يمر الرئيس الموريتاني السابق، محمد ولد عبد العزيز، بأوقات عصيبة في هذه الأيام؛ إذ يُحتجز رئيس الدولة السابق في مقر الأمن القومي في نواكشوط منذ 17 أغسطس (آب) الجاري، في إطار تحقيق في اختلاسات مالية وإثراء حاشيته خلال السنوات الإحدى عشرة التي قضاها في الحكم في الفترة ما بين 2008م و2019م.

الخطوة التي اتخذتها الدولة الموريتانية فاجأت المراقبين، وتشير إلى تحول كبير حاصل في هذا البلد؛ إذ نادرًا ما تحاكم بلد في الشرق الأوسط أو أفريقيا حكامها السابقين بتهم فساد، فهل تتحول بلاد شنقيط بهدوء إلى بلد ديمقراطي؟

حملة تطهير ضد فساد محمد ولد عبد العزيز

جاء هذا التحقيق القضائي مع الرئيس الموريتاني السابق ومقربيه، بعد ستة أشهر من العمل من قبل لجنة برلمانية، بحثت في صلاحيات العقود العامة، وبيع الأراضي العمومية، وإدارة القطاعات الرئيسية للاقتصاد، المتعلقة بالنفط والموانئ والصيد والطاقة، في فترة رئاسة ولد عبد العزيز.

وقدمت اللجنة المنتخبة نتائجها في 27 يوليو (تموز) الماضي، إلى البرلمان الموريتاني؛ إذ صوَّت معظم النواب لصالح محاكمة الرئيس السابق، محمد ولد عبد العزيز، وحاشيته على يد القضاء؛ بسبب اختلالات الفساد، ليقرر الرئيس الموريتاني الحالي محمد ولد الغزواني إقالة رئيس وزرائه وعدة وزراء كانوا يتقلدون المسؤولية في عهد محمد ولد عبد العزيز، وكلهم ورد ذكرهم في تقرير الهيئة، وَوُضعوا مؤخرًا تحت الرقابة القضائية.

عللت الرئاسة الموريتانية قرارها ذاك، بالقول إن «خروج هؤلاء من الحكومة يتيح لهم التفرغ للدفاع عن أنفسهم»، لافتة إلى أنها قد تستعين بمن تثبت براءتهم مستقبلًا. وأعلنت تشكيلة حكومية جديدة، برئاسة المهندس محمد بلال، تضم أسماء وزراء جدد، فيما غادر جميع الوزراء الذين وردت أسماؤهم في تقرير لجنة التحقيق البرلمانية.

ودرج الرؤساء الموريتانيون السابقون على استخدام أصول البلاد لمصلحتهم الشخصية وإثراء أقاربهم ومقربيهم – بحسب اتهامات – غير أنه هذه هي المرة الأولى التي تحاكم فيها موريتانيا رئيسًا سابقًا بتهم فساد. وتحتل البلاد المرتبة 137 في العالم (من 180) من قبل منظمة الشفافية الدولية لمؤشر مدركات الفساد.

ومع ذلك، فإن التحقيق مع ولد عبد العزيز وحاشيته، وهو الإجراء الذي لا نراه عادة سوى في الديمقراطيات الغربية، يثير تساؤلات إذا ما كان الأمر ممارسة ديمقراطية حقيقية، أم تصفية حسابات سياسية؛ إذ كان الرئيس الموريتاني الحالي محمد ولد الغزواني رفيقًا له منذ زمن طويل، وكان قد ساعده مساعدة مباشرة في إطاحة الرئيس عبد الله ولد الشيخ في عام 2008م، ليتولى محمد ولد عبد العزيز رئاسة المجلس الأعلى للدولة، قبل «انتخابه» رئيسًا في عام 2009م. ويُعين الغزواني رئيسًا للأركان ووزيرًا للدفاع.

الغزواني كان عسكريًّا أيضًا

في أغسطس 2019م، تولى الرئيس الغزواني رئاسة الجمهورية الإسلامية الموريتانية، بعد فوزه في الانتخابات بنسبة 52% من الأصوات، خلفًا لمحمد ولد عبد العزيز، الذي استولى على السلطة في انقلاب عام 2008م، غير أنه التزم بالتنحي عقب ولايتين رئاسيتين، وكان ذلك حدثًا بارزًا؛ إذ لأول مرة تنتقل السلطة من رئيس لآخر في موريتانيا انتقالًا سلميًّا وعبر اقتراع تعددي، منذ حصول الدولة الواقعة في غرب أفريقيا على الاستقلال في عام 1960م.

ومع ذلك، فإن الرئيس الغزواني الجديد قادم من القالب نفسه (العسكر)؛ إذ كان رئيسًا للأركان، ثم وزيرًا للدفاع قبل أن يخلع بزته العسكرية ويصير رئيسًا منتخبًا. لكنه لم يرد أن يصبح دمية لسلفه ولد عبد العزيز، ومثل أي سياسي محنك اختار الغزواني في البداية الإبقاء على بعض أفراد حاشية الرئيس السابق في حكومته الأولى، حتى لا يبدو أنه يغير نظام رفيقه القديم تغييرًا جذريًّا.

ليبدأ الغزواني حديثًا حملة تطهير ضد رأس النظام القديم وبقاياه، الغارقين في الفساد. لكنها، وبحسب بعض المراقبين، يمكن أن تكون «حملة تطهير ضد الفساد فقط ذريعةً لإغراء الرأي العام، وفي الوقت نفسه تطيح الرئيس السابق الذي قد يهدد حكمه»، في حال كان ذلك صحيحًا فإن زوبعة التحقيق هذه من المرجح أن تنتهي بتسوية، من خلال التوصل إلى حل وسط يجنِّب الرئيس السابق الزجَّ به في السَّجن، مقابل إعادة بعض الأموال، والخروج من الحياة السياسية نهائيًّا، بدلًا من محاكمة قضائية حقيقية.

ولم تعرف موريتانيا منذ استقلالها عن فرنسا في 1960، رئيسًا مدنيًّا منتخبًا خارج دائرة العسكر، فقد تولى أول رئيس للبلاد السلطة مباشرة بعد الحصول على الاستقلال لمدة 18 عامًا، قبل إطاحته في انقلاب عسكري، ثم تبع ذلك المزيد من الانقلابات في أعوام 1984 و2005 و2008م. حتى بات يُطلق المعارضون اسم «عشيرة الأعمال العسكرية» على النخبة التي تسيطر على السياسة والجيش والاقتصاد في البلاد.

العسكرية والديمقراطية تمتزجان في موريتانيا

منذ أعقاب الربيع العربي في 2011م، تحسَّنت ديمقراطية موريتانيا على نحو لافت، وشهدت تقدمًا في الحريات وحقوق الإنسان والمساءلة، على الأقل مقارنة مع تاريخها السياسي السابق المتسم بالحكم العسكري والانقلابات. وكان مفاجئًا بحق أن الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز لم يُعِد صياغة الدستور في 2019م من أجل السماح لنفسه بالترشح لولاية ثالثة أو إلى الأبد.

Embed from Getty Images

الرئيس الموريتاني السابق محمد ولد عبد العزيز (في المنتصف) بجوار الرئيس الحالي (يسار)

وعرفت موريتانيا خلال السنوات الأخيرة انتعاشًا سياسيًّا، فقد أضحت تسمح للمعارضين والنشطاء بالتعبير، وكما علَّق عبد الله ولد حورمات الله، المسؤول الموريتاني السابق، في مقابلة مع «أفريك رينوفو»: «لم نعد بحاجة للذهاب إلى باريس للتعبير علانية عن مخاوفنا، الآن يمكننا البقاء هنا على الأقل ومحاسبة قادتنا».

ويأتي هذا الانفتاح السياسي جنبًا إلى جنب مع زيادة حرية الصحافة، وذلك بعد أن قلّ تدخل الحكومة في مجال الإعلام، وغدت التعددية تطغى على المشهد الصحافي والإذاعي في موريتانيا، كما خفّت قوانين العقوبات السالبة للحرية في وجه الصحافيين بشكل عام

جدير بالذكر أن مشاركة المرأة الموريتانية في الحياة العامة قد ازدادت، فمن أصل 147 مقعدًا في مجلس النواب، هناك 31 مقعدًا محجوزًا للنساء حصرًا. كما تبذل موريتانيا جهودًا لإنهاء الرق بسن قوانين عدة تشدد العقوبات على مقترفي العبودية. فضلًا عن نمو مجتمع مدني منتعش يساهم في الحوار الديمقراطي والاجتماعي العمومي.

الديمقراطية الموريتانية الحديثة.. تنال استحسان أمريكا!

وكان وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، قد عبَّر مؤخرًا عن ارتياحه للتحول الديمقراطي الحاصل في موريتانيا، وكذلك للقرارات والخطوات الإيجابية التي اتخذتها حكومتها في إطار صيانة حقوق الإنسان، وترسيخ العدالة الاجتماعية.

لكن هذا الثناء على التحسن الديمقراطي في موريتانيا له ما يبرره فقط عند مقارنة الظروف الحالية بالأوضاع الماضية، فما تزال الحكومة تحاكم بين الفينة والأخرى صحافيين ومدونين بسبب آرائهم السياسية أو الدينية، كما أن مزاعم التمييز ضد السود وتعذيب السجناء في الحجز تطفو حتى اليوم. علاوة على ذلك، تظل الآثار الاقتصادية لهذا التحسن الديمقراطي متواضعة، فمع زيادة النمو الإجمالي للاقتصاد، فإن أكثر من 21% من السكان ما زالوا يعيشون في فقر مدقع، وتبلغ البطالة حوالي 30%، وتصل في بعض المناطق الريفية إلى 60%.

ومع أنه نادرًا ما تجتمع الديمقراطية والعسكرتارية  – نظرًا لكون الأولى تقوم على المشاركة والتوافق والحوار والتفاعل، في حين تتأسس العسكرتارية على الأبوية والتراتبية وثقافة الأوامر الصارمة – فإنه في موريتانيا بدأ «امتزاج الضدان» خلال العقد الأخير، فنجد البلاد تنظم انتخابات واستفتاءات، وتحتضن مجتمعًا مدنيًّا ومعارضة سياسية، تحت حكم رؤساء ذوي خلفية عسكرية!

سياسة

منذ سنة واحدة
كيف استطاعت الإمارات أن «تبسط يدها» في موريتانيا؟

ويرى بعض المحللين، أن هذا التحسن الديمقراطي جاء نتيجة الضغط الدولي الداعم للديمقراطية، من خلال عمل السفارات الغربية النشطة هناك، فيما يرى آخرون أنه من حسن الصدف كون موريتانيا لا تعرف جناحًا قويًّا يستطيع أن يهيمن كلية على السياسة والمجتمع، وبالتالي تقي المنافسة على السلطة وتوازن القوى بين الجماعات السياسية المختلفة شر الحكم المطلق.

وبالنظر إلى الإصلاحات السياسية والحقوقية التي تجريها موريتانيا في السنين الأخيرة، فقد تشهد صورة بلاد شنقيط بوصفها بلدًا يعاني من عدم الاستقرار السياسي والعبودية تغيُّرًا، بل من المحتمل أن تظهر موريتانيا، التي يزيد عدد سكانها على 3.5 مليون نسمة، في المستقبل، بوصفها دولة ديمقراطية في وسط صحراء من الديكتاتوريات المحيطة، فهل تنجح بلاد شنقيط في المضي قدمًا في اتجاه الديمقراطية؟!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد