ليست كل الإنجازات تتطلب الشجاعة والتضحية بالنفس،  فموريس هيلمان وجد طرقًا أخرى لتغيير العالم وخدمة البشرية؛ إذ طوَّر العالم الأمريكي أكثر من 40 لقاحًا كان لها الفضل في إنقاذ ملايين الأرواح والقضاء على العديد من الأمراض الشائعة لدى الأطفال.

ورغم كل تلك الإنجازات التي حققها هيلمان في مجال اللقاحات وعلم المناعة، فإن اسمه غير مألوف للكثيرين، وفي السطور القادمة تعريف به وبإسهاماته وإنجازاته التي ما زالت تنقذ الأطفال حتى اليوم.

العصر الذهبي للقاحات

غالبًا ما يشير علماء الأوبئة إلى أن الفترة التي عمل بها موريس هيلمان تعد العصر الذهبي للقاحات، فقد اخترع هيلمان أكثر من 40 لقاحًا من بينها لقاح الحصبة النكاف، والحصبة الألمانية، و«التهاب الكبدي إيه»، و«التهاب الكبدي بي»، والجدري المائي والتهاب السحايا، وهي لقاحات يتلقاها ملايين الأطفال سنويًّا، ووفقًا لمجلة «نيتشر» فإن لقاحات هيلمان تنقذ ما يقرب من 8 ملايين شخص سنويًّا.

وأدى اكتشاف هيلمان لفيروس «رنا مزدوج السلاسل – RNA»، و«الفيروس القردي SV40»، إلى ظهور العديد من فروع علم البيولوجيا الجزئية وعلم المناعة، وتمكن هيلمان من تحديد التغيرات التي يمكن أن تحدث عند تحور الفيروسات؛ ما ساعد على منع انتشار جائحة إنفلونزا هونج كونج في عام 1957.

العالم الأمريكي موريس هيلمان

كانت ابنته سببًا لاختراع لقاح لفيروس النكاف

كانت الابنة الكبرى لهيلمان، جيريل لين، سببًا في واحد من أعظم إنجازاته، ففي 1963 أصيبت بالحمى وتضخم غدد النكاف، فحفَّز مرضها هيلمان ليعمل على اختراع لقاح جديد لعلاج غددها المتورمة، ورغم أن الفيروس نادرًا ما يكون مميتًا فإنه قد يسبب الصمم والتهاب الدماغ، وكذلك التهاب الخصيتين، فحصَ هيلمان ابنته بنفسه وأخذ عينةً من الفيروس لمعمله ليعمل عليها.

وتمكن من عزل الفيروس، وبعد مرور أربع سنوات أنتج لقاحًا مرخصًا لمرض النكاف، ورغم أن ابنته شُفيت بعد الرعاية المنزلية، فإن هذه كانت بداية النهاية للفيروس.

وشاركت الابنة الصغرى لهيلمان، كرستين، في التجارب السريرية المبكرة للقاح النكاف، وبذلك بدأت مسيرة انقراض أحد أمراض الطفولة التقليدية.

المصلحة العامة أهم من مصلحته الشخصية

بدأ وباء الحصبة الألمانية عام 1962، وانتشر تأثيره المدمر ليطول السيدات الحوامل وتسبب في وفاة ما يقرب من 11 ألف مولود جديد، وبسببه أصيب حوالي 20 ألف شخص بتشوهات خلقية.

ساهم هيلمان في تطوير لقاح للحصبة الألمانية مع علماء آخرين، وبحلول 1971 تمكن من وضع لقاحات مرض الحصبة التقليدي، والنكاف، والحصبة الألمانية، جميعها معًا في اللقاح الشهير، «لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية (MMR)»، الذي يؤخذ على حقنتين.

وفي عام 1978، وجد دكتور هيلمان لقاحًا أفضل للحصبة الألمانية طوره طبيب آخر، فأضافه هيلمان للقاحه المتعدد بدلًا من لقاح الحصبة الألمانية الذي طوره بنفسه.

مُدمن عمل وعلم

وُلد موريس هيلمان في مزرعة في ولاية مونتانا في أغسطس (آب) عام 1919، والتحق بجامعة الولاية وحصل على درجة البكالوريوس في علم الأحياء الدقيقة والكيمياء، وفي 1944 حصل على درجة الدكتوراة في التخصص نفسه من جامعة شيكاجو، وانضم بعدها لمختبر للفيروسات في نيوجيرسي، وطور لقاحًا لمرض «التهاب الدماغ الياباني بي».

وبعد مرور أربع سنوات انتقل هيلمان إلى معهد والتر ريد للأبحاث الطبية العسكرية في واشنطن، ودرس فيه أمراض الجهاز التنفسي وتفشي الإنفلونزا، وتمكن من فهم تحور الفيروسات، ولذا أدرك أن إنفلونزا هونج كونج عام 1957 ما هي إلا بداية لجائحة، فتقريبًا لا أحد في العالم محصن ضد الفيروسات المتحورة، ولذا ابتكر لقاحًا جديدًا قبل وصول الفيروس إلى أمريكا وأوقف انتشاره.

ومع بدايات عام 1957، انضم هيلمان للعمل مديرًا لقسم بحوث الفيروسات وبيولوجيا الخلية في شركة «ميرك أند كو»، وهي إحدى كبرى شركات الأدوية في العالم، ووفقًا لما صرح به رئيس مجلس إدارة الشركة فإن هيلمان كان يقوم بكل جوانب البحث والتطوير، ففي البداية يعزل المستضدات، ويؤدي الأبحاث الأساسية والتجارب السريرية، ثم يتابع منشأة التصنيع لضمان إنتاج اللقاح بشكل صحيح.

وثائقي عن موريس هيلمان باللغة الإنجليزية.

وعلى الرغم من تقاعده رسميًّا في عيد ميلاده الخامس والستين وفقًا لسياسة التقاعد الإلزامية لشركة ميرك، فإن الشركة أعادت تعيينه على الفور مستشارًا، واستمر في الذهاب لعمله يوميًّا، وكان مؤيدًا لعمل العلماء طوال أيام الأسبوع.

وحصل هيلمان على العديد من الأوسمة، بما في ذلك جائزة الإنجاز الخاصة مدى الحياة من منظمة الصحة العالمية، وكرِّم هيلمان بوسام الخدمة المتميزة من الجيش الأمريكي بعد إيقاف جائحة 1957، وفي عام 1988، منحه الرئيس الأمريكي رونالد ريجان الميدالية الوطنية للعلوم، وهي أعلى جائزة علمية تُمنح في الولايات المتحدة الأمريكية.

واعترافًا بإنجازاته غير المسبوقة في مجال علم اللقاحات، قررت الجمعية الدولية لفيروس الورم الحليمي عمل جائزة باسم موريس هيلمان لتقدير العلماء الذين يقدمون مساهمات بارزة في دراسة فيروس الورم الحليمي أو تطوير لقاح له.

تهديدات بالقتل قبل وفاته

في 1998 تفاجأ الدكتور هيلمان بمقال منشور في مجلة «The Lancet» البريطانية العلمية، وهي مجلة طبية دورية، اتهم المقال لقاح «MMR» زاعمًا أنه يسبب إصابة الأطفال بالتوحد، وبعد هذا المقال، تردد العديد من الآباء في تحصين أطفالهم باللقاح، وتلقى الدكتور هيلمان عدة رسائل تهديد بالقتل.

لاحقًا أثبتت دراسات عام 2010 عدم وجود صلة بين اللقاح ومرض التوحد، وتراجعت المجلة عن مقالها، ولكن الدكتور هيلمان لم يعش حتى ذلك الوقت؛ إذ توفي عام 2005 بالسرطان.

صحة

منذ 3 أسابيع
بعد لقاح كورونا.. العالم قد يكون على موعد مع لقاح الإيدز

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد