على مدار السنوات الأخيرة أصبح يحوم حول «فيزياء الكم» الكثير من التساؤلات، وعلى الرغم من «غرابة» الآلية التي تعمل بها الفيزياء الكمية، فإن العلم شهد مؤخرًا إنجازات واكتشافات علمية تعتمد على تلك الآلية «الغريبة وغير المفهومة» على حد وصف العلماء. في هذا التقرير سنتحدث عن واحدة من العمليات الحسابية التي أطلق على إمكانية حلها «مستحيلة» وهي مشكلة حسابية يطلق عليها «معضلة ضابط أويلر»؛ تلك المشكلة التي استطاعت فيزياء الكم حلها. فهيا بنا نتعرف على تلك العملية الحسابية، ودور فيزياء الكم في حلها من خلال هذا التقرير.

ما هي «معضلة ضابط أويلر»؟

تلك العملية الحسابية الصعبة؛ شبهها علماء الرياضيات بتشبيه غريب بعض الشيء لشدة صعوبتها، وقالوا إن «معضلة ضابط أويلر» كأنها «لعبة السودوكو» لكن بعد أن تناولت المنشطات وأصبحت أكثر قوة وتعقيدًا، ولعبة السودوكو (Sudoku) لمن لا يعلم هي من ألعاب الذكاء أو أحجية مختصة بالأرقام، ومعناها حرفيًا: «الرقم الوحيد».

انتشرت اللعبة في مختلف أنحاء العالم منذ عام 2005، وتحتاج اللعبة أن يتمتع من يلعبها بالذكاء، والقدرة على التفكير المنطقي، والتجربة، واحتمالية الإصابة أو الخطأ، إضافةً إلى أنها تعتمد على حساب الأرقام بالخانات العمودية والأفقية لإتمامها بالشكل الصحيح.

أما معضلة ضابط أويلر فهي أكثر تعقيدًا من ذلك، وقد وضع هذه المعضلة الحسابية التي قيل إن حلها مستحيل عالم الرياضيات ليونارد أويلر في عام 1779، حين اقترح أن هناك ضابطًا يقود جيشًا مكونًا من ست مجموعات، وكل مجموعة تتكون من ستة ضباط كل واحد منهم برتبة مختلفة عن الآخر، فهل يمكن ترتيب هؤلاء الضباط في مربع من ستة أعمدة في ست صفوف، دون تكرار رتبة أو مجموعة في أي صف أو عمود؟

محاولات فاشلة لحل المعضلة

أكد علماء الرياضيات، ونتائج الدراسات التي أجريت لحل تلك المعضلة أن حلها «مستحيل». وقد جاء كثيرون من بعد أويلر ولم يتمكنوا من حل هذا اللغز أو الأحجية، ومنهم عالم الرياضيات الفرنسي جاستون تاري الذي أكد أنه ليس هناك سبيل لحل تلك المعضلة الرياضية.

وفي عام 1960 استخدم علماء الرياضيات الحواسيب بغرض الوصول لحل هذه المعضلة، لكنهم لم يجدوا حلًا أيضًا! الأمر الذي كان «غريبًا» بالنسبة لهم، ونشرت نتائج هذه المحاولة في ورقة بحثية تحت عنوان «Further Results on the Construction of Mutually Orthogonal Latin Squares and the Falsity of Euler’s Conjecture» أو «مزيد من النتائج حول بناء المربعات اللاتينية المتعامدة بشكل متبادل، وخطأ تخمين أويلر»، وأكدت تلك الورقة البخثية أن هذه المعادلة قد تُحل بسهولة إذا كان عدد الضباط في كل كتيبة خمسة أو سبعة، أما كونهم ستة فيجعل حلها أمرًا مستحيلًا.

ويمكنك عزيزي القارئ أن تحضر ورقة وقلمًا الآن، لتجرب بنفسك. تخيل أولًا أنك قائد جيش يقود ست مجموعات من الجنود، وكل مجموعة بها ستة ضباط، كل ضابط منهم يحمل رتبة عسكرية مختلفة، ثم ارسم مربعًا من ستة أعمدة رأسية في ستة أعمدة أفقية، ووزع هؤلاء الضباط في كل خانة، بحيث لا تتكرر رتبة في أي عمود رأسي أو أفقي؛ وستجد أن الأمر فعليًا مستحيل. ولكن خلال العام الجاري 2022 وجد فريق بحثي، فرضية قد تحل المعضلة من خلال اعتمادهم على فيزياء الكم!

فكيف حدث هذا؟ كلمة السر: «قطة شرودنجر»

مؤخرًا؛ وجد الباحثون حلًا جديدًا لمعضلة أويلر، ففي دراسة جديدة نشرت تحت عنوان «Thirty-six entangled officers of Euler: Quantum solution to a classically impossible problem» أو «36 ضابطًا متشابكًا في أويلر: الحل الكمي لمشكلة مستحيلة تقليديًا»، اتضح أنه يمكن حل هذه المسألة بالاعتماد على ما يعرف باسم «التشابك الكمي».

حتى نخبرك عن كيفية حل هذه المسألة يجب أن نشرح لك أولًا ما يعرف باسم «قطة شرودنجر» بشكل سريع. إروين شرودنجر واحد من أكبر مؤسسي فيزياء الكم، والذي اشتهر بإسهاماته العديدة في الفيزياء، مثل تجربة قطة شرودنجر التخيلية ومعادلة شرودنجر التي حصل من خلالها على جائزة نوبل في الفيزياء تكريمًا لجهوده. وبُنيت تجربة القطة على احتمالية وضع القطة في صندوق معدني إلى جانب عداد جايجر وقارورة سم، بالإضافة إلى مطرقة ونظير لمادة مشعة، وعندما يتحلل النظير المشع يكتشف عداد جايجر ذلك ويدق بالمطرقة على القارورة ليطلق سراح السم؛ فيتسبب في قتل القطة.

وجدير بالذكر أن التحلل الإشعاعي هو عملية عشوائية، ولا توجد طريقة للتنبؤ بموعد حدوثها، وطالما كان الصندوق مغلقًا فمن المستحيل أن نعرف إذا كانت القطة ميتة أم حية؛ لأن مصير القطة مرتبط ارتباطًا جوهريًّا بما إذا كانت الذرات في المادة المشعة قد تحللت أم لا، ولذلك – وطالما أن الصندوق مغلق – فالقطة حية وميتة على حد سواء حتى نفتح الصندوق ونرصدها، وبهذا تكون القطة والسم والصندوق في حالة تشابك كمي.

وقد تمكن مجموعة من الباحثين من جامعة جاجيلونيان في بولندا والمعهد الهندي للتكنولوجيا من حل مشكلة الرياضيات «غير القابلة للحل» المعروفة باسم «مشكلة ضابط أويلر» باستخدام تجربة شرودنجر الفكرية الشهيرة، وهذا لأنك في عالم الكم، لا يمكنك تحديد المجموعة الذي ينتمي إليه الضابط أو الرتبة التي ينتمي لها، وإذا جرى وضع الضابط في حالة من التشابك الكمي – بمعنى أن يكون كل ضابط مثله مثل قطة شرودنجر – سيصعب تحديد حالته أو رتبته إلا بعد التدقيق، وبهذا تصبح معضلة أويلر الرياضية قابلة للحل، وفقًا للباحثين في الدراسة الحديثة.

ونظراً لأن الضباط في حالة التشابك الكمي الآن ليس لديهم مجموعة ثابتة ولا رتبة ثابتة، وكل منهم متشابك كميًا، يمكن للكمبيوتر العثور على ترتيب واحد على الأقل من الضباط الـ 36 الذين يفون بالشروط التي حددها أويلر، لكن: ما فائدة حل تلك المسألة بالنسبة للعلماء بشكل عام؟

علوم

منذ 8 شهور
«طيب وشرير في الوقت نفسه».. هل يمكن لفيزياء الكم تفسير النفس البشرية المعقدة؟

نظريًا، يمكن تطبيق الطريقة المستخدمة لحل هذه المشكلة في الحوسبة الكمومية، ويمكن أن تكون بمثابة نظام بدائي لحماية أجهزة الكمبيوتر من الأخطاء في الحسابات والحفاظ على البيانات في حالة حدوث خطأ.

وعليه؛ يمكن القول بأنه وبرغم ما واجهته فيزياء الكم من انتقادات في بداية ظهورها بالأوساط العلمية، فإنها الآن تثبت وجودها بقوة، وعلى الرغم من قدرة العلماء على استخدامها في الكثير من الإنجازات، فإن العلم لا يزال عاجزًا عن فهم آلية عمل فيزياء الكم في الكون.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد