894

لم تعر الحكومة العراقية والكتل السياسية في بادىء الأمر أهمية كبيرة للمظاهرات التي بدأت في محافظة البصرة أقصى جنوب العراق لكن ومع مرور الأيام، وخلال أسبوع واحد، توسعت المظاهرات التي طالبت بالخدمات، وتوفير فرص العمل، وتحسين واقع البنى التحتية المتردي؛ لتشمل جميع محافظات وسط وجنوب العراق، ولتتخذ الأوضاع بعدها منعطفات خطيرة مع تصدي القوات الأمنية للمتظاهرين، وسقوط قتلى وجرحى.

الأسطر التالية تناقش مظاهرات العراق في محاور ثلاثة: أولها عفوية المظاهرات في بداياتها، وسبب خروج المظاهرات من الأساس. والمحور الثاني الأجندة الإيرانية ومصالحها وخسائرها جراء المظاهرات. والمحور الثالث سيناقش الأجندة الأمريكية واحتمالية دورها في المظاهرات.

ما أسباب خروج المظاهرات في محافظات الجنوب؟

يمكن تحديد تاريخ بدء المظاهرات الكبيرة في محافظة البصرة بيوم السبت السابع من يوليو (تموز) الجاري، حين بدأت مظاهرات شعبية من شباب البصرة تنوعت مطالبها ما بين  تحسين الخدمات من ماء وكهرباء وتحسين واقع البنى التحتية وتوفير فرص العمل ، بعد أن باتت معدلات البطالة تشهد ارتفاعًا غير مسبوق إثر إلغاء وتقنين التعيينات الحكومية في ميزانية العامين الأخيرين؛ ما زاد من حنق الشباب على الحكومة وسياساتها.

كاظم المنصوري شاب تخرج من كلية الهندسة قسم الميكانيك من جامعة البصرة قبل أربعة أعوام، يقول كاظم في حديثه لـ«ساسة بوست»: إنه بات يشارك في المظاهرات التي تخرج في مدينته البصرة، وإنه يشارك في جميعها. ويضيف المنصوري أنه عاطل عن العمل منذ ما يزيد عن عام، وأنه – رغم أن تخصصه مطلوب لدى الشركات النفطية في البصرة – إلا أن أحدًا لا يستطيع العمل معهم بسبب سياسة الحكومة العراقية التي لم تفرض على الشركات تشغيل الأيدي العاملة العراقية وسماحها الشركات باستقدام عمالة أجنبية، ويختتم المنصوري حديثه لـ «ساسة بوست» بالقول: «أتمنى أن تتهيأ لي الفرصة لأهاجر إلى أوروبا».

Embed from Getty Images

مجموعة من شباب البصرة يهتفون ضد الحكومة

علي موسى شاب آخر من مدينة البصرة، يشارك في المظاهرات الأخيرة التي تشهدها البصرة في الأيام الماضية، يقول موسى في حديثه لـ«ساسة بوست»: إن درجة الحرارة في البصرة وصلت إلى 54 درجة مئوية، ومع هذه الحرارة الملتهبة، يتواصل انقطاع التيار الكهربائي لمدة تزيد عن 18 ساعة في اليوم، ويضيف أن البصرة تعاني من كارثة محققة، فلا كهرباء ولا ماء صالح للشرب ولا فرص عمل، وأن الماء الصالح للشرب بات من الأحلام في مدينة البصرة.

ويذكر موسى أن الماء الذي يأتي في بعض الأحيان عن طريق شبكات الأنابيب الحكومية لا يصلح لغسيل الملابس، فكيف للشرب؟ وأشار موسى في حديثه إلى تردي واقع الخدمات الأساسية في عموم محافظات العراق والبصرة خاصة، حيث أكوام النفايات في الشوارع والطرق المتكسرة والبطالة التي تستفحل يومًا بعد يوم في مدينة تقبع في أغنى بقعة نفطية في العالم، بحسبه.

انتقلت حمى التظاهرات من البصرة لتشمل مختلف مدن وسط وجنوب البلاد ولتمتد إلى العاصمة بغداد، وتعد المظاهرات الأخيرة التي تشهدها البصرة والمحافظات الأخرى الأعنف على الإطلاق حيث قتل فيها حتى الآن ما لا يقل عن 10 أشخاص وجرح أكثر من 500 آخرين، بحسب الضابط في وزارة الداخلية «س. ع» الذي فضل عدم الكشف عن اسمه ومنصبه، والذي أضاف في حديثه لـ«ساسة بوست» إلى أن الأوضاع باتت أشد وأكثر عنفًا مع إصرار المتظاهرين على اقتحام الدوائر الحكومية ومؤسسات الدولة والحقول النفطية، وأشار إلى أنه إذا استمرت الأوضاع على حالها مع عدم قدرة الحكومة على تلبية مطالب المتظاهرين، فمن غير المستبعد أن تخرج الأوضاع عن السيطرة تمامًا، بحسبه.

الحكومة تعزل الجنوب عن العالم الخارجي

في ظل تكتيم إعلامي، وقطع كافة شبكات الهاتف المحمول والأرضي وقطع خدمة الإنترنت بصورة تامة عن محافظات وسط وجنوب العراق، تشتعل محافظات الجنوب العراقي بمظاهرات دامية مع سقوط عدة قتلى وعشرات الجرحى، يؤكد الناشط حسين المولى – وهو أحد المتظاهرين الذين شاركوا خلال الأيام الماضية في مظاهرات مدينة الناصرية- في حديثه لـ«ساسة بوست» بعد أن استطاع الوصول الى العاصمة بغداد هربًا من الملاحقة الأمنية، أن الوضع في المحافظات الجنوبية مضطرب جدًا مع سقوط قتلى وجرحى واستخدام القوات الأمنية القوة المفرطة في تفريق المتظاهرين.

ويضيف المولى أن المظاهرات اشتدت خلال اليومين الماضيين، وأن جميع وسائل التواصل باتت مقطوعة عن مدن جنوب العراق، فلا هواتف أرضية ولا محمولة ولا إنترنت، وإن ما يخرج من أخبار من المدن هي لناشطين يمتلكون هواتف تعمل عبر الأقمار الصناعية (الثريا) وهي قليلة نسبيًا، كما أضاف أن القوات الحكومية منعت الصحافيين منذ أربعة أيام من تغطية أية مظاهرة، وبالتالي فإن المتابع للأحداث من خارج هذه المدن يظن أن المظاهرات قد خفت وتيرتها، لكن ما يجري هو العكس تمامًا، بحسب المولى.

Embed from Getty Images

المتظاهرون يحرقون إطارات السيارات ويغلقون الطرق

مصدر في وزارة الاتصالات العراقية – اشترط عدم الكشف عن هويته – ذكر لـ«ساسة بوست» أن وزارة الداخلية أوعزت إلى وزارته بحجب مواقع التواصل الاجتماعي، مع إيقاف شبكات الهاتف المحمول والثابت، وأشار المصدر إلى أن وزارته نفذت فعليًا ما أمرت به، لكن الناشطين ومن خلال برامج «VPN» استطاعوا كسر الحظر، ما حدا بوزارة الاتصالات إلى فصل خدمة الإنترنت وقطعها تمامًا عن المحافظات التي تشهد مظاهرات مناوئة للحكومة، بحسب المصدر.

وفي ظل هذه الأوضاع، أفاد المحلل السياسي مأمون الدباغ في حديثه لـ«ساسة بوست» إلى أن اقتحام مطارالنجف من قبل المتظاهرين وإحراق مقرات بعض الأحزاب الإسلامية الشيعية، والتي تتبوأ السلطة منذ 14 عامًا، يشير إلى أن الشعب العراقي ملّ من الوعود المتكررة التي تطلقها مختلف الكتل السياسية، وأشار الدباغ إلى أن هذه المظاهرات يبدو أنها ليست كسابقاتها، وأن المتظاهرين لن يعودوا الى بيوتهم ما لم تلبِ الحكومة مطالبهم، وهذا ما لن تستطيع الحكومة تنفيذه خلال أيام نظرًا إلى الفجوة الكبيرة بين الواقع الحالي للمدن التي تشهد المظاهرات مقارنة مع مطالب المتظاهرين التي تحتاج إلى سنوات من العمل الدؤوب من الحكومة، بحسبه.

إيران مستفيدة..

جهات عدة قد تكون مستفيدة من مظاهرات البصرة، وقد تكون مصالح هذه الأطراف متضادة، لكن كل طرف يسعى لتحقيق مصالحه من خلال العراق واستغلال الأزمات المتلاحقة التي تعصف به، يؤكد الدكتور علي بشار، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة جيهان في حديثه لـ«ساسة بوست»، على أن من حق الشعب العراقي المطالبة بحقوقه من خلال التظاهر، ولكن اقتحام الشركات النفطية واحتمالية إيقاف الإمدادات النفطية وإيقاف عمل الشركات قد يصب في صالح الشركات ذاتها.

وأوضح بشار أن توقف عمل شركة «لوك اويل» الروسية في حقل غرب القرنة يعني أن الحكومة العراقية بحسب العقد المبرم مع الحكومة وجولة التراخيص عليها أن تدفع ما قيمته برميل واحد لكل خمسة براميل مُنتجةَ في هذا الحقل، علمًا بأن هذا الحقل ينتج 200 ألف برميل يوميًا، ويضيف بشار أن حصة الشركة يوميًا من هذا الحقل فقط تبلغ 40 ألف برميل، بمبلغ يصل إلى 2.8 مليون دولار إن كان سعر البرميل الواحد 70 دولارًا، ويوضح بشار في حديثه أن العقد المبرم بين الشركة والعراق يلزم العراق بدفع هذا المبلغ، سواء استمر الإنتاج أم توقف نتيجة ظروف أمنية أو ظروف خارجة عن إرادة الشركة كما يحصل الآن، بحسبه.

ويشير الخبير الاقتصادي خالد محمد جعفر في حديثه لـ«ساسة بوست» إلى أن العراق مقبل على جولة تراخيص نفطية جديدة خلال الأشهر القادمة، وأن ما حدث في حقل غرب القرنة سيرفع من الشروط الجزائية التي ستفرضها الشركات على الحكومة العراقية، ويضيف أن الشركات النفطية ليست وحدها المستفيدة من تدهور الأوضاع في جنوب العراق، بل إن إيران تأمل أن تؤدي المظاهرات الى تراجع الإنتاج النفطي العراقي في سبيل ارتفاع أسعار النفط عالميًا، وفي حال حدوث ذلك فإن هذه تعد هدية لإيران كرد على العقوبات الأمريكية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الصادرات النفطية الإيرانية، كما تعد ردًا أيضًا على مطالب ترامب من منظمة «أوبك» زيادة الإنتاج النفطي في سبيل خفض الأسعار، بحسب جعفر.

Embed from Getty Images

القوات العراقية تفرق المتظاهرين

وعلى صعيد ذي صلة، يقول الصحافي العراقي المختص بالشأن الإيراني «مؤيد الحمداني»: إن إيران وعلى الرغم من أنها تنظر بترقب وحذر للمظاهرات في جنوب العراق، إلا أنها تحاول أن تجني أكبر فائدة من هذه التظاهرات قبل خروجها عن السيطرة، وأضاف الحمداني أن إيران تنظر لهذه المظاهرات على أنها فرصة لإثبات نفوذها في العراق أمام الولايات المتحدة، وبالتالي فإنها تستفيد من هذه التظاهرات على اعتبار إحراج الولايات المتحدة الامريكية من خلال تهديدها بإخراج الأوضاع عن السيطرة وفقدان الولايات المتحدة لنشوة النصر الذي تحقق ضد مسلحي «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» في يوليو (تموز) 2017 .

وأضاف الحمداني أن إيران تعوّل على أنه في حال خروج المظاهرات عن السيطرة وامتدادها إلى بغداد، فإن الفوضى ستعم جميع المحافظات العراقية، حتى الشمالية منها التي كانت تحت سيطرة مسلحي تنظيم (داعش) حتى يوليو من العام الماضي، وتتجلى مصلحة إيران من ذلك بحسب الحمداني في أن المحافظات الشمالية لا زالت تعيش صدمة ما بعد تنظيم (داعش)، إضافة إلى أن أطراف وبوادي المدن الشمالية والغربية في محافظات نينوى وصلاح الدين وكركوك والأنبار لا زالت تشهد هجمات متقطعة من مسلحي التنظيم الذين ينتشرون في الصحارى والبوادي، ويترقبون الفرصة في سبيل مهاجمة المدن الكبيرة في حال خروج الأوضاع الأمنية في العراق عن السيطرة، وإن حدث ذلك فإن الأوضاع ستصب في غير صالح الولايات المتحدة، بحسبه.

يثير سكوت الولايات المتحدة عن الأحداث التي تعصف بمحافظات وسط وجنوب العراق تساؤلات عدة، وهي التي كانت لا تترك شاردة ولا واردة، إلا وتخرج سفارتها في بغداد ببيان صحافي توضح موقف واشنطن من الأحداث، يقول الخبير والمحلل السياسي رياض الزبيدي في حديثه لـ«ساسة بوست»: إن امريكا، وعلى الرغم من سكوتها الإعلامي عن مظاهرات جنوب البلاد، إلا أنها بدأت تستغل مظاهرات الجنوب في سبيل الضغط على الكتل السياسية العراقية ذات الميول الإيرانية.

ويشير الزبيدي في حديثه إلى أن تحول مسار التظاهرات في استهداف مقرات الأحزاب الإسلامية والفصائل الموالية لها كحزب الدعوة وتيار الحكيم ومقر مليشيا عصائب أهل الحق وفي أكثر من محافظة، يشير بما لا يدع مجالًا للشك إلى أن الولايات المتحدة ردت على المصالح الإيرانية المتأتية من المظاهرات، والتي وجهت فيها بعض المتظاهرين إلى مهاجمة الحقول النفطية، وأضاف الزبيدي إلى أن التحرك الأمريكي في حال ثبوت حصوله فإنه يعد ضغطا على الكتل السياسية في سبيل الإسراع بتشكيل الحكومة المرتقبة، وضغطًا في سبيل تشكيل حكومة بعيدة عن النفوذ الإيراني قدر المستطاع، بحسبه.

Embed from Getty Images

المتظاهرون يحرقون مقرات أحزاب إسلامية شيعية

وعن استهداف مقرات حزب الدعوة وغيرها من الأحزاب الإسلامية الموالية لإيران، يقول الدكتور كاظم موسى أستاذة العلوم السياسية السابق في جامعة بغداد لـ«ساسة بوست»: إن مظاهرات المحافظات الوسطى والجنوبية في العراق أشعلت حربًا بالوكالة ما بين إيران وحلفائها وما بين الولايات المتحدة ومناصريها، ولا يمكن لأحد أن يتوقع تطورات الأيام القادمة، بحسبه.

الأوضاع الأمنية والاستراتيجية في العراق والتي تلت سيطرة  (داعش) عام 2014 على محافظات شمال العراق تختلف كليًا عن الأوضاع التي سبقتها، بحسب الخبير والمحلل الأمني العراقي إبراهيم العسكري الذي ذكر أن الولايات المتحدة وقواتها باتت منتشرة في مناطق شمال العراق على النحو الذي كانت عليه بعيد الغزو الأمريكي عام 2003، وأشار العسكري إلى أن جميع القواعد العسكرية الأمريكية باتت متمركزة بشكل كامل في المحافظات السنية، وهي كل من: صلاح الدين، والأنبار، ونينوى، مع نقطة تسجل لصالح الولايات المتحدة، وهي تَقَبُل السُنّةِ لهذا الوجود الجديد كبديل عن الوجود الإيراني.

وأوضح العسكري أن الوجود الأمريكي بقواعد كبيرة في هذه المحافظات يعد عاملًا مهمًا لعدم انتشار الفوضى في هذه المناطق مرة أخرى، وأنه في حال خروج الأوضاع عن السيطرة في المحافظات التي تشهد مظاهرات شعبية، فإن هذه المليشيات الشيعية التي تتبع أجندات متباينة لن تصمد طويلًا أمام اقتتال داخلي فيما بينها في سبيل السيطرة على الموارد والسلاح؛ ما يشكل فرصة مواتية للأمريكيين في الحد من النفوذ الإيراني قبيل بدء تطبيق العقوبات الأمريكية القاسية على إيران، والتي ستدخل حيز التنفيذ في نوفمبر (تشرين الثاني) القادم، بحسب العبيدي.

وعن احتمالية امتداد المظاهرات الكبيرة إلى العاصمة بغداد، أشار العسكري في ختام حديثه لـ«ساسة بوست» إلى أنه من المستبعد أن تشهد بغداد اضطرابات أمنية كبيرة، وأن الولايات المتحدة لن تسمح مطلقًا بسقوط العاصمة وانتشار الغوغاء فيها على النحو الذي حصل عام 2003، ذلك أنه في حال حدوث ذلك، فهذا يعني عودة الولايات المتحدة إلى المربع الأول، وهذا ما لا طاقة لها به الآن، بحسب العسكري.

تعليقات الفيسبوك