محمد صلاح قاسم 24
محمد صلاح قاسم 24

1,271

حالٌ غريبة، تلك التي عاشها المسلمون تلك الأيام، خاصةً في الشام المكلوم، والذي استعمر الصليبيون كامل ساحله، من أنطاكية شمالًا، إلى عسقلان جنوبًا. عينٌ تضحك، وعينٌ تُقَّرحُها الدموع التي لا تتوقف، هكذا كان حال أغلب الوجوه، فقد تطايرت الأخبار في الآفاق بنقيضين؛ ببشرى سارة انتظرها المسلمون بعد سنواتٍ من الهوان والهزائم، كادت أن تُنسيهم أن هناك كلمة في القاموس اسمها النصر، وبفاجعةٍ أليمة اهتزَّت لها القلوب، وبدا صداها في المدامع.

لقد حقق أتابك مدينة الموصل التركي مودود بن التونتكين انتصارًا مدويًّا على الصليبيين، وزلزل فلسطين تحتَ أقدامهم، وعاد ظافرًا إلى دمشق. لكن لم يُمهله القدر حتى تنتهي احتفالات النصر، وتخضّبت بدمائه أرض جامع دمشق الكبير، وعاد مشروع التحرير النبيل إلى الموت السريري إلى حين، عندما التقط طرف خيطه عمادُ الدين زنكي ونور الدين محمود، ومن بعدهما صلاح الدين الأيوبي.

التاريخ يعيد نفسه

إِنَّ الزَّمَانَينِ رغمَ البُعدِ بَينَهُمَا * تَطَابَقَا فِي الرَّزَايَا لُحمَةً وَسَدَى
والجُرحُ في زَمَنِي مَا كانَ مُنْدَمِلًا * حَتَّى أَقُولَ اسْتُجِدَّ الجُرْحُ أو فُصِدَا

الشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي

كان الوضع في الشرق الأوسط الإسلامي في أواخر القرن الخامس الهجري، وأوائل السادس الهجري، عندما دهمه الصليبيون الزاحفون من أوروبا الكاثوليكية نحو المجد والثروة، وانتزاع مهد المسيح من المسلمين «البرابرة»، في منتهى الضعف والتردي. والآفة الكبرى المسببة لهذا كانت الاضطراب السياسي وفساد الحكام.

كانت الخلافة العباسية في دَرَكٍ شديدٍ من الانحلال، لا تستطيع أكثر من جمع المسلمين اسمًا دون رسم. وحتى السلطنة التركية السلجوقية التي تغلبت على بغداد قبل 50 عامًا، وأخذت بمقاليد الحكم الفعلية بقوة وتدبير، ووحدت تحت سيادتها الشرق الإسلامي من الشام غربًا حتى حدود الصين شرقًا، قد أصابها داء التفكك والضعف بعد وفاة السلطان القوي ملكشاه بن ألب أرسلان، ووزيره الفذ نظام الملك، فاستقل كل أميرٍ تركي بدويلة قد لا تزيد حدودها عن مدينة وقراها، وقاتل بعضهم بعضًا على النفوذ والسلطة.

فلما جاءت الحملات الصليبية الشرسة وجدت أمامها هياكل سياسية مُفرَّغة، لا يكتفي بعضهم بخذلان بعضٍ بالسلب، حتى يتعاونوا مع الصليبيين على جيرانهم. استقل كلُّ أميرٍ سلجوقيّ بمدينةٍ وجوارها ليقيم لنفسه دويلة، يستبدُّ بأمورها، وقد يدفع أو لا يدفع لبغداد جزءًا من خراجها علامةً على ولاءٍ جزئي. كانت عاصمتا الشام دمشق وحلب تحت حكم أخوين هما دقَّاق ورضوان على الترتيب، وكان همُّ كل واحدٍ منهما محاولة انتزاع مدينة الآخر. بينما كانت فلسطين وأجزاء من لبنان، تخضع للحكومة الفاطمية في القاهرة، والتي كانت قد دخلت في عصور الضعف. وهكذا كان الشام أشلاءً لدى قدوم الجيوش الصليبية الزاحفة، والتي تمكَّنت من احتلال معظم الساحل الشامي، حتي احتلّت بيت المقدس، وارتكبت فيه مذبحة تاريخية بحق سكانه المسلمين عام 492هـ- 1099م.

وكمثال بسيط يبرز مدى كارثية التفرق السياسي الذي عصف بالشام حينها، وسهَّل مهمة الغزاة، نذكر ما حدث بعد سقوط أنطاكية في يد الصليبيين بعد حصار شهور حاول فيها أهلها المدافعة عن مدينتهم ما استطاعوا حتى نفدت أقواتهم. تشكَّل تحالف إسلامي من بعض الأمراء السلاجقة بقيادة الأمير كربوقا، وحاصروا أنطاكية المحتلة بجيوش كبيرة من الجنود العرب والأتراك والأكراد. ولما كانت المدينة فارغة من الإمدادات، خاف الصليبيون من الهلاك، فطلبوا من كربوقا التسليم، مقابل الأمان، فرفض، وقال لرسلهم بثقة مفرطة: «ليس لكم إلا السيف».

رغم الظرف الجلَل، لم ينسَ الأمراء المسلمون خلافاتهم، ولم تكن طاعتهم كاملة لكربوقا لسوء معاملته لهم، فعزم بعضهم على التخاذل في المعركة!. كذلك ظهر الفشل القيادي لكربوقا، وغروره، عندما حانت الموقعة الفاصلة. فقد خرج الصليبيون أشتاتًا من أبواب المدينة منهكين ليحاربوا حربَ اليائس إما حياة وإما موت، فأمر كربوقا بعدم مواجهتهم حتى يكتمل جمعهم تمامًا! وبالفعل زحف الصليبيون بقوة على الجيش الإسلامي المتحالف ظاهرًا، المتخالف باطنًا، فمزقوه شرَّ ممزق، خاصةً وقد تعمّد معظم الأمراء الهرب دون قتال، نكاية في كربوقا.

وخلال السنوات التالية تعزَّز الوجود الصليبي في الشام على هيئة أربع إمارات، ثلاث ساحلية، على اتصال مباشر بأوروبا من خلال المواني الشامية، هذه الإمارات هي أنطاكية شمالًا وكانت أولها تأسيسًا منذ عام 491هـ، وطرابلس في الوسط، وإمارة أو مملكة بيت المقدس جنوبًا، ولها الزعامة الروحية على باقي الإمارات. وهناك إمارة داخلية هي الرُّها والتي تقع الآن جنوبي تركيا الحديثة. فكان موقعها هذا يجعلها غير بعيدة عن دار الخلافة العباسية في بغداد، ويقطع الكثير من طرق المواصلات ما بين شمال العراق خاصة الموصل، وما تبقى من شمال الشام كحلب وجوارها.

الأمير مودود.. الثغرةُ الأولى

لو استعرضنا أمام ناظرنا شريط 200 عام قضتها الحملات الصليبية في الشام، وأدوار من قاموا بمواجهة هذا الاحتلال، لكانت الأدوار الأبرز في استئصال هذا الوجود لأسماءٍ نعرفها، ونالت ما تستحق من الشهرة، مثل عماد الدين زنكي وابنه العادل نور الدين محمود، والناصر صلاح الدين الأيوبي في المائة الأولى، والظاهر بيبرس المملوكي، والمنصور قلاوون، وابنه خليل بن قلاوون، الذين أجهزوا على ما تبقى من الوجود الصليبي في أواخر المائة الثانية. فلماذا إذن نسلط الأضواء هنا على القائد المجهول لدى الغالبية العظمى من قارئي التاريخ، مودود بن التونتكين؟

لقد كان مودود أول محاولة جادة لقول لا، في وجه الذين قالوا للصليبيين نعم -طوعًا أو كرهًا- لقد فتح كفاحه القصير، المتذبذب بين الهزائم والانتصارات، الثغرة الأولى في حاجز الانهيار السياسي والحربي للأمة الإسلامية، الذي سمح لبرابرة أوروبا المتخلفة حضاريًّا في ذلك الوقت، أن تجتاح قلب العالم الإسلامي وترسخ أركانها على بعد مسيرة أيام من خلافتين ببغداد والقاهرة، تتنازعان شرعية حكم الأمة المقهورة.

كشفت حرب مودود مع الصليبين سوأة معظم حكَّام عصره، وهزَّت عروشَهم، وفضحتهم أمام شعوبهم، فزادت ضغوطها عليهم لإجبارهم على أن يحذوا حذوَه. بالطبع لم يفلح هذا الضغط في تقويم أكابر المستسلمين منهم، لكن كان يجدي مع المذبذبين بين هذا وذاك. وبالطبع كسرت معاركه مع الصليبيين حاجز الهيبة المصطنعة للغزاة القادمين مما وراء البحار البعيدة، في الكثير من القلوب والنفوس الضعيفة. لقد أدخلت الثغرة الصغيرة الضوء إلى القبو المتعفَّن، وسهَّلت مهمة المعاول التالية التي شرعت في هدم الجدار المشئوم.

مودود والمشهد الداخلي المضطرب

منذ عام 493هـ – 1100م، وبينما الصليبيون يوسِّعون سيطرتهم في الشام، كان أكبر الأمراء السلاجقة، الأخوين محمد وبركياروق ابني الراحل ملكشاه بن ألب أرسلان، آخر السلاطين السلاجقة الأقوياء، يقتتلان على السلطنة في معارك حامية الوطيس، ينتصر هذا تارةً، وينتصر ذلك في أخرى. يخطَب لهذا بالسلطنة على منابر بغداد عامًا، ويخطب للآخر في عامٍ آخر. ويتعرَّض عامة الناس للتعسف والسلب والنهب من كلا العسكريْن، وتضطرب أمور الدولة أكثر فأكثر.

فلما طالت الحرب لسنواتٍ خمس، وأجهدت كليهما، اتفقا آخر المطاف على صلح عام 498هـ، يتضمَّن اعتراف كلٍّ منهما بسيطرة الآخر على ما تحت يديه من أقاليم، فسكنت الأمور قليلًا، لكن كانت الحرب الأهلية بين السلطانين قد أضعفت هيبتهما، فاستمر الأمراء الصغار -سواء كانوا المستقلين أم التابعين لهذا وذاك- في الصراع على النفوذ والمال والاستيلاء على المناطق.

ظهر الأمير مودود بن التونتكين على سطح الأحداث منذ عام 500هـ عندما أرسله السلطان محمد بن ملكشاه لمواجهة أحد عُمَّاله في الموصل شمال العراق واسمه جاولي، والذي أساء السيرة، وخالف سلطانه، لكن لم يظفر به. استمرت الموصل في حالة اضطراب، يتصارع عدة أمراء أتراك على السلطة فيها لمدة عامين، سيطر في آخرها جاولي على الموصل وأظهر العصيان، وعسف بأهلها، قبل أن ينجح جيش مودود في السيطرة عليها عام 502هـ باسم السلطان محمد، بعد أن ثار بعض أهل المدينة على الحامية، وفتحوا أحد أبوابها. أعاد مودود الأمن والاستقرار إلى عاصمة شمال العراق، وتنفَّس أهلها الصعداء بعد أن اعتورتهم رماح المتغلبين على الحكم وسيوفهم في معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

في غضون ذلك عزز الصليبيون سيطرتهم على الشام، فاستولوا على طرابلس -في لبنان الحالية- وبيروت، ثم صيدا عام 504هـ. ولم يستطِع صدهم الجيوش الفاطمية المصرية، ولا ما تبقى من أمراء الدويلات التركية الصغيرة بالشام، بل صالح بعضُ هؤلاء الصليبيين على دفع الجزية مقابل موافقة الفرنجة على الهدنة معهم، كما فعل صاحب حلب الأمير رضوان عام 504هـ.

سببت هذه التطورات قدوم وفد كبير من أهل حلب إلى بغداد عام 504هـ يستصرخون بأهلها وأعيانها ضد الصليبيين، فالتف حولهُم الآلاف من أهل بغداد، وتحول الأمر إلى شبه انتفاضة، وتطورت الأمور إلى تكسير منبر جامع السلطان ومنع إقامة صلاة الجمعة. تحت هذا الضغط الجماهيري الضخم، وخوفًا من تطوُّر الأمور خارج نطاق سيطرته، أصدر السلطان مُحمَّد أوامره إلى أمير الموصل مودود بن التونتكين لتعبئة ما يقدر عليه من الجيوش لمواجهة الصليبيين.

الأمير مودود.. دماءٌ جديدة في الحرب ضد الصليبيين

عام 505هـ تحركت الجيوش الإسلامية بقيادة الأمير مودود متحالفًا مع بعض أمراء المدن الصغيرة حول الموصل، كأربيل وماردين، تمكن الجيش من الاستيلاء على بعض حصون الصليبيين، ثم اتجه لحصار مدينة الرها عاصمة إحدى الإمارات الصليبية الأربع، لكن اضطروا إلى رفع الحصار بعد أن جاءتهم الأنباء باجتماع تحالف صليبي كبير لصدهم عن الرها. وكان هذا خطأً كبيرًا، إذ كانت المدينة على وشك التسليم لضعف استعدادتها، فلما رحلوا عنها، وجاءت النجدة الصليبية زودتها بكل ما تحتاج، فلما عادوا إليها بعد فترة لحصارها، كانت أقوى من السابق.

حاول قادة جيش مودود الالتقاء بأكبر قادة المسلمين في الشام، رضوان صاحب حلب، وطغتكين صاحب دمشق، لكن خاف كل منهما على ما بيده من الجيش السلطاني، وأغلق رضوان أبواب حلب في وجوههم. ثم كان أن تفرقت الجيوش المتحالفة مع مودود لمشاكل داخلية، فلم يبقَ سوى العساكر الموصلية معه. ثم حدث نوعٌ من التفاهم بين مودود وطغتكين، ومعهما الأمير ابن منقذ صاحب حصن شيزر شمال الشام، وواجهوا معًا الصليبيين في معركةٍ صغيرة قرب حصن شيزر، فهزموهم، وغنموا بعض الغنائم.

لكن لم تكن لمحاولات عام 505هـ نتيجة ملموسة على الأرض ضد الصليبيين؛ بل كاد أولئك ينجحون في آخر السنة في انتزاع مدينة صور بساحل لبنان وكانت تحت حكم الفاطميين، فنجت بأعجوبة بعد أن استمات أهلها، و دعمتها النجدات من القاهرة بحرًا، أو دمشق برًّا. في العام التالي 506هـ، حاول مودود مهاجمة الرها وأعمالها، فلم يظفر بشيء، وكسره الصليبيون في إحدى المعارك. فهاجم حصن تل باشر الصليبي، لكن لم يتمكَّن من السيطرة عليه.

الانتصار الكبير.. والنهاية الجليلة المفجعة

إن أمةً قتلتْ عميدَها، في يوم عيدِها، في بيتِ معبودِها، لحقيقٌ على اللهِ أن يُبيدَها. *رسالة تهكمية أرسلها الصليبيون إلى المسلمين بعد أن وصلتهم أخبار اغتيال الأمير مودود في دمشق

سنحت فرصة كبيرة لمودود لتوسيع دائرة الحرب ضد الصليبيين في أعماق المناطق المحتلة، بعيدًا عن معركة الرها الطرفية التي لم يحقق فيها الكثير. جاءت الفرصة مع استغاثة أمير دمشق التركي طغتكين أواخر عام 506هـ، به لكي يساهم معه في دفع صائلة جيوش مملكة القدس الصليبية التي تعيث فسادًا وسلبًا ونهبًا في ممتلكات إمارة دمشق، حتى وصلت اعتداءاتهم إلى ضواحي دمشق نفسها، فقلَّت فيها السلع، وارتفعت الأسعار، وضاقت الحال بأهلها.

وكان الأمير طغتكين، هو أتابك -قائد جيش- دمشق للأمير دقاق المستقل بحكم دمشق. فلما مات دقاق عام 498هـ ولم يعقِّب سوى طفلٍ صغير، استبدَّ طغتكين بحكم دمشق، ورضي به الناس لحزمه وحسن تدبيره. وقد بدأ منذ عام 499هـ يواجه صليبيي مملكة بيت المقدس القريبة من إمارته، نتيجة تحرشهم الزائد بأراضيها وممتلكاتها. وجرت مواجهات واسعة بينه وبينهم عام 502هـ، فكان ينتصر تارة، وينهزم تارةـ ويعقد الصلح معهم مرة، ويحاربهم مرة.

لم يتأخر مودود -رغم بُعد المسافة بين الموصل ودمشق- عن نجدة طغتكين، فهو يعرف عاقبة هذا التجرُّؤ الصليبي على دمشق، والذي إن لم يوضَع له حدٌ صارم، قد ينتهي بسقوط دمشق عاصمة الشام، منبع الرجال والمال، في يد الصليبيين، فتترسخ أقدامهم أكثر فأكثر، وتزداد مهمة التحرير عسرًا، وتخيِّم عليها ظلال الاستحالة. وكذلك فدمشق بموقعها الاستراتيجي في قلب الشام، وبكثافة مواردها، ستضع مودود والمجاهدين في مواجهة مباشرة مع أعماق الوجود الصليبي، وغير بعيد عن الجائزة الكبرى في بيت المقدس.

التقت جيوش الموصل ودمشق قرب حمص، ثم توجهت إلى الأردن عام 507هـ، ومنها إلى شمال فلسطين لمواجهة الصليبيين في عقر مناطقهم. حشد صليبيو بيت المقدس قواتٍ كثيفة من مختلف مناطقهم لمواجهة الغزاة، فالتقى الجمعان في معركة كبيرة قرب طبرية في 13 من المحرم 507هـ، فحقق المسلمون انتصارًا كبيرًا، وسقط الكثير من الصليبيين قتلى وأسرى، وكذلك غرقى في بحيرة طبرية. تحصَّنت فلول المنهزمين من جيوش مملكة بيت المقدس، مع الإمدادات التي وصلتهم من طرابلس وأنطاكية، في جبل قرب طبرية، فحاصرهم المسلمون حوالي الشهر، وخلاله أرسل مودود السرايا تسلب وتنهب في ممتلكات الحصون والمدن الصليبية من عكا إلى القدس.

لم يجسر الصليبيون على النزول من الجبل لمواجهة المسلمين، وفي المقابل لم يرِد مودود أن يجهد جيوشه أكثر من ذلك، خاصة مع بعد المسافة بينهم وبين أهلهم في الموصل، فأمر بالتوقف عند هذا الحد، وسرَّح معظم الجيش ليستريح، ثم يعاوده خلال شهرين أو ثلاثة لمواصلة القتال، وتوجه هو وخاصة فرسانة مع طغتكين للإقامة بدمشق في خلال فترة الانتظار.

احتفل أهل دمشق بالمجاهدين احتفالًا عظيمًا، ودخل طغتكين ومودود لصلاة الجمعة في جامع دمشق وهما ممسكان بيد بعضهما بعض، بينما تلتف الجماهير حولَهما في غبطةٍ وسرور. ولما انتهت الصلاة، وبينما مودود في صحن الجامع، اندفع واحد من المصلين فجأة، وطعنه على حين غرة أربع طعنات نافذة، فحُمِلَ إلى دار طغتكين، فلفظ أنفاسه الأخيرة هناك. وهكذا كانت النهاية التي تليق بجهاده، فمات صائمًا، مغدورًا، بينما كان جسمه ما يزال يتزيَّن بغبار المعركة التي انتهت للتو.

من اغتال الأمير مودود؟ اختلفت الآراء في هذه القضية، التي حدثت منذ ثمانية قرون. لكن الراجح أن القاتل من طائفة الحشَّاشين، وهم الجماعة المشهورة من غلاة الشيعة الباطنية، والتي ظلت قرونًا تشن حربًا عدميةً ضد كل من لا يدين بمذهبهم من مختلف المذاهب الإسلامية، ومن غير المسلمين كذلك. لكن يرى بعضهم أن طغتكين قد يكون له يدٌ في هذا الأمر، لخوفه من أن يتفاقم نفوذ مودود وأصحابه في دمشق، بعد انتصارهم الكبير على العدو، فتطمع نفوسهم إلى انتزاع دمشق منه بعد حين.

رغم رجحان الرواية الأولى تاريخيًّا، فإن ملابسات هذا العصر، وما نعرفه من تغلُّب المؤامرات والدسائس على عقول أكثر حكام المسلمين، ربما تُضفي الكثير من المنطقية كذلك على الرواية الأخرى.