شهدت الأشهر الماضية مظاهرات واحتجاجات معارضة للنظام والحكومة في إيران، كانت شرارتها مدينة مشهد في محافظة خراسان شمال شرق إيران، لكن ماذا تعرف عن مدينة مشهد؟ ولماذا ثار أهلها وخرجوا للاحتجاج؟

Embed from Getty Images

المدينة المقدّسة

مدينة مشهد هي ثاني أكبر مدينة في ايران من حيث عدد السكان بعد العاصمة طهران، وتعتبر المدينة مقصدًا سياحيًا دينيًا لأغلب المنتمين للمذهب الشيعي، خاصة العراقيين، تمتلك المدينة أهم ضريح، وهو ضريح الإمام الرضا (الإمام الثامن لدى الشيعة الاثني عشرية)، وهو الإمام الوحيد الذي دُفن في إيران.

ظلت المدينة لسنوات طويلة تمتلك أفضل اقتصاد بين المدن الإيرانية، فهي الرابط التجاري الأهم بين إيران والصين والهند وباكستان وأغلب دول آسيا الصغرى، إلى  جانب السياحة الدينية التي تلعب دورًا هامًا في اقتصاد المدينة، فحسب عمدة مشهد يزورها حوالي 10 مليون سائح سنويًا من مختلف الجنسيات.

ومن المفترض أن كل تلك المزايا التي تتمتع بها المدينة تجعل أهلها محط غبطة أغلب الإيرانيون في باقي المدن، لكن الحال ليس كما يتخيله البعض؛ فأهالي مشهد مفلسون محبطون منذ أكثر من ثلاثة أعوام.

تعتمد مشهد في اقتصادها بشكل أساسي على سوق العقارات، لذلك فقد أقبل أهالي مشهد على استثمار أموالهم في شركات العقارات الكبيرة، يقول جعفر، وهو مواطن إيراني من مشهد لـ«ساسة بوست»: «كان لديّ أرض زراعية قمت ببيعها، ووضعت كل أموالي كأسهم في واحدة من تلك الشركات العقارية؛ لكي أستطيع أن أغطي مصاريف تعليم أبنائي».

لكنّ جعفر منذ عام 2015 لم يحصل على ريالٍ واحد من أمواله من تلك الشركة؛ فقد أعلن المدعى العام لإيران وقف نشاط أغلب تلك الشركات؛ بدعوى أنها ترتكب مخالفات مالية وفساد، فذهب الناس ليستردوا أموالهم، ومن بينهم جعفر؛ فطردهم رجال أمن الشركة. في نفس العام – وبشكل مباغت – أعلنت أكبر البنوك في مدينة مشهد إفلاسها، فسارعوا الأهالي لإغلاق حساباتهم في تلك البنوك محاولين استرداد أموالهم، لكن لم يستمع أحد لهم.

يقول عباسى لـ«ساسة بوست»: «على مدار شهر بأكمله كنت أذهب إلى البنك يوميًا لكي استرد أموالي، ولم يجبنِ أحد إلى الآن، وفي نهاية المطاف قالوا لي اذهب إلى البنك المركزي في طهران». تجمع عباسي وغيره من المتضررين واحتجوا أمام مبنى المدينة أكثر من مرة في محاولة منهم لكي تتدخل الحكومة في حل تلك الأزمة، لكن لم يصلهم أي رد. وما كان من المدعي العام إلا أن أعلن أنه سيتم حظر النشر فى قضية الأزمة المالية فى مشهد قائلًا: «إن هناك قضاة يتابعون تلك الأمور عن كثب، وعندما يتوصلون إلى حل سنعلن عنه».

بعيدًا عن السياسة والسلاح.. أبرز معالم إيران السياحية الساحرة التي لم ترها من قبل

العتبة الرضوية

لا يعتمد أهالي مدينة مشهد على الاستثمار في العقارات وحسب، بل إن لديهم أهم مزار شيعي على الإطلاق، وهو ضريح الإمام الرضا، لكن هل يعود هذا الضريح بالنفع على سكّان مشهد؟ أم أنهم يتلقّون الفتات منه فقط؟ قبل قيام الثورة الإسلامية في إيران كانت إدارة الضريح تابعة لمحافظة خراسان، وبقيام الثورة أسندت الحكومة حينها إدارة كل الإضرحة الدينية والمزارات لمؤسسة «آستان رضوى أو العتبة الرضوية»، التي يديرها رجال الدين.

اهتمت الحكومة بتطوير الضريح والمزارات وتجديده لجلب أكبر عدد من السياح له، وبمرور الوقت أصبحت مؤسسة العتبة الرضوية تمتلك أقوى نفوذ اقتصادي، ليس في مشهد فقط، بل في إيران بأكملها. من المفترض أن تلك المؤسسة هي واحدة من الجمعيات الخيرية المستقلة ماليًّا وغير خاضعة للحكومة المركزية في طهران، لكن يرى الصحافي الإيرانى علي (اسم مستعار)، المهتم بملفات المؤسسات الخيرية الدينية، أن العتبة الرضوية أصبحت كيانًا اقتصاديًا مرعبًا، يحتكر كل شيء في مشهد.

ويؤكد: «المؤسسة تمتلك فنادق وعقارات وبنوك، والمدهش أن تلك البنوك التابعة للمؤسسة هي من نهبت أموال أهالي مشهد وأعلنت إفلاسها»، وبحسب علي فإن استثمارات مؤسسة العتبة الرضوية امتدت لتصل إلى العراق ولبنان، وأيضًا تتمتع المؤسسة بالإعفاء من الضرائب.

حاول شاهين أحد سكان مدينة مشهد العمل في مؤسسة العتبة الرضوية لكي يحسن من وضعه المالي، لكنه فشل، حسبما ذكر لـ«ساسة بوست» قائلًا:«كنت أمتلك متجرًا صغيرًا فى محيط ضريح الإمام لبيع العطور، لكن حالتي الاقتصادية تدهورت قليلًا بسبب قلة الإقبال على الشراء، فحاولت أن التحق بالعمل في المؤسسة، لكني لم أنجح». يكمل شاهين حديثه مازحًا: «العمل في تلك المؤسسات يحتاج إلى شفاعة من الإمام علي شخصيًا».

الجدير بالذكر أن مؤسسة العتبة الرضوية يشرف عليها رجل الدين المحافظ إبراهيم رئيسي، والذى كان ينافس حسن روحانى في الانتخابات الرئاسية الماضية في عام 2017، ورئيسي يحظى بدعم وتأييد كبير من المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية. ويرى أهالي مشهد أن مؤسسة العتبة الرضوية هي السبب  في سوء الحالة الاقتصادية لهم، فالمؤسسة تنافس القطاع الخاص في كل شيء، ولا تكتفي بالمنافسة فقط، بل تحارب أي مشروع تجاري خاص.

حتى الخدمات الخيرية التي من المفترض أن تقدمها المؤسسة لا ينال المواطنون منها شيئًا، على سبيل المثال من المفترض أن تقدم المؤسسة خدمات طبية بالمجان لسكان مشهد، لكن هذا الأمر لم يحدث ويدفع الأهالي مقابلًا ماديًا لتلك الخدمات. ولم تكتف المؤسسة الخيرية بإقامة مشاريع تجارية وحسب، بل إنها تمتلك واحدًا من أهم البنوك في المدينة، وهو البنك الذي فوجئ الإيرانيون أنه قد أعلن إفلاسه فجأة، بعد شائعات باختلاس مدير البنك الأموال وهروبه من المدينة.

أزمات سكن ومياه

لا يعاني أهالي مدينة مشهد من الفساد المالي الذي حرمهم من وضع اقتصادي جيد فقط، بل أصبحت المدينة مليئة بالفساد الإداري أيضًا؛ ففى العام الماضي قدم عضو البرلمان عن المدينة طلبًا للحكومة لبحث أزمة المياه في المدينة.

فنتيجة التوسعات فى بناء الفنادق والقرى السياحية والتخطيط الخاطئ للمدينة، فإن 90% من الموارد المائية للزراعة والاستهلاك الفردي في مشهد يذهب إلى تلك الفنادق والقرى، ويعيش الأهالي على 10% فقط. ويضيف البرلماني نصر الله بزمانفر أنه بالرغم من كون مدينة مشهد مزارًا سياحيًا مهمًا، إلا أن المدينة تعاني من التهميش وسوء التخطيط. فبدلًا عن اتباع خطة لبناء الفنادق والأسواق السياحية، تمت تلك الأمور بعشوائية؛ مما جعل ثلثي السكان يذهبون للعيش على أطراف المدينة في مناطق تفتقر إلى الخدمات الضرورية.

بعد مرات كثيرة من الاحتجاج وطلبات للحكومة بالنظر إلى أحوال واحدة من أهم المدن في إيران، وعدت الحكومة أهالى المدينة بحل جميع مشاكلهم. لكن إلى الآن لم ينظر أي مسئول في تلك المشكلات التي يطالب أهالي مشهد بحلها ليلًا ونهارًا.

تعليقات الفيسبوك