7,559

«نور أُطفِئ أبكر مما يجب اليوم، وكسر قلبي»، هكذا نعى فيروز نادري الباحث الإيراني في وكالة ناسا وفاة صديقته عالمة الرياضيات الإيرانية الفائزة بوسام فيلدز في الرياضيات لعام 2014، مريم ميرزاخاني.

A light was turned off today …. far too soon. Breaks my heart.

Geplaatst door Firouz Naderi op zaterdag 15 juli 2017

يكمل نادري ويقول: «نابغة؟ نعم، ولكنها ابنة وزوجة وأم»، ليذكرنا بأن هناك أناسًا سيطول حزنهم على فراقها بعد تلاشي خبر وفاتها عن الصفحات الإخبارية الرئيسية. مريم ميرزاخاني، هي أم لطفلة جميلة الملامح اسمها آناهيتا، وزوجة للبروفيسور المساعد في علم الكمبيوتر النظري والرياضيات التطبيقية جان فوندريك، وابنة محبة لوالدين داعمين ملهمين، وأخت لثلاثة إخوة وصديقة ودودة داعمة للكثيرين، وهو ما لم تتناقله وسائل الإعلام عند نشر خبر وفاتها.

صور لما لم تخبرنا به الصحافة عن حياة مريم.

ولدت مريم في طهران في الثالث من مايو (أيار) 1977، ولم تبد أي اهتمام في الرياضيات في صغرها، كانت تقرأ كل شيء تقع عليه يدها لكنها كانت تحب بالخصوص قراءة الروايات كثيرًا، كان حلمها أن تصبح كاتبة، كانت تقول: «كل ليلة وقت النوم كنت أعيش في خيال بطولات فتاة تسافر حول العالم لتحقق أهدافًا عظيمة».

«لقد نشأت في عائلة محبة أنا وإخوتي الثلاثة، والداي كانا دائمًا داعمين ومشجعين، كانوا دائمًا حريصين على أن نحترف مهنًا ذات معنًى ومرضية لنا بشكل خاص، بغض النظر عن مقاييس النجاح والإنجازات في المجتمع».

رغم وضع إيران السياسي آنذاك، إلا أن بيئة مريم العائلية كانت البيئة المثالية لنمو نابغة، فأخوها الأكبر هو من جعلها مهتمة بالعلوم بشغف كبير، فكان يعود من المدرسة كل يوم ويخبرها عما تعلمه في دروسه، وتذكر مريم إلى حين وفاتها أول ذكرى رياضية لها، وكانت عندما أخبرها أخوها عن معضلة 1+ 100، كان يعمل على حلها وكانت مذهولة من طريقته في حلها، وتقول إن هذه ربما كانت أول مرة تستمتع بإيجاد حل لمسألة رياضية، رغم أنها لم تحلها بنفسها على أية حال.

في المرحلة الإعدادية، التقت مريم بصديقة عمرها رويا بهشتي والتي تعمل الآن أستاذة في الرياضيات في جامعة واشنطن، وتقول رويا: «كان أداء مريم ضعيفًا في صف الرياضيات في ذلك العام وقد أدى ذلك إلى فزعها، لم يكن مدرسها يعتقد أنها تملك الموهبة الكافية وذلك أضعف ثقتها بنفسها»، وتقول مريم: «في هذه المرحلة إنه لفي غاية الأهمية أن يؤمن بقدراتك الآخرون، وقتها فقدت اهتمامي بالرياضيات»، لكن في العام الذي يليه تغير معلم الرياضيات هذا إلى آخر أكثر تشجيعًا، فتطور أداء مريم كثيرًا ومنذ العام الثاني أصبحت مريم كالنجمة، بحسب صديقة عمرها.

في المرحلة الثانوية درست ميرزاخاني في مدرسة فرزانگان للمتفوقات، التابعة للهيئة الوطنية لتطوير المهارات الاستثنائية، في طهران بإيران، وقامت بإقناع مديرتها بأن تنضم إلى أولمبياد فريق الأولمبياد الدولي الإيراني للرياضيات بعد أن حصلت على مجموعة أسئلة من مسابقة الأولمبياد وتمكنت من حل بعضها، ففي عام 1994 خلال دراستها في المرحلة الثانوية على الميدالية الذهبية على مستوى إيران في مجال الرياضيات لتنضم عام 1995 إلى الفريق الوطني الإيراني في الرياضيات فكانت هي وصديقتها رويا أول فتاتين تنضمان إلى هذا الفريق، ثم تتابعت النجاحات فقد فازت في دورتين متتاليتين من مسابقات الأولمبياد العالمية في الرياضيات؛ الأولى عام 1994 في هونغ كونغ وكان عمرها حينها 17 عامًا وحصلت على الاعتراف الدولي بعد تلقي الميدالية الذهبية وسجلت 41 نقطة من 42، لتحتل المرتبة 23 لها بالاشتراك مع خمسة من المشاركين الآخرين، وفي الأولمبياد الدولي للرياضيات بمدينة تورنتو بكندا عام 1995 حصلت على الدرجة الكاملة 42 نقطة من أصل 42، لتحتل المرتبة الأولى بالاشتراك مع 14 شخصًا من المشاركين الآخرين.

حصلت ميرزاخاني على البكالوريوس في الرياضيات عام 1999 من جامعة شريف للتكنولوجيا في طهران، وتقول عن تلك الفترة: «لقد التقيت بالكثير من الرياضيين الملهمين والأصدقاء في جامعة شريف، كان الأمر مليئًا بالتحديات وكلما أمضيت وقتًا أطول على الرياضيات زاد حماسي تجاهه أكثر»، وتقول مريم: «في هارفارد كان تخصصي بدايةً في الجبر والرياضات التوافقية، لكني كنت فيها دون المستوى مقارنة بالطلاب الذين أنهوا مرحلة البكالوريوس في هارفارد وكان الأمر صعبًا جدًا».

بدأت مريم في متابعة محاضرات البروفيسور كرتس مكملن، الحاصل على وسام فيلدز في الرياضيات وبدأت تهتم بمحاضراته وتناقشه فيها وبدأ من هنا اهتمام ميرزاخاني بالهندسة الزائدية وكان اهتمام مكملن بها وتشجيعه لها بلا حدود، وقد قال عنها إنها تتخيل في ذهنها صورة كاملة عما يجب أن يحدث ثم تأتي إلى مكتبه وتقوم بوصف هذه الصور وفي النهاية تنتبه إليه وتسأل: أليس كذلك؟ يقول مكملن: كنت أشعر دائمًا بالإطراء أنها اعتقدت أنني سأعرف الإجابة.

حصلت ميرزاخاني على الدكتوراه من جامعة هارڤارد عام 2004، كما كانت زميلة أبحاث في معهد كلاي للرياضيات وأستاذة في جامعة پرنستون، ثم أستاذة في جامعة ستانفورد قدمت فيها ميرزاخاني عدة إسهامات لنظرية الفضاءات الوحدوية ونشرت أبحاثًا عدة في الهندسة الزائدية.

«بشكل ما الأبحاث الرياضية تشبه كتابة رواية، في الرواية هناك شخصيات مختلفة وكلما قرأت في الرواية أكثر، عرفتها أكثر، الشخصيات تتطور مع القراءة، فتنظر إليها كلما تابعت القراءة وتجد كم اختلفت عن بادئ الرواية ويختلف معها انطباعك الذي يخلفه تطورها، هكذا تتطور الأمور في الرياضيات أيضًا»، وصَفها البعض بخليفة أينشتاين، وبكلماتها الشاعرية هذه عن الرياضيات تذكرنا بقول أينشتاين «الرياضيات الخالصة هي شعر الأفكار المنطقية».

وسام فيلدز في الرياضيات

يمنح كل أربع سنوات، ويعادل جائزة نوبل في العلوم لتخصص الرياضيات، أسس الجائزة عالم الرياضيات الكندي جون تشارلز فيلدز عام 1936 ومنحت لـ14 رجلًا حتى أغسطس (آب) من عام 2014 عندما فازت مريم ميرزاخاني بوصفها أول امرأة منذ 78 عامًا، وسلمته إياها رئيسة كوريا الجنوبية باك جون هاي، وهي أول امرأة تتقلد هذا المنصب، وقد حصلت على الوسام لعملها في فهم تناظري الأسطح المنحنية.

في ردة فعلها على تلقيها الجائزة قالت ميرزاخاني: «لأكون صادقة، لم أكن أعتقد أن مشاركتي أمر عظيم، وعندما وصلني البريد الإلكتروني، في فبراير (شباط) 2014 ليخبرني بأمر حصولي على هذا الوسام العظيم، ظننت أن الحساب الذي أرسل لي ربما تم (تهكيره) ووصل لي البريد بالخطأ»، لكن لزميلها أليكس أكسين أستاذ الرياضيات في جامعة شيكاغو رأيًا آخر: «الحلقات على السطوح ذات الهندسة القطعية كانت مذهلة حقًا، إنها من نوع من الرياضيين – مشيرًا إلى ميرزاخاني – الذي تعرف لحظيًا أنه ينتمي إلى المراجع».

هل كان موت ميرزاخاني مفاجئًا؟

ربما وصل خبر مرض ميرزاخاني إلى وسائل الإعلام يوم الاثنين الماضي على إثر سفرها إلى الولايات المتحدة لحصول مضاعفات في مرضها العضال ودخولها في مرحلة حرجة وصل فيها سرطان الثدي إلى نخاع العظم ومعه دخلت مرحلة انعدام الأمل.

منذ عدة أيام فقط نشرت وسائل الإعلام الإيرانية حديث المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي صرح فيه بأن جميع الإيرانيين في العالم يفتخرون بعالمة الرياضيات مريم ميرزاخاني، ويتمنون لها الشفاء العاجل، مؤكدًا أن ساحة العلم تنتظر عودتها بفارغ الصبر، وأشار في تعليق له على حالتها الصحية أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية مستعدة لتقديم أي مساعدة ممكنة لتحسين صحة نابغة الرياضيات العالمية، متمنيًا لها الشفاء العاجل، وأضاف: إن ساحة العلم والإنسانية تحتاج إلى هذه النابغة الإيرانية الفريدة، مردفًا أن جميع الإيرانيين في العالم يفتخرون بميرزاخاني ويتمنون لها الشفاء العاجل وأن إيران تنتظر عودتها بفارغ الصبر إلى البحث والتدريس الأكاديمي.

ونشر محمد علي النجفي وزير التربية والتعليم الأسبق، مستشار الرئيس روحاني حاليًا يوم الخميس 13 يوليو (تموز) عن ميرزاخاني قائلًا: صاحبة وسام فيلدز، العالمة المرموقة عالميًا، هي جوهرة ثمينة لنساء إيران خصوصًا ولنساء العالم بالعموم، ومثال في التواضع والعمل الخيري إلى جانب نبوغها العقلي، «بحاجة إلى أن تصلّوا من أجلها» وأضاف عندما كنت وزيرًا للتربية والتعليم عام 1994 كانت مريم وفتاة أخرى – في إشارة إلى صديقتها وريا بهشتي – عضوين فائزين في فريق أولمبياد الرياضيات عالميًا قبل أن تنهيا دراستهما الثانوية.

وفي الـ13 من الشهر الجاري أيضًا نشر صديقها العالم نادري صورة لها مرفقة بطلب أن نرسل لها طاقتنا الإيجابية كشخص خاص وعزيز.

She is a very private person but send her way your positive thoughts and positive energies.

Geplaatst door Firouz Naderi op donderdag 13 juli 2017

لكن ما لا يعرفه الجميع أن ميرزاخاني وحين تلقيها وسام فيلدز عام 2014 كانت على جبهة أخرى تحارب سرطان الثدي الذي أصابها قبل فوزها بعام، إذًا هي أربعة أعوام صمدت فيها مريم وعائلتها في معركة ضد هذا المرض الذي يحصد أرواح 44 ألف امرأة كل عام.

ردات فعل عالمية وعربية

رسميًا نشرت وكالة مهر للأنباء أن النابغة الإيرانية العالمية مريم ميرزاخاني، توفيت يوم 15 يوليو (تموز) في أحد مستشفيات أمريكا بعد صراع مع مرض السرطان قالت فيه مهر للأنباء إن أحد المقربين من مريم قد أكد لهم الخبر، فيما نشر الرئيس الإيراني حسن روحاني عبر تويتر تعازيه للإيرانيين على وفاة العالمة الإيرانية ميرزاخاني قال فيه: «مريم ميرزاخاني عالمة مبدعة وإنسانة متواضعة، كانت تحمل اسم إيران علميًا وعالميًا، فلترقد روحها بسلام».

وفي تعزية روحاني عبر تويتر أعاد فيها نشر تهنئته لميرزاخاني لفوزها بوسام فيلدز عام 2014، ليذكر الإيرانيين الحزانى في جدل أثاره وقت نشره لصورتين لها إحداهما بحجاب والأخرى دونه، لنعود إلى عام 2014 ونتذكر الانقسام والغضب والخلاف الذي نشأ عن الطريقة التي يتعامل فيها نظام روحاني تجاه نساء إيران والتي رآها البعض حينها مجحفة، واستغلت العديد من الصحف والمواقع الغربية الأمر للحديث عن هجرة الأدمغة الإيرانية للخارج إلى جانب الحقوقيين إلى البلدان الغربية الديمقراطية التي تتيح لهم مجالًا شاسعًا للإبداع وتحقيق الذات والتي تحيطهم بالظروف الملائمة لإظهار قدراتهم وكفاءتهم وتميزهم وهو ما يمثل خسارة علمية لإيران تؤكد على ضيق الآفاق فيها وغياب الديمقراطية وحقوق الإنسان، بحسب تلك الصحف، ليُنشَر رسمٌ كاريكاتوري لقي رواجًا يصور ميرزاخاني وقد رحلت بسلام وارتقت مع الرياضيات بعيدًا عن كل الخلافات والاتهامات.

بينما نشر تويتر رابطًا جمع فيه بعض المنشورات التي تناقلها مستخدمو تويتر في التعزية في رحيل ميرزاخاني.

We're sad to share that Maryam Mirzakhani, the first woman to win a Fields Medal, has died. She was a pure mathematician…

Geplaatst door Stanford University op zaterdag 15 juli 2017

Our dear Maryam left us tonight. She lived a beautiful life and inspired so many lives. May she rest in peace.

Geplaatst door Roya Beheshti op zaterdag 15 juli 2017

خبر مؤسف النهاردة عن وفاة الجميلة، أميرة الرياضيات، الإيرانية مريم ميرزاخاني بعد صراع مع سرطان الثدي، عن عمر 40 سنة فقط…

Geplaatst door ‎شادي عبدالحافظ‎ op zaterdag 15 juli 2017

قبل 3 سنوات قرأت خبرًا عن عالمة رياضيات تُسمى مريم ميرزاخاني. الخبر كان يتحدث عن كونها أول إمرأة تحصل على ميدالية فيلدز،…

Geplaatst door Mohamed A. Haggag op zaterdag 15 juli 2017

خبر حزين جداً، مريم ميرزاخاني عالمة الرياضيات الإيرانية، توفيت اليوم عن أربعين سنة، بسرطان الثدي. مريم ميرزاخاتي كانت أو…

Geplaatst door Ahmad Gamal Saad-Eddin op zaterdag 15 juli 2017

مريم الملهمة

في لقاء مع إحدى القنوات التلفزيونية مرة قالت ميرزاخاني: «رغم أن البعض يرى أن هذا المجال مقتصر على الرجال، فإن النساء ساهمن في الرياضيات على مدى قرون ومنذ القدم»، وأشارت إلى أن النساء يشكلن نحو 40% من الطلاب الجامعيين الذين يدرسون الرياضيات في المملكة المتحدة، غير أن هذه النسبة تنخفض عند مستوى الدكتوراه وما بعدها.

كانت مريم تأمل أن تلهم هذه الجائزة الكثير من الفتيات والشابات في هذا البلد وفي جميع أنحاء العالم للإيمان بقدراتهن وأن يضعن أمام أعينهن هدف الحصول على جائزة فيلدز في المستقبل، قائلة: «أنا حقًا لا أملك نصيحة محددة ولست في موضع إعطاء نصيحة ولكني أعمل دومًا بنصيحة من الرياضياتي الأسترالي تيرينس تاو يقول فيها: لكل شخص نمط عمل مختلف وأن ينجح نمط مع أحدهم لا يعني أن ينجح مع البقية».

تلهمنا مريم بتواضعها ورقتها لنسلك دربًا مختلفًا لا نتبع فيه طريقة أحد للنجاح «ليس على الجميع أن يصبحوا علماء رياضيات» قالت ميرزاخاني «لكنني مؤمنة أن هناك طلابًا كثرًا لا يعطون الرياضيات فرصة حقيقية، والرياضيات لا تظهر جمالها إلا لأتباعها الصبورين».

في كتاب شهوة للحياة «lust for life» (المترجم إلى العربية بعنوان: فنسنت فان جوخ: الرواية الكلاسيكية لحياة عاشها بين الشهوة والحرمان)، الذي كتبه إيرفنج ستون عن حياة فنسنت فان جوخ، الكتاب المفضل لميرزاخاني منذ يفوعها، كتب فان جوخ في رسالته الأخيرة لصديقه ثيو قائلًا: «إلى أين تمضي الحياة بي؟ ما الذي يصنعه العقل بنا؟ إنه يفقد الأشياء بهجتها ويقودنا نحو الكآبة. إنني أتعفن مللًا لولا ريشتي وألواني هذه، أعيد بها خلق الأشياء من جديد. كل الأشياء تغدو باردة وباهتة بعدما يطؤها الزمن. ماذا أصنع؟ أريد أن أبتكر خطوطًا وألوانًا جديدة، غير تلك التي يتعثر بصرنا بها كل يوم. كل الألوان القديمة لها بريق حزين في قلبي. هل هي كذلك في الطبيعة أم أن عيني مريضتان؟».

استسلم فان جوخ لسوداوية الحياة ولم تستسلم ميرزاخاني، وبقيت رغم المرض تسلك نمطها الخاص في النجاح وبقيت حتى آخر نفس كما قال عنها معلمها كرتس مكملن: «إنها شخصية مليئة بالأمل والحيوية والطموح، فهي تظل دومًا متفائلة رغم الصعاب التي تعترضها في بحوثها وتواصل عملها بجدية وبثقة في النفس لدرجة لا تشعر فيها بالتعب ولا بالتشاؤم».

تعليقات الفيسبوك