كطفلة في الثامنة اعتادت مريم ميرزخاني أن تحكي لنا “عن فتاة رائعة، كل ليلة في وقت النوم كانت بطولات هذه الفتاة هي الحدث الرئيسي فتسافر حول العالم لتحقق أهدافًا عظيمة”.

اليوم مريم ميرزخاني صاحبة السابعة والثلاثين عامًا والتي تعمل أستاذة في الرياضيات في جامعة ستانفورد ما زالت تكتب قصصًا بتفاصيلها في عقلها، هذا الطموح العالي لم يتغير ولكن أبطال هذه الروايات هم من تغيروا، إنهم السطوح القطعية hyperbolic surfaces وهندسة الفراغ moduli spaces والأنظمة الديناميكية dynamical systems.

 تقول مريم “البحث في مجال الرياضيات مثل كتابة رواية ما، تجد هناك شخصيات مختلفة وعليك أن تتعرف على كل واحدة منهم عن قرب، الأشياء تتطور وإذا نظرت مرة أخرى على شخصية ما ستجدها مختلفة كليًا عما كنت تعتقده”.

عالمة الرياضيات الإيرانية تصاحب شخصياتها الخيالية هذه أينما يأخذوها، وقائع تفصيلية كثيرة غالبًا تستغرق سنوات عديدة حتى تنكشف. صغيرة ولكن لا تقهر فمريم لديها سمعة وسط الرياضيين بالتصدي لأكثر المسائل تعقيدًا في مجالها بإصرار كبير، يقول كورتيس مكمولين الدكتور في جامعة هارفارد والذي كان أحد المشرفين على رسالة الدكتوراة الخاصة بها “لديها طموح لا يقهر عندما يتعلق الأمر بالرياضيات”.

بصوت هادئ وثابت وعيون رمادية زرقاء تتميز مريم بثقة لا تتزعزع وتميل إلى التواضع فعندما سئلت كيف تصفين مساهمتك الكبيرة في إيجاد حلول لهذه المسائل؟ ضحكت ثم ترددت وقالت “لأكون صادقة مع نفسي أنا لا أعتقد أنني قمت بمساهمة كبيرة” وعندما أرسل إليها إيميل لإخبارها أنها فازت بأعلى جائزة في مجال الرياضيات (ميدالية فيلدز) اعتقدت بأن الحساب الذي تم إرسال الرسالة منه تم اختراقه.

بعض الرياضيين الآخرين قاموا بوصف إنجازاتها بمصطلحات أكثر قوةً وتوهجًا، فيقول أليكس أسكين أستاذ الرياضيات في جامعة شيكاغو والذي عمل مع مريم “أطروحة رسالة الدكتوراة الخاصة بها حول عدد الحلقات على السطوح ذات الهندسة القطعية كانت مذهلة حقًا، إنها نوع من الرياضيين تعرف لحظيًا أنه ينتمي إلى المراجع”. ويقول بنسون فارب أستاذ الرياضيات أيضا في جامعة شيكاغو “واحدة من آخر مساهمات مريم والتي كانت بتعاون كبير مع الأستاذ أليكس أسكين حول ديناميكيات الأسطح المجردة المتصلة بطاولات البلياردو من الممكن أن تصبح نظرية هذا العقد”.

 

طهران

كطفلة نشأت في طهران مريم لم يكن لديها النية لأن تصبح عالمة رياضيات، كان هدفها الرئيسي ببساطة هو أن تقرأ كل كتاب تقع عليه يدها وكانت أيضا تشاهد على التلفاز سير حياة عظيمات ومشاهير مثل ماري كوري وهيلين كيلير ولاحقا قرأت رواية “رغبة في الحياة” عن حياة فنسنت فان جوخ، هذه القصص غرست بداخلها شعورًا غريبًا وطموحًا كبيرًا لأن تفعل شيئًا عظيما في حياتها، كأن تصبح كاتبةً مثلا.

أنهت مريم المدرسة الابتدائية عندما كانت الحرب بين إيران والعراق تقترب من نهايتها مما سمح بوجود فرص كثيرة للطلبة المتحفزين، اجتازت مريم اختبار تحديد المستوى الذي سمح لها بالانضمام إلى مدرسة فارزانيجان المتوسطة للبنات في طهران والتي تديرها المنظمة الوطنية الإيرانية لتنمية المواهب الاستثنائية فتقول مريم عن ذلك “أعتقد أنني كنت أحد الأجيال ذات الحظ الجيد، فقد كنت في سن المراهقة عندما بدأت الأوضاع تستقر”.

في الأسبوع الأول في مدرستها الجديدة تعرفت على صديقة عمرها رويا بهشتي والتي تعمل الآن كأستاذة في الرياضيات في جامعة واشنطن، الاثنين معًا قاما باستكشاف المكتبات التي تقع على شارع تجاري مزدحم قرب مدرستهم، التصفح كان محبطًا ولذلك قاموا عشوائيا باختيار بعض الكتب لشرائها، تقول مريم “هذا يبدوا الآن غريبًا جدًا، ولكن الكتب كانت رخيصة جدًا ولذلك فقط قمنا بشرائها”.

كان أداء مريم ضعيفاً في صف الرياضيات لهذا العام وقد أدى ذلك إلى فزعها، لم يكن يعتقد مدرسها أنها تملك الموهبة الكافية وذلك أضعف ثقتها بنفسها، تقول مريم “في هذه المرحلة إنه لفي غاية الأهمية أن يؤمن بقدراتك الآخرون، وقتها فقدت اهتمامي بالرياضيات”، في العام الذي يليه تغير معلم الرياضيات هذا إلى آخر أكثر تشجيعًا وتطور أداء مريم كثيرًا فتقول رويا بهشتي صديقتها “منذ العام الثاني أصبحت مريم كالنجمة”.

ذهبت مريم إلى مدرسة فارزانيجان الثانوية للبنات وهناك حصلت هي وصديقتها رويا على مجموعة من الأسئلة من مسابقة وطنية في ذلك العام لتحديد أي من طلاب المدارس الثانوية سيذهب إلى الأولمبياد الدولية المعلوماتية وهي مسابقة سنوية في البرمجة لطلاب المرحلة الثانوية، قضت مريم وصديقتها وقتًا كثيرا على هذه الأسئلة لعدة أيام وتمكنتا من حل ثلاثة أسئلة من أصل ست، على الرغم من أن الطلاب في المسابقة يجب عليهم أن يقوموا بحل جميع أسئلة الامتحان في ثلاث ساعات كانت مريم سعيدة للغاية بسبب قدرتها على حل بعض الأسئلة على الأقل.

متطلعين إلى اكتشاف قدراتهم في مسابقات مماثلة ذهبت مريم ورويا صديقتها إلى مديرة المدرسة وطلبا أن تتخذ مريم الترتيبات اللازمة لدروس الرياضيات مثل تلك التي يجري تدريسها في المدرسة الخاصة بالبنين، تقول مريم “مديرة المدرسة كانت شخصيتها قوية، فإن أردنا شيئًا حقًا فإنها تستطيع تحقيقه، فلم يضعف من عزمها حقيقة أن فريق الأولمبياد الدولي الإيراني للرياضيات لم يضم فتاة من قبل، فقد كانت عقليتها إيجابية ومتفائلة فإنها تعتقد أنك تستطيع فعل ما تريد حتى ولو كنت أول شخص يفعل ذلك: وأنا أعتقد أن هذا أثر في حياتي كثيرًا”.

 

في عام 1994 – عندما كانت مريم في السابعة عشرة – انضمت هي وصديقتها رويا إلى فريق الأولمبياد الدولي الإيراني للرياضيات، نتيجة مريم في اختبار الأولمبياد مكنتها من الحصول على ميدالية ذهبية وفي العام التالي عادت وحققت علامة نهائية، بعد أن دخلت المسابقة لاكتشاف ما يمكنها القيام به ظهر لمريم حبها العميق للرياضيات، فتقول: “عليك أن تبذل الوقت والجهد لترى روعة وجمال الرياضيات”، يقول أنطون زوريخ من جامعة باريس ديدرو باريس 7 في فرنسا: “حتى اليوم تعطي مريم انطباع فتاة في السابعة عشرة من عمرها متحمسة تماما تجاه الرياضيات حولها”.

 

هارفارد

يقول كورتيس مكمولين أستاذ الرياضيات في جامعة هارفارد “ميداليات ذهبية في أولمبياد الرياضيات لا تترجم دائمًا إلى النجاح في مجال الأبحاث الخاصة بالرياضيات، في هذه المسابقات شخص ما قام بوضع أسئلة صعبة مع حلول إبداعية ولكن في مجال البحث قد تكون الأسئلة ليس لها إجابات فعلى عكس العديد ممن يحققون نتائج مرتفعة في اختبارات الأولمبياد مريم لديها القدرة على إيجاد رؤيتها الخاصة”.

بعد الانتهاء من درجة البكالوريوس في الرياضيات في جامعة شريف بطهران عام 1999 التحقت مريم بالمدرسة العليا بجامعة هارفرد وهناك بدأت حضور ندوات البروفيسور مكمولين، في البداية لم تكن تفهم أغلب ما كان يتحدث عنه ولكنها كانت مفتونة بجمال هذا الموضوع بالتحديد وهو الهندسة الزائدية hyperbolic geometry، بعد ذلك بدأت بالذهاب إلى مكتب البروفيسور مكمولين وتطرح عليه الكثير من الأسئلة ثم تكتب ملاحظاتها بالفارسية.

“لقد كان لديها خيال قوي جدا” يحكي البروفيسور مكملين – الحاصل علي ميدالية فيلدز في الرياضيات عام 1998 – قائلا: “إنها تتخيل في ذهنها صورة كاملة عما يجب أن يحدث ثم تأتي إلى مكتبي وتقوم بوصف هذه الصور وفي النهاية تنتبه إليّ وتسال أليس كذلك؟ كنت أشعر دائما بالإطراء أنها اعتقدت أنني سأعرف الإجابة”.

أصبحت مريم مفتونة بالسطوح القطعية أو الزائدية hyperbolic surfaces، سطوح على شكل أنبوب حلقي doughnut-shaped surfaces مع اثنين أو أكثر من الثقوب ذوات الهندسة الغير القياسية والتي تعطي كل نقطة على السطح شكل سرج، Hyperbolic doughnuts لا يمكن تشكليها أو بناؤها في الفضاء العادي ولكنها تتواجد كمعنى مجرد والذي يتم حساب المسافات والزوايا فيه طبقا لمجموعة محددة من المعادلات، فقط مخلوق خيالي يعيش على سطح يخضع لهذه القوانين والمعادلات يستطيع تخيل كل نقطة كنقطة سرج saddle point.

اتضح أن كل أنبوب ذي ثقوب متعددة many-holed doughnut يمكن إعطاؤه شكلًا قطعيًا أو زائديًا بعدد لا نهائي من الطرق – حلقات سميكة من الأنبوب أو ضيقة fat doughnut rings or narrow ones أو أي مزيج من الاثنين معًا – في القرن ونصف من الزمان تحديدًا منذ تم اكتشاف هذه الأنواع من السطوح القطعية أو الزائدية أصبحت هذه الأنواع أحد أهم الأشكال المركزية والهامة في الهندسة ولها اتصال وثيق بعلوم أخرى كالرياضيات وحتى الفيزياء.

عندما بدأت مريم دراستها العليا كانت أبسط الأسئلة عن هذه السطوح بلا إجابة أحدها الخطوط المستقيمة  geodesicعلى السطح القطعي، حتى السطح المنحني يمكن أن يكون له فكرة وجود قطعة من خط مستقيم عليه والتي هي ببساطة أقصر طريق بين نقطتين، في السطوح القطعية بعض الخطوط المستقيمة  geodesicطويلة بلا نهاية كالخطوط المستقيمة في مستوى ولكن البعض الآخر ينغلق إلى حلقات كدوائر كبيرة في مجال.

عدد الخطوط المستقيمة  geodesicالمغلقة لطول محدد على السطح القطعي يزداد رأسيًا كلما ازداد طول هذه الخطوط، معظم هذه الخطوط تتقاطع مع نفسها مرات عديدة قبل أن تنغلق ولكن نسبة قليلة منهم تسمى الخطوط البسيطة simple geodesics لا تتقاطع مع نفسها، الخطوط البسيطة هذه هي المفتاح الأساسي لفهم بناء وهندسة الشكل بالكامل.

لم يستطع بعد علماء الرياضيات أن يحددوا كم عدد الخطوط المستقيمة المغلقة لطول محدد التي يمكن لسطح قطعي أن يحتويها، بين حلقات هذه الخطوط المستقيمة المغلقة closed geodesic loops الحلقات البسيطة تشبه المعجزات والتي لا تجدها أو لا تحدث مطلقًا ولهذا السبب معرفة عدد هذه الخطوط بدقة أمر صعب جدًا، فإذا كان هناك أي شيء من الخطأ فالعدد غير صحيح.

في رسالة الدكتوراة الخاصة بها والتي أكملتها في عام 2004 أجابت مريم على هذا السؤال عن طريق إيجاد معادلة توضح كيفية الزيادة في عدد الخطوط المستقيمة البسيطة لطول محدد كلما ازداد هذا الطول، بالإضافة إلى ذلك استطاعت الإجابة على اثنين من الأسئلة الهامة عن طريق البحث في نفس المجال، أحدهما يتعلق بالحجم الخاص بالفراغ الهندسي the volume of the moduli space وتعني كل مجموعة الأشكال القطعية أو الزائدية الموجودة أو التي من الممكن وجودها على سطح معين، والآخر كان إثبات رائع وجديد لاقتراح اقترحه الفيزيائي ادوارد ويتن من معهد الدراسات المتقدمة في برينستون عن بعض الدراسات الفراغية الخاصة بفراغات بالمعاملات المرجعية أو الفراغ الهندسي  topological measurements of moduli spaces والتي لها علاقة بنظرية الأوتار. هذا الاقتراح صعب جدا لدرجة أن أول عالم قام بإثباته هو Maxim Kontsevich من معهد للدراسات العليا قرب باريس حاز على ميدالية فيلدز بسبب الجزء الخاص بهذا العمل عام 1998.

يقول بينسون فارب أستاذ الرياضيات بجامعة شيكاغو: “حل أي مسألة من هذه المسائل هو عمل مبهر والربط بينهم هو عمل أكثر إبهارا ومريم قامت بفعل الاثنين معا “، نتيجة البحث الخاص بمريم توجد في ثلاث ورقات بحثية تم نشرهم في أعلى وأشهر ثلاث مجلات علمية للرياضيات وهم Annals of Mathematics و Inventiones Mathematicae وJournal of the American Mathematical Society معظم علماء الرياضيات لن يقوموا بإنتاج شيء بهذه الروعة وهذا هو ما فعلته مريم في رسالتها”.

1 2

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد