ندخلك بهدوء إلى عالم فيلم «Bird box»، والذي حقق  ما يقارب 50  مليون مشاهدة على الموقع لرسمي لشركة «نيتفلكس»؛ ونخبرك أن الفيلم لم يكن مجرد فيلم رعب آخر عن نهاية العالم المعتادة.

لكنّه ناقش من خلال أحداثه ظاهرة اجتماعية ونفسية يُطلق عليها «الهيستريا الوبائية»، أو «الهيستيريا الجماعية»، والتي تتسبب في انتشار سريع للأعراض الجسدية لمرض ما غير معروف، بينما لا يوجد سبب عضوي لتلك الحالة سوى الاضطراب العصبي الذي يبدأ من مجموعة صغيرة، وينتقل بسرعة إلى دائرة مجتمعية أكبر، وتنتقل العدوى وتنتشر دون  وجود عامل فيروسي، أو بكتيري مسؤول عن العدوى.

خلال أحداث الفيلم الذي أدّت بطولته الممثلة ساندرا بولوك؛ يتعرض البشر لحالة هستيريا عامة تدفعهم للانتحار مباشرة، وبأبشع الطرق، وللبقاء على قيد الحياة يجب ألا يخرج الشخص من بيته وعينيه مفتوحتين أبدًا.

أثار الفيلم الجدل حتى اضطرت نيتفلكس أن تضع بعض التحذيرات، خاصة بعد أن حاول المراهقون في أكثر من بلد نشر تحد بنفس اسم الفيلم، على أن يخرج من يقبل التحدي من بيته وعيونه مغمّاةً، ويمارس طقسًا يوميًا عاديًا على هذا الشكل، وربما يكون التأثير القوي الذي تركه الفيلم على المشاهدين لا يعود سببه لجودة صناعة الفيلم، بل لأن هذا الوباء النفسي عرفه البشر من قبل، وعاشوا رعبه على أرض الواقع، ويشعرون تجاهه بالألفة.

في هذا التقرير نذكر لكم بعض حالات الهستيريا الجماعية، أو الهستيريا الوبائية، والتي حدثت للبشر بالفعل.

1- شبح أم حالة هستيريا جماعية؟

يبدأ الفصل الدراسي في مدرسة إليسا فلوريس في بيرو؛ مثل أي يومٍ عاديّ في عام 2016.

في منتصف اليوم الدراسي تفاجأ الطلاب في المرحلة الإعدادية بزميلٍ لهم يقع على الأرض صارخًا، ثم مصابًا بتشنجاتٍ عضلية كادت تكسر عظامه، بينما يخرج الزبد من فمه، وجسده ينتفض انتفاضة من تلقى شحنات كهربائية عالية.

أصيب الأطفال بالهلع، واقترب منه المعلمون محاولين تهدئته. خرجت الكلمات من شفتيه المنهكة تحكي عن رجٍلٍ أسود البشرة ضخم الجثة صاحب لحية بيضاء حاول قتله؛ فلا يفهم أحدهم شيئًا.

في اليوم التالي تكرّر الأمر نفسه مع طفل آخر، وتوالت الأيام وزاد الضحايا من الأطفال في سن الثانية عشر حتى زاد عن 100 حالة مُصابة بالأعراض الجسدية نفسها، والأغرب هي نفس الرؤية عن الشخص الأسود الذي يطارد الأطفال في خيالهم، ولا يراه أحد سواهم، حتى استقر أهالي تلك المنطقة أن هناك استحواذًا شيطانيًا سيطر على هؤلاء الأطفال واستهدفهم؛ فعم الرعب القرية التي تقع بها المدرسة، وبدأت جلسات صرف للشيطان في المنزل، بينما اقتحمت كاميرات الإعلام تلك المدارس لتوثيق ما يمر به الطلاب من حالات تشنج وإغماء جماعي.

شاهد تلك اللحظات الموثقة من داخل المدرسة.

حالة الرعب العامة التي سيطرت على القرية بسبب مرض هؤلاء الأطفال مخيف الأعراض؛ دفعهم للاشتراك في تلك الهستيريا العامة؛ فبدأ الأهالي والمدرسون يتحدثون عن هذا الرجل الأسود الذين يرونه طوال الوقت، وهو يتربص بالمدرسة، حتى أن أحدهم حاول تصويره بهاتفه، ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي مؤكدًا – من وجهة نظره – أن تلك هي صورة الشبح المسئول عن تلك الإصابات الشيطانية كما وصفها أهل البلدة.

الصورة التي صورها أحد المدرسين لتوثيق ظهور الرجل الأسود. مصدر الصورة موقع «تويتر»

«لسنا متأكدين مما أصابنا، وما الذي أثر فينا بهذا الشكل، ولكن تلك المدرسة قديمة جدًا، وهؤلاء الطلبة أشقياء وغير مطيعين، وغالبًا جاءت الأرواح تعاقبهم»، هكذا صرّح مدير المدرسة للإعلام عن تفسيره للوباء الذي أصاب المدرسة، ومن ثمّ البلدة.

استمرت تلك الهستيريا لثلاثة أيام متواصلة، كان يسمع خلالها أهل القرية – وفقًا لتصريحاتهم – صراخًا قادمًا من المدرسة، رغم أنّها خالية ومغلقة، فاضطرت السلطات للجوء إلى كل الحلول لتطهير تلك المدرسة، بدءًا من الجنائيين، وحتى السحرة وطاردي الأرواح الشريرة.

بعد مرور الثلاثة أيام، فتحت المدرسة أبوابها، مرة أخرى، وانتهى الأمر على ذلك، وسط حيرة من تفسير ذلك الأمر بين ظهور شبح أفريقي، وهو أمر يبدو غريبًا، أو ما يصفه علم النفس بحالة «هستيريا جماعية».

لست مكتئبًا ولكنك مريض.. 6 أمراض نفسية سببها المرض العضوي

2- ليست المياة ولكنه المجتمع

حاولوا لوم المياه الملوثة، والهواء المسموم، وغيره من عوامل الطبيعة التي قد تكون سببًا فيما أصاب طالبات مدرسة لي روي في الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن كل تلك الحجج لم يؤيدها دليل واحد؛ فما الذي أصاب الفتيات؟

في صباح أحد أيام صيف 2012 استيقظت كاتي كراوتورست الطالبة بتلك المدرسة الثانوية وهي تشعر أن فكّها على غير ما يرام؛ فهو يتدلّى للأسفل دون إرادتها، حاولت أن ترجعه إلى موضعه بذراعها، ولكنّه بدأ يترنح في اتجاهاتٍ شتّى وكأنه يملك إرادة حرة تخرج عن إرادة كاتي، فحاولت أن تصرخ لتجد أصواتًا غريبة تخرج من حنجرتها وكأنها فقدت السيطرة على جسدها كله.

في اليوم التالي لم تقدر كاتي على المشي، وفي أيامٍ قليلة انتشر هذا الوباء في المدرسة ما جعل الطالبات تسير في الأرجاء وكأنهنّ    ممسوسات شيطانيًا في فيلم رعب معتاد.

بعد الكثير من التحاليل الطبية، واختبارات الماء التي جاءت سلبيّة؛ أصيب الأهالي بالفزع لأنهم كانوا يصدقون أن المياه الملوثة هي السبب في هذا الوباء، وكان لديهم ما يلقون اللوم والغضب عليه، ولكن الآن – ومع انتشار هذا الرعب في مكان المدرسة وبين الأهالي – تدخّل علم النفس ليخبر هؤلاء الآباء المفزوعين بأن اللوم الوحيد يقع على عاتق المجتمع نفسه.

شاهد لقاءً (باللغة الإنجليزية) مع أول فتاة مصابة بالمرض، شاهد كيف يتحرك جسدها رغمًا عنها

فسّر أكثر من طبيب نفسي للإعلام أن ما أُصيبت به الطالبة الأولى كان مرضًا نفسيًا يسمى «اضطراب التحويل»، وهو المرض الذي يدفع صاحبه لتحويل كل الضغط النفسي والتوتر الذي يمر به إلى أعراض جسدية مرضية، وبعد خروج الحالة الأولى للعلن توالت الحالات من وراءها في الظاهرة النفسية التي نتحدث عنها وهي الهستيريا الجماعية، وهو تفسير أكده عدم ظهور أي سبب عضوي لإصابة الطالبات.

3- المشروبات الغازية مُضرة.. ولكن ليس لهذه الدرجة

في عام 1999 سحبت شركة «كوكاكولا» ما يقرب من 30 مليون زجاجة من منتجاتها من الأسواق البلجيكية، وجاء هذا بعد أن أصيب ما يزيد عن 100 شخص بحالة من تشنجات المعدة، والغثيان، والصداع، واضطراب ضربات القلب بمجرد انتهائهم من شرب زجاجة كوكاكولا؛ الأمر الذي انتشر سريعًا في المجتمع، والذي صدق بدوره أن زجاجات كوكاكولا بها سم قاتل.

بعد سحب المشروبات الغازية من الأسواق، صرح أربعة من أعضاء مجلس الصحة البلجيكي أن التحريات في هذا الأمر أثبتت أن المشروبات الغازية لم تتسبب في تلك الحالات المرضية، وأن المشروبات الغازية مضرة بالفعل، ولكن ليس لهذه الدرجة، مؤكدين أن ما حدث لم يكن سوى هستيريا جماعية أصابت المجتمع في بلجيكا.

وبدأ الأمر في منتصف العام، حينما شعر 26 طالبًا من مدرسة واحدة بتوعك شديد وغثيان واضطراب في ضربات القلب عقب شربهم للمياه الغازية، ولم يمر أكثر من يومين حتى سارت الهستيريا إلى باقي التلاميذ في المدرسة، ثم بعض المدارس الأخرى، وتدخلت السلطات فورًا وحظرت بيع كوكاكولا خاصة بعد أن خرج هذا الذعر خلف أسوار المدرسة.

انهالت الاتصالات بالمركز الوطني للسموم للإبلاغ عن حالات مشابهة، ولكن لم يثبت إصابة أحدهم بأي أسباب عضوية لتلك الحالة المرضية التي أصابت المئات في بلجيكا؛ وربما صرخة الطفل الأول وهو يتلوى وفي يده زجاجة المشروب الغازي كانت الفتيل الذي أشعل الرعب في نفوس الأطفال، والذين هم أكثر عرضة للإيحاء، ومنهم انتقلت الهستيريا للكبار أيضًا.

8 أمراض نفسية جسدتها السينما تجسيدًا مرعبًا

4- الضحك وباءًا في تنزانيا

قال تشارلز ديكنز: «لا يوجد شيء في العالم معدٍ أكثر من الضحك»، وربما تتذكر في مرة حينما بدأ شخص في الضحك أمامك دون أن تدري السبب، فتجد نفسك ضاحكًا مستفسرًا عن سبب ضحكه الشديد، ولكن هل يمكن لتلك العدوى التي تبدو لطيفة بأن تكون مرضًا خطيرًا ووباءً يجتاح المئات؟

في عام 1962 ضحكت فتاة ضحكة مكتومة في فصلها الدراسي هاجمتها دون سبب، ومن ثمّ ضحكت زميلتها المجاورة على ضحكها، وبدأ الوباء من تلك القهقهة المكتومة، وتصاعد الأمر إلى حد الضحك الهستيري في أنحاء المدرسة الداخلية بقرية كاشكا بتنزانيا، حتى أصيب 95 طالبًا من أصل 159 طالبًا مقيمين في المدرسة، وظن البعض أن هذا وباء قاتل، والضحك المستمر من أعراضه الجانبية، ولكن لم يحدث للأطفال أي ضرر يُذكر، إلى جانب أن طاقم التدريس كاملًا لم يُصَب بشيء.

بعد عدة أشهر من استمرار تلك النوبات الهستيرية، أغلقت المدرسة أبوابها وسرحت الطلبة، في حين انتشر الأمر في 14 مدرسة أخرى، وأصاب ما يزيد عن الألف شخص، واستمر الوباء في البلد لما يزيد عن عام ونصف أصاب خلالها الآباء أيضًا.

إذا طلب منك مديرك أن تكون مبدعًا شاهد فيلمًا كوميديًا! 6 فوائد مُثبتة علميًا للضحك

خلال العام ونصف لم يعد الأمر مضحكًا، هذا لأنّ الضحك يؤثِّر على قدرة الإنسان على التنفس، ولذلك لا يجب أن يستمر في الضحك زيادة عن 20 ثانية.

تلك الحالة تركت المصابين يضحكون ساعاتٍ متواصلة مع فترات راحة قصيرة. وأجرى عالم النفس كريستيان إف همبلمانوف العديد من الدراسات النفسية حول تلك الواقعة، خاصة بعد أن أكدت كل التحاليل أن تلك الحالة لم تنتج عن تسمم غذائي أو أي عنصر في البيئة المحيطة للمصابين، موضحًا أن تلك الحالة مطابقة للهستريا الجماعية، والتي من رأيه هي الوسيلة الأسهل لمن يريدون التعبير عن ضغوطات الحياة، وليس لديهم تلك الرفاهية.

فعندما ينهار أول شخص يكون مثل قطعة الدومينو التي تضرب باقي أفراد المجتمع وتوقعهم في نفس الحالة بأعراضها.

المصادر

تحميل المزيد