«المرشد أو أبو أصبع أو العصفورة»: ألقاب يطلقها أهالي سيناء على المتعاونين ـ من أبنائهم ـ مع الجيش المصري والأجهزة الأمنية في سيناء؛ فهو ذاك «الملثم» الذي لا يخلو من معسكر أو كمين، أو أي تحرك ميداني لقوات الجيش المصري، دون أن يكون متواجدًا فيه أحدهم.

يعمل كمرشد ميداني، يسير وراء تعليماته الجيش المصري؛ فهو دليلهم في دروب الصحراء الواسعة، وهو الخبير بالمكان وأهله، وهو حجر الأساس في المنظومة الاستخباراتية للجيش في سيناء، تلك المنظومة التي تتكون من مجندين وضباطَ، ليسوا من أهالي سيناء، شبه الجزيرة الصحراوية، التي لها خصائصها الجغرافية والسكانية.

يُشتهر عنهم أنهم يتصيدون المُسلحين، لكن شهود عيان في سيناء أكدوا لـ«ساسة بوست»، أن المتعاونين، أو الملثمين، بات لهم دور أكبر، وأشد خطورة على سيناء؛ بعد أن استغلوا أهميتهم بالنسبة للأجهزة الأمنية المصرية، في ابتزاز شيوخ سيناء، ومواطنيها. بحسب شهود عيانٍ أيضًا، كان الملثمون هؤلاء سببًا في عشوائية ضربات الجيش، التي تطال أحيانًا كثيرةً، المدنيين ومنازلهم.

«القائد الميداني»

مع أنه يغطي وجهه في كل تحركاته الخارجية، إلا أنه يشتهر بين سكان قرية «المهدية»، في مدينة رفح، بأنه يعمل لصالح الجيش المصري، هذا المواطن السيناوي يدعي  «م. أ. ش»، وهو بمثابة «القائد الميداني» للحملات العسكرية التي يقوم بها الجيش المصري، يُشارك الضباط والعساكر بالإرشاد عن بؤر المُسلحين، كما يقول لـ«ساسة بوست» شاهد عيان.

 

ويُضيف شاهد العيان، الذي رفض نشر اسمه، أن هذا الملثم المُرشد، كان يُعطي التعليمات لطائرات «الأباتشي» المصرية؛ لقصف المنازل، التي كان يختارها هو. «في القرية يهابه الجميع، لا أحد يجرؤ على الشجار معه، أو مع أي من أفراد عائلته؛ لأن من يقدم على ذلك، فجزائه هدم منزله في أقرب حملة عسكرية»، يقول شاهد العيان.

يبتز مُلثم قرية المهدية، سُكانها، الطريقة بسيطة، كما قال لنا شاهد العيان، يذهب للمواطن، ويُخبره: «الجيش وضع عينه على بيتك، ويسألني هل هو بيت تكفيري (مُسلح) أم لا»، وهكذا يحصل على الأموال من سكان القرية بالابتزاز، لكن قبل شهور قليل، انتهى أمر مُلثم قرية المهدية؛ عندما قُتل برصاص مُسلحين من مدينة رفح.

ابتزاز المواطنين

بعض المتعاونين مع الجيش المصري من أهالي سيناء، يمارسون الابتزاز مع السكان كما ذكرنا، منهم الملثم «أ. أ. ح»، من مدينة «الشيخ زويد»، والذي يقوم بالإرشاد عن الأهالي؛ باعتبارهم مُسلحين، فتعتقلهم قوات الجيش المصري.

لا يكتفي بذلك؛ إذ يتواصل مع أهالي المُعتقلين؛ ليحصل على المال منهم، بعد أن يُقنعهم أن بإمكانه إخراج ذويهم من السجون، لكن ولاءه للجيش المصري لم ينفعه كثيرًا؛ فوفقًا لأحد سُكان مدينة الشيخ زُويّد، فإنّه عندما تغيرت قيادات «مُعسكر الزهور» التابع للجيش المصري، «سُرعان ما أنهى ضابط في المعسكر عليه؛ إثر خلافٍ بينهما: إذ دمّر الجيش منزله في غيابه، وأخذوا ذهبه وماله، مع أنه كان رجلهم»، على حد تعبير ساكن الشيخ زُويّد، الذي تحدث لـ«ساسة بوست»، وفضل هو أيضًا عدم الإفصاح عن هويته؛ لأسباب أمنية بدت واضحة.

«الملثم» يقرر مصير السجناء

«كنا نُصَفُّ في طابور طويل، ثم يمر الضابط، ويجاوره الملثم الذي يأخذ بالإشارة إلى كل معتقل على حده، ويقول: صفوا هذا (يقصد اقتلوه) ورحلوا هذا «للعازولي» (السجن)، وطلعوا هذا، وأبقوا هذا»، أو كما يروي مواطن سيناوي، عن تجربة عاشها بنفسه أثناء سجنه في مُعسكر الزهور، و«الكتيبة 101».

حسب تلك الشهادة التي وصلت لـ«ساسة بوست»، لم تقتصر مهام المرشد الملثم على تقرير مصير السجناء، بل إنّ حسن (اسم مُستعار)، الذي روى لنا شهادته، يُؤكد أن أول من حقق معه، بُعيد اعتقاله من سوق «الجورة»، في مايو (أيار) 2014، هو ملثم، «رحلوني إلى الزهور، وهناك حقق معي واحد ملثم، عرفته من صوته. بعدها حقق معي الضابط، وتعرضت للضرب من العساكر، واستمر حجزي في الزهور أربعة أيام، بعدها رحلوني إلى الكتيبة 101».

تجربة حسن، التي تمنى خلالها الموت؛ «للخلاص من جحيم التعذيب»، على حد تعبيره، تضاعفت مرارتها عليه، عندما أيقن أن مصير المساجين مُرتبط بقرار المرشد الملثم. يقول حسن «من هول ما رأيت داخل الكتيبة، كنت أتمنى أن يأتي دوري ضمن من سيتم تصفيتهم. كان ذلك أهون من الجحيم في الاعتقال».

ذل الشيوخ

في كل حملة عسكرية تحدث على منطقته، يفر الشيخ «عويضة مغنم»، مع المطلوبين من أهالي قريته، بعد أن كان مُقربًا للأجهزة الأمنية؛ السبب في ذلك، أنه مع الحملة الأمنية التي بدئت بعد الثالث من يوليو (تموز) 2013، رفض الشيخ عويضة أن يعمل مُرشدًا لصالح الجيش المصري.

 

في قرية «المقاطعة»، الواقعة جنوب الشيخ زويد، عرف الشيخ مغنم بجهده الكبير في الإصلاح بين الناس، وبخدمة سكان قريته؛ لذلك رفض أن يكون جزء مما اعتبرها حربًا عشوائية، إلا أنه لم يُترك وشأنه، فاعتقل اثنان من أبنائه، وهما «رياض ومجدي»، في ديسمبر (كانون الأول) 2013، وبعد أيّام من اعتقالهما، وُجدت جثتيهما قرب مطار «الجورة».

لاحقًا، ألقى الجيش القبض على حفيد «الشيخ مغنم»، ويُدعى «نزار»، وبعد أيام عُثر عليه مقتولًا قرب مقابر الشيخ زويّد. أما نجل الشيخ الآخر، ويُدعى «أيمن»، فقد اُلقي القبض عليه ورُحّل إلى سجن «الجلاء».

المشايخ بين نارين

يولي الجيش المصري، ثقته الكاملة، لما يُقوله المرشد الملثم، في تعاملاته مع أهالي سيناء، يستعين به الجيش في الميادين، ويسترشد بتعليماته؛ في المُقابل، يتجه الجيش إلى التعامل بعنف مع مشايخ القبائل، خاصة الذين يصفون الحرب بـ«العشوائية»، وقد تضرر منها أبناء عشائرهم.

هؤلاء المشايخ الذي شكل وجودهم في المجتمع السيناوي، أولوية كبيرة نظمت الحياة الاجتماعية، كان تصعيدهم، وإجمال دورهم، بتنسيق حكومي، لتتحول الآية، بعد حملة الجيش العسكرية على الجماعات المُسلحة في سيناء، مُنذ الثالث من يوليو (تموز) 2013.

مما يُذكر في هذا الصدد، قصة الشيخ «مرضي أبو فريح»، أحد مشايخ جنوب رفح، والتي يرويها لنا قريبٌ له، رفض نشر اسمه. يقول الرجل إنّه عند بدء الحملات العسكرية في سيناء، طلب الجيش المصري من الشيخ أبو فريح، أن يرشده على أعضاء التنظيمات المُسلحة، فأخبرهم الشيخ أنّه لا يعرف عنهم شيئًا.

وتحت وطأة ضغوط الجيش على أبو فريح، قدم استقالته، وتخلى عن سلاحه المُرخّص، والخِتم الرسمي الذي تمنحه الحكومة لهم؛ ردًا على ذلك، أقدمت قوات الجيش على هدم منزله الواقع جنوب رفح، ومع ذلك، ظلّ أبو فريح على قوائم المطلوبين من قبل «تنظيم ولاية سيناء»، على أنه «متعاون مع الجيش المصري»!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد