه الرواية المفزعة التي تحكي عن عالِم مجنون قام بخلق وحش، وتساءلوا في دهشة وتعجب عن هوية كاتب هذه الرواية المريعة الذي لا يمكن أن يكون أقل جنونًا من عالِمِه الشاب. أما النقاد فاعتبروها رواية معادية للدين؛ لأنها تجرأت وتناولت «قصة خلق»، يقوم بدور الخالق فيها واحد من بني البشر، حتى أن أحد الكتاب المعاصرين قد وصفها بالرواية المقززة.

إلا أن كلا من القراء والنقاد لم يجدوا في البداية شخصًا معينًا لإلقاء اللوم عليه؛ فالرواية قد نُشرت دون أن يوضع عليها اسم مؤلفها، وظلت هكذا فترة من الزمان، إلى أن قرر مؤلفها الإفصاح عن هويته أخيرًا في عام 1831، وهنا كانت الطامة الكبرى، فالرواية كانت من تأليف امرأة، امرأة شابة اسمها ماري غودوين شيلي.

النساء لا يكتبن عن الوحوش!

شهد القرن التاسع عشر جدلًا مكثفًا حول وضع المرأة في المجتمع البريطاني؛ ففيه حدث جدل واسع حول حق الزوجة في التملك، وحق الأم في حضانة أطفالها وملكية جسدها، وحق المرأة في التصويت. وكذلك شهد هذا القرن احتراف المرأة الأدب والكتابة شأنها شأن الرجال، وكان هو العصر الذي شعرت المرأة فيه أن هناك صوتًا بداخلها لن يسكت، وطالبت بحقها في المساهمة في الخطاب الثقافي، والكتابة عن نفسها ومجتمعها من منظورها الخاص كأنثى.

وعلى الرغم من ذلك، وقفت القيود الثقافية والاجتماعية حائلًا أمام النساء؛ فقلة قليلة فقط من الكاتبات هن من تجرأن على المناداة بحقوقهن في كتاباتهن، أو حتى توقيعهن بأسمائهن الحقيقية، بينما فضلت الأخريات، إما كتابة أعمال تحمل نقدًا اجتماعيًا مبطنًا عن وضع النساء في المجتمع، أو كتابة أعمالهن الأدبية بأسماء ذكورية – كما فعلت الأديبة البريطانية ماري آن إيفانز المعروفة باسم جورج إليوت – لكي تؤخذ على محمل الجد؛ إذ كان المتوقع أن تكون أية رواية تكتبها امرأة عبارة عن رواية رومانسية تافهة تخلو من أية قيمة.

في هذا العصر عينه واجهت ماري شيلي جمهور النقاد والقراء بروايتها التي تحكي عن طبيب شاب يُدعى فيكتور فرانكنشتاين، ويرغب بشدة في اكتشاف سر الحياة؛ حتى ينجح في الوصول إليه بعد سنوات طويلة من البحث المضني.

ويقضي فيكتور فرانكنشتاين أيامًا وليالي طويلة في صنع وحش من أجزاء أجساد الموتى، وما أن تدب الحياة في هذا المخلوق حتى يُصاب خالقه بالرعب من الوحش الرهيب الذي صنعه، ويفر هاربًا منه، ويندم بعدها أشد الندم على ما فعل. أما الوحش فيجد نفسه غريبًا في عالم لا يعرفه، وقد تنصل منه صانعه؛ فيحاول أن يختلط بالناس الذين يفزعون من شكله ويهاجمونه؛ فمثلًا لم يكن جزاؤه عندما أنقذ فتاة صغيرة من الغرق في النهر، سوى أن تلقى ضربات مبرحة من الفلاحين الذين ظنوا أنه يريد إيذاء الصغيرة.

ولذلك يحزن الوحش الذي كان يملك قلبًا طيبًا، ويحب الفن والأدب كثيرًا، ويقرر أن يبحث عن صانعه الذي أوجده في هذا العالم ثم تركه، وما أن يجده في النهاية حتى يطرده الأخير، ويخبره أنه لا يريد رؤيته إطلاقًا؛ فيقرر الوحش الغاضب – الذي لم تذكر شيلي اسمه – الانتقام من صانعه الذي خلقه مشوهًا وتركه وحده؛ فيقتل أخاه الصغير، وصديقه المقرب، وعروسه، الأمر الذي يزيد من كراهية فيكتور فرانكنشتاين لمخلوقه؛ فيقرر أن يُدمر أنثاه التي كان قد صنعها توًا لتؤنسه في وحدته؛ مما يحدو بالوحش إلى قتل صانعه، وقتل نفسه في النهاية؛ لأنه أدرك أنه لن يستطيع أن يعيش دون خالقه.

ماري شيلي

وهكذا كان تجرُّؤ ماري شيلي على وضع اسمها على رواية مثل هذه فضيحة كبيرة في الأوساط الأدبية البريطانية في القرن التاسع عشر؛ فالنقاد حين دعوها للقائهم توقَّعوا رؤية امرأة لا تقل وحشية أو غرابة عن روايتها، ولكن دهشتهم كانت كبيرة حينما دخلت عليهم القاعة امرأة جميلة أنيقة عرفت نفسها على أنها كاتبة الرواية محل الجدل.

ماري شيلي.. امرأة وحيدة ومنبوذة تمامًا كالوحش الذي كتبت عنه

في العصر الذي وُلدت وتربت فيه ماري شيلي، كان التمييز ضد النساء سائدًا في أوروبا؛ إذ كان يتم النظر إلى المرأة باعتبارها أدنى منزلة من الرجل. كما لم يكن مقبولًا بحال تخطِّي النساء لحدودهنَّ التي فرضها عليهن المجتمع؛ فمثلًا لم يكن مسموحًا بتعليم البنات لما بعد المرحلة الابتدائية، ولم يكن من حق الزوجات التملُّك أو حضانة أطفالهنّ؛ إذ كان الأطفال يعتبرون ملكية خاصة للأب.

وبالنسبة لتعليم الإناث من الطبقة المتوسطة، وفوق المتوسطة، فقد كان يقتصر على تعلم العزف على البيانو، وتحدث اللغة الفرنسية، والتطريز، وكل ما من شأنه أن يساعدهن على الظهور بمظهر جذاب أمام الخُطاب المحتملين. وهكذا كان يتم تعليم النساء كل شيء تقريبًا عدا التفكير في أنفسهن، ومعرفة ما يبغين حقًا، لا ما يُفرض عليهن، ناهيك عن أن الدراسة والقراءة كانت تعتبر مؤشر خطر من شأنه إفساد المرأة؛ لأنها ليس مطلوب منها تعلم ما هو أكثر من كتابة اسمها، والعمليات الحسابية البسيطة كالجمع والطرح.

أما ماري غودوين شيلي فكانت ابنة لأسرة لم تعترف بتلك القيود السائدة في المجتمع في ذلك الوقت؛ فهي ابنة الصحافي والفيلسوف الراديكالي وليام غودوين، والكاتبة النسوية الشهيرة ماري وولستونكرافت، أول من استخدم مصطلح «حقوق المرأة»، وصاحبة الكتاب الشهير «دفاعًا عن حقوق المرأة» الذي يعتبر من أوائل الأطروحات في الفلسفة النسوية، والذي دافعت وولستونكرافت فيه عن حق المرأة في التعليم غير عابئة بالانتقاد والتشهير العنيف الذي تعرضت له من قبل كبار المفكرين والسياسيين في ذلك الوقت.

ورثت ماري شيلي عن والدتها التي ماتت بعد ولادتها بأحد عشر يومًا، روحها الثورية وسخطها على المجتمع ورفضها لقيوده التي يفرضها على النساء، ونبذه لكل من تتخطى تلك القيود.

لقد وضعت ماري الصغيرة – التي حملت نفسها طوال حياتها ذنب موت والدتها – صورة كبيرة لوالدتها في غرفتها، كانت تقف أمامها يوميًا لتقارن بين نفسها وبين والدتها الراحلة آملة في أن تجد أي تشابه، ولو ضئيل بينهما، وكانت أول كلمات تقرأها في حياتها هي حروف اسم والدتها المنقوشة على شاهد قبرها؛ إذ كان والدها يعلمها القراءة في طفولتها عن طريق تتبع وقراءة الحروف المنقوشة على شاهد قبر والدتها الراحلة.

ماري وولستونكرافت

وفي محاولة منه لتعويضها عن والدتها الراحلة، عين وليام غودوين لابنته مربية، قضت معها ماري السنوات الأربع الأول في حياتها، وتعلقت بها تعلقًا شديدًا، إلا أن قرار والدها بالزواج وإحلال زوجته الجديدة محل المربية جعل ماري الصغيرة تشعر بأنها قد فقدت أمها للمرة الثانية.

وبسبب عدم وجود وفاق بين ماري وزوجة والدها نتيجة لغيرة الأخيرة الشديدة من التعلق الشديد بين وليام غودوين وابنته الصغيرة، اضطر والدها إلى إرسالها في عمر الرابعة عشرة إلى اسكتلندا لتعيش برفقة عائلة أحد أصدقائه الأثرياء.

عاشت ماري شيلي في أسكتلندا عامين كاملين تخلَّلتهما زيارات قصيرة إلى منزل والدها في لندن، حيث كانت تُقام صالونات أدبية تُناقش فيها العديد من الأفكار التي أثرت فكر الفتاة حينذاك. وفي إحدى الزيارات، قابلت ماري ذات الستة عشرة عامًا حينها شابًا وسيمًا ذا عينين حالمتين يشع منهما وهج الذكاء والعبقرية، وكان يبلغ من العمر واحدًا وعشرين عامًا فقط ووقعت في حبه من أول نظرة، كان هذا الشاب هو الشاعر الرومانسي بيرسي شيلي.

Embed from Getty Images

بيرسي شيلي

أما بيرسي شيلي، ورغم مرور فترة قليلة على زواجه؛ فقد خلبت لبه هذه الفتاة الجميلة المثقفة التي لم يقابل مثلها في حياته وصارحها بحبه. وهنا وقعت ماري في المحظور الذي لم يكن ليغفره لها المجتمع، ولا حتى والدها الذي تحول من فيلسوف راديكالي يرفض ضوابط وقيود مجتمعه – وينتقد فكرة الزواج؛ لأنه يرى أنه يتيح للرجل امتلاك المرأة بشكل قانوني – إلى أبٍ محافظ أقسم ألا يرى ابنته طوال حياته إن استمرت في علاقتها ببيرسي شيلي.

ولكنّ ماري، التي كانت قد قرأت كل مؤلفات والدتها، إضافة إلى مذاكرته، لم تقرر أن تحذو حذو والدتها الراحلة في الكتابة فقط، بل أيضًا طريقتها في العيش بحرية، دون أن تعير انتباهًا لما قد يقوله عنها المجتمع، وبذلك قررت الهرب في صبحة بيرسي شيلي، الذي أقنعها أن فعلتهما هذه لا يمكن وصفها بالفعلة غير الأخلاقية؛ لأنهما ببساطة يحبان بعضهما، وأنه إذا أحب شخصان بعضهما البعض بقوة، فلا يمكن لأي شيء في العالم أن يقف في طريقهما.

في هذه المرحلة من حياتها أدركت ماري شيلي – لأول مرة في حياتها – أن للحرية ثمنًا، ثمنًا غاليًا قد دفعته والدتها قبلًا، ودفعته هي لاحقًا بتبرّؤ والدها الحبيب منها، وإعراض كافة أصدقائها عنها، وعاشت في عزلة وكآبة، خصوصًا بعدما فقدت طفلها الأول الذي أسمته باسم والدها. وفي محاولة منها للتخلص من حزنها ووحدتها، عكفت ماري شيلي على القراءة والكتابة لساعات طويلة يوميًا، ولكنها لم تكن تعرف عن ماذا تكتب؛ حتى اهتدت أخيرًا إلى فكرة روايتها الأولى والأشهر على الإطلاق بعد المسابقة التي عقدها اللورد بايرون.

هل نحن حقًا من نصنع الوحوش ثم ندين أفعالها لاحقًا؟

لمدة عامين كاملين ظلت ماري شيلي عاكفة على كتابة روايتها التي تبدو للوهلة الأولى مجرد رواية خيال علمي تحكي حكاية وحش صنعه عالم مجنون بسبب فضوله في التعرُّف على سر الحياة، ثمَّ نَبَذه لخوفه من شكله المشوَّه، ولكن وراء هذه الحكاية كانت توجد امرأة شابة في الثامنة عشر فقط من عمرها فُجعت بوفاة طفلها الأول، وعاشت يتيمة بلا أم حنون ترعاها، وتبرأ منها والدها، ونبذها مجتمعها، وأدانها بسبب وقوعها في الحب.

حين حكت شيلي حكاية فيكتور فرانكنشتاين ووحشه لم تقم بتحديد من منهما الجاني أو المجني عليه، وتركت الحكم للقارئ ليُقرر حول ما إذا كان العالم الذي أوجد وحشًا، ثم نبذه وهجره، هو المخطئ، أم ذلك الوحش الذي وجد نفسه وحيدًا في عالمٍ غريب لا يعرفه، وقد تبرأ منه صانعه – الذي هو بمثابة والده – فيقرر الانتقام منه بقتل كل من يحب.

لقد كشفت ماري شيلي من خلال فيكتور فرانكنشتاين ووحشه أن الخيال والإبداع قد يكون لهما جانب خفي مظلم قد يتسبب في كوارث إن لم تحكمه قيم أخلاقية، والأرجح أنها رأت أن الاثنين – فيكتور ومخلوقه – ضحايا؛ فالعالم كان ضحية للغرور البشري، وإيمانه الزائد عن الحد بقدراته، بينما كان الوحش ضحية لصانعه.

ويمكن القول: إن رواية ماري شيلي تطرح عدة أسئلة هامة قابلة للطرح في مختلف الأوقات. وتدور هذه الأسئلة حول مدى أهمية العلم والمعرفة، وكونهما سلاحًا ذا حدين قد ينقلب على الإنسان، إن أساء استخدامهما، وهي كذلك تطرح أسئلة حول مفهوم الحرية، وطبيعة الشر، والحب، والمعاناة والموت والإيمان. وتجعل من قصة فيكتور فرانكنشتاين ومخلوقه مثالًا على استحالة عيش الإنسان دون خالقه – كما ترى مارى شيلي – إذ إنّ الوحش رغم قدراته الجسدية الهائلة كانت حياته مرتبطة بحياة صانعه، وعلى الرغم من أنّ النقاد قد رأوا في رواية «فرانكنشتاين» تجرؤًا على الدين، إلا أنها تحمل في طياتها قصة إيمانية تقوم على سؤال أساسي، وهو «ماذا لو؟» ماذا لو لم يترك الخالق مخلوقاته وطردهم من جنابه ورعايته؟ وتعطي من حالة الوحش البائسة المزرية بعيدًا عن خالقه مثالًا وإجابة لما قد تكون عليه حياة الإنسان إذا تخلى عنه خالقه.

ماري شيلي في الرواية.. هل هي الوحش أم صانعه؟

أنا مخلوق بائس ووحيد، والناس لا يريدون مصاحبتي. إني أرجوك أن تصنع لي أنثى تؤنسني في وحدتي، أنثى مخيفة ومشوهة مثلي كي لا تهجرني. يجب عليك أن تصنع هذه المخلوقة من أجلي.

*الوحش موجهًا كلامه إلى فيكتور فرانكنشتاين – من  رواية فرانكنشتاين

ترى الكاتبة وأستاذة العلوم الإنسانية، شارلوت غوردون، أن ماري شيلي كانت تستدر عاطفة القراء تجاه الوحش عن طريق وصفها لمعاناة الوحش في عالم لم يحبه. أيضًا لم تكتفي شيلي بحكاية روايتها من وجهة نظر فيكتور فرانكنشتاين، بل حكت أيضًا بعض الأجزاء فيها على لسان الوحش؛ مما يحول الرواية من مجرد رواية خيال علمي إلى رواية سيكولوجية معقدة تغوص في أعماق الطبيعة البشرية.

كما تُصرح غوردون بأن ماري شيلي قد أخذت دور الوحش في هذه الرواية، لا صانعه؛ إذ إنها – تمامًا مثل الوحش – وجدت نفسها في الدنيا وحيدة، بلا أم، ثم هُجرت من قبل والدها، ورفضها المجتمع والأصدقاء.  ولربما كتبت شيلي هذه الرواية لاستدرار عطف والدها عن طريق توضيح تبعات هجر الخالقين لمخلوقاتهم، وكذلك هجر الآباء لأبنائهم، وكأنها تقول له: «أنا ضائعة تائهة ممزقة كهذا الوحش يا أبي»، كما أنها ربما كانت تريد الإشارة إلى أن الأبناء حتمًا سيكونون فاسدين مفسدين – كما فعل الوحش – إن تخلى عنهم آباؤهم. لقد أخذت شيلي في روايتها، وفقًا لرؤية شارلوت غوردون، صف كل المنبوذين اجتماعيًا، وهددت المجتمع بأنهم سينقلبون عليه، ويدمرونه، مثلما فعل الوحش.

إن ماري شيلي التي كانت تدرك تمام الإدراك أن مجتمعها يريد من النساء أن يتزوجن وينجبن أطفال، لا أن يكتبن روايات تحكي عن الوحوش المشوهة والعلماء المجانين، قد كتبت هذه الرواية لتعبر من خلالها عن نفسها، وعن كل امرأة تخطت الحدود التي وضعها لها المجتمع، فكانت النتيجة أنها أصبحت وحيدة منبوذة.

عند قراءتك لهذه الرواية، والتي تكمن شهرتها ليس فقط في كونها أول رواية خيال علمي، بل في كونها قصة رعب نفسي من الطراز الأول، ستلاحظ غياب أية شخصيات نسائية مؤثرة في الأحداث، وأن الرجال هم المحركون الأساسيون للأحداث؛ مما قد يجعلك تشعر بأن شيلي إنما أرادت أن تقول إن الغياب التام لدور المرأة في المجتمع سيجعله مجتمعًا مليئًا بالأخطاء، ولكنك حتمًا لن تستطيع أن تمرر شعورًا بالتعاطف والشفقة، تاركًا إياه يتسرب إليك تجاه وحش ماري شيلي المنبوذ من قبل صانعه.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد