عبد القادر بن مسعود
عبد القادر بن مسعود

1,484

أعاد القرار المفاجئ لموريتانيا بإعلان حدودها الشمالية مع الجزائر منطقة عسكرية مغلقة إلى أجل غير مسمى، وتحذير المواطنين من أنّ ولوجها يعرضهم  لخطر إطلاق النار مباشر، فتح ملف العلاقات بين نواكشوط والجزائر إلى السطح بقوة، وهذا بعد الهدوء الذي عرفته العلاقات بين البلدين مؤخرًا، خصوصًا بعد حادثة تبادل طرد الدبلوماسيين، والتي اعتبرت أسوأ مرحلة تمرّ بها العلاقات الجزائرية الموريتانية. نستعرض في هذا التقرير العلاقات الجزائرية الموريتانيا والدوافع والأسباب التي أدت إلى إغلاق  نواكشوط حدودها مع جارتها العربية الجزائر.

لأوّل مرة.. معبر بريّ بين الجزائر وموريتانيا

في إطار تعزيز التعاون المغاربي، قررت الجزائر وموريتانيا لأول مرة إنشاء معبر حدودي بينهما للرفع من التبادل التجاري وتطوير حركة النقل بين البلدين، وأعلِن عن ذلك  القرار في الدورة الـ18 للجنة العليا المشتركة الجزائرية – الموريتانية، التي انعقدت نهاية ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، وكان بلقاسم حرشاوي، المدير العام لـ«طاسيلي» الجزائرية قد كشف عن إعدادات متقدمة لفتح خط جوي متبادل بين المطار الدولي بالعاصمة نواكشوط ومطار مدينة ‘تندوف الجزائرية، وأضاف ذات المتحدث أن تسير قريبًا شركة طيران موريتانيا والخطوط الجوية الجزائرية رحلتين أسبوعيًا علي الخط المذكور.

الحدود الموريتانية الجزائرية.. منطقة عسكرية مغلقة

أعلنت وزارة الدفاع الموريتانية، مساء الأربعاء الماضي، أنّ حدودها الشمالية مع الجزائر باتت منطقة عسكرية محظورة على المدنيين، داعية المواطنين والعابرين إلى تجنب دخول المنطقة العسكرية وبرّرت السلطات الموريطانية ذلك في بلاغها أنّ هذا الإجراء جاء بعد اتساع حركة المهرّبين، وصعوبة التفريق بين المدنيين والضالعين في شبكات التهريب. هذا الإعلان جاء في بيان مقتضب وجاء فيه: «ترفع وزارة الدفاع الوطني إلى علم جميع المواطنين، وخاصة القاطنين أو العابرين للمنطقة الشمالية من البلاد أن المنطقة العسكرية المغلقة في الشمال»، وأضاف البيان: «للتذكير فإن صعوبة التمييز بين المواطنين المسالمين والمهربين كان السبب في إعلان المنطقة منطقة عسكرية محظورة، وبناء عليه فإن وزارة الدفاع الوطني تطلب من جميع المواطنين والعابرين تجنب دخول المنطقة العسكرية المغلقة حفاظا على أرواحهم».

وحددت السلطات الموريتانية، المنطقة المعنية بالحظر في المربع الممتد بين «الشكات»، في الشمال الشرقي، و«عين بنتيلي»، في الشمال الغربي، و«ظهر تيشيت»، في الجنوب الغربي، و«المرية»، في الجنوب، ما يجعل مجموع الشريط الحدودي مع الجزائر منطقة محظورة ومغلقة على المدنيين.

جدير بالذكر أن الحدود الشمالية لموريتانيا باتت تعرف في الآونة الأخيرة نشاطًا متزايدًا لعصابات التهريب الدولي يمتد حيز نشاطها من حدودها مع مالي شرقًا وحدودها مع الجزائر شمالًا وصولًا إلى منطقة الكركرات الحدودية غربًا.

منطقة الساحل.. بؤرة الإرهاب والتهريب الدوليين

القرار الموريتاني الأخير بغلق حدودها مع الجزائر وإعلانها منطقة عسكرية، جاء مباشرة بعد تبادل لإطلاق النار بين  الجيش الموريتاني النار و مجموعة من مهربين مسلحين في شمال البلاد، حيث قالت وسائل إعلام محلية موريتانية إنّ طائرة عسكرية تابعة للجيش الموريتاني دخلت في مطاردة مع مجموعة من المهربين على متن أربعة سيارات مسلحة في المنطقة العسكرية المغلقة وقصفت إحدى السيارات، ما أدى لتعطل عجلاتها الخلفية، وتحول ركابها إلى السيارات الأخرى، وتواصلت المطاردة إلى أن دخلت السيارات في مجموعة من سيارات المنقبين عن الذهب، ما صعّب من عملية التمييز بين المهربين والمنقبين، وكانت القوات الجزائرية المرابطة على طول  الحدود الجنوبية للجزار قد ساهمت في العملية بطردها للمهربين الذين اقتربوا من حدودها.

الجدير بالذكر أن المنطقة الشمالية لموريتانيا تعرف نشاطا متزايدا لعصابات التهريب الدولي، بالإضافة إلى المجموعات الجهادية المنضوية تحت لواء تنظيم القاعدة ويمتد حيز نشاطها من حدودها مع مالي شرقًا وحدودها مع الجزائر شمالًا وصولًا إلى منطقة الكركرات الحدودية غربًا.

وترتبط الجزائر مع موريتانيا بمجموعة من الاتفاقيات الأمنية، أبرزها معاهدة تأسيس اتحاد المغرب العربي عام 1989، والاتفاقية الأمنية لتشكيل ما يسمى بمجموعة دول الميدان (الجزائر، وموريتانيا ومالي، والنيجر)، التي مقرها بمدينة تمنراست جنوبي الجزائر، في يوليو (تموز) 2010.  حيث نصت  الاتفاقية على تبادل المعلومات المتعلقة بمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، بالإضافة إلى اتفاقية أمنية ثنائية بين وزارتي الدفاع في البلدين وقعت عام 1988، ونصت على التعاون العسكري في مجالات التدريب بين البلدين، وتسهيل النقل الجوي العسكري، ناهيك عن المساعدات العسكرية التي باتت الجزائر تقدمها لنواكشوط خصوصًا بعد وفاة العقيد الليبي معمر القذافي.

الذهب الأصفر يزيّن الحدود الموريتانية

تعرف الحدود الشمالية لموريتانيا خلال الأشهر الأخيرة انتشارا كبيرا للمنقبين عن الذهب، حيث انتشرت حمى التنقيب وسط المجتمع الموريتاني خصوصًا بعد رواج شائعات تقول: إن الذهب متوفر لدرجة انّ بعض  الروايات تحدثت عن وجوده فوق الأرض، ما يعني الانتقال من الفقر إلى الثراء الفاحش بين عشية وضحاها، و لعبت مواقع التواصل الاجتماعي دورها في الترويج لتلك الروايات وفي تحريك عشرات آلاف المواطنين من مختلف مناطق موريتانيا إلى الشمال حيث تقع الحدود الجزائرية، فقد قلبت جيوش المنقبين الحدود الشمالية، وحولتها إلى حفر وخنادق بعد أن ظلت لقرون عديدة أرضاً منبسطة تتحرك فيها قطعان الإبل وقليل من السكان الأصليين.

ووصل العشرات من هؤلاء إلى الأراضي الجزائرية حيث تم اعتقالهم من طرف الجيش الوطني الشعبي وحوكموا قبل أن يطلق سراحهم، وفي ظل الأزمة الاقتصادية التي تضرب موريتانيا، والتقارير الدولية التي تقدر نسبة البطالة في البلاد بأكثر من 31%، سمحت موريتانيا العام الماضي لعشرات الآلاف من الموريتانيين بالتنقيب عن الذهب فى شمال نواكشوط ضمن إطار لا يتجاوز منطقة واحدة، لكن  المنقبين سعوا فى البحث عن الذهب فى عدة مناطق، بالرغم من عدم شرعيتها، وهو ما جعلهم ينتهكون الأراضي الجزائرية عن طريق الخطأ.

محاولات موريتانيا  تقويض دور الجزائر في الساحل

لا تخفي الحكومة الجزائرية قلقها من محاولات «جهات في المنطقة» بناء منظومة أمنية لمواجهة الإرهاب في الساحل دون إشراكها، مع أنها البلد الأكبر من حيث الموارد والتجهيزات، وترى الجزائر أن  محاولات إقصائها  غير ممكنة وغير مجدية أيضًا، وأنه إذا تم فسيكون على حساب المنطقة، بيد أن صحيفة «لوموند» الفرنسية أشارت في مقال لها إلى أن فرنسا، التي تمول مجموعة دول الساحل، وتُعد وسيطها لدى الاتحاد الأوروبي والمانحين الدوليين، تعمدت إقصاء الجزائر بعد تجارب سابقة لم تكن في المستوى المطلوب، مثل تجربة مجموعة «دول الميدان» (الجزائر ومالي وموريتانيا والنيجر)، التي لا أثر لها على أرض الواقع، وفقا للصحيفة.
يأتي ذلك، في حين أن مراقبين يربطون استياء الجزائر من تصرفات نواكشوط، بالدور الكبير الذي تلعبه موريتانيا في «مجموعة الدول الخمس في الساحل»، حيث احتضنت نواكشوط اجتماعها التأسيسي، وتستضيف حاليًا مقرها الدائم، هذا، وكان الاجتماع الأخير الماكرون  بالدول  الخمسة في « قمة باماكو» قد أسفر عن تحديد شكل  القوة المشتركة التي تغيب عنها الجزائر، وفي  ختام القمة تم تهديد الجزار برفع يدها عن المصالحة المالية.

توتر في العلاقات وصل حدّ تبادل طرد السفراء

وبالحديث عن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، شهدت العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر وموريتانيا، توترًا وفتورًا، وصل إلى حدّ القطيعة، وذلك بعد قرار موريتانيا طرد المستشار الأول بالسفارة الجزائرية بنواكشوط بلقاسم الشرواطي، إثر اتهامه بالوقوف خلف مقال نشر بإحدى الصحف الإلكترونية الموريتانية اعتبرته موريتانيا أنه يسيء لعلاقات موريتانيا الخارجية مع المغرب، وهو ما استقبلته الجزائر بنوع من الغضب والسخط، لتردّ الجزائر من نفس  الباب، وذلك بطرد أحد المستشارين بسفارة موريتانيا بالجزائر ليلقي الأمر بظلاله القاتمة على العلاقات بين البلدين طيلة العامين الماضيين، وتأتي الخطوتان الموريتانية والجزائرية  في وقت عرفت علاقاتهما الثنائية تطورًا ملموسًا، خصوصًا بعد  تولي الرئيس الموريتاني الحالي محمد ولد عبد العزيز سدّة الحكم.

كان هذا التطور قد تجسد في التنسيق بينهما في العديد من الملفات الإقليمية والقارية، وتقارب وجهات النظر في قضايا عربية ودولية، وجاء التقارب بين البلدين على حساب علاقات موريتانيا بالمغرب التي عرفت فتورًا كبيرًا، في السنوات الثلاث الأخيرة.

تونس تقرب بين البلدين.. والمغرب ينزعج

بعد قطيعة دامت خمسة أشهر بين نواكشوط والجزائر، نجحت الوساطة التونسية في تخفيف التوتر بين البلدين، وإنهاء أزمة كادت تعصف العلاقة بين البلدين، بداية عودة مياه العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر وموريتانيا إلى مجاريها، تجلّى من خلال مشاركة نائب رئيس أركان الجيش الموريتاني اللواء حننه ولد سيد، برفقة قيادات أخرى في الجيش الموريتاني، في اجتماع رؤساء أركان المنظمة الأمنية الإقليمية المسماة دول الميدان،‮ ‬بمدينة‮ ‬تمنراست‮ ‬جنوب‮ ‬البلاد‮، والذي  أسفر عن إبرام اتفاقية التنسيق الأمني  المشترك، وبناء قاعدة عسكرية مشتركة مع مالي  مقرها مدينة تمنراست الجزائرية

ونقلت وكالة الأناضول عن مصدر دبلوماسي جزائري، قوله إن «الجزائر قررت العودة للعمل باتفاقات التنسيق الأمني مع موريتانيا، بعد وساطة قادتها تونس التي ترتبط بعلاقات طيبة مع‮ ‬البلدين‮ ‬العضوين‮ ‬في‮ ‬اتحاد‮ ‬المغرب‮ ‬العربي‮»‬،‮ ‬وهو‮ ‬القرار‮ ‬الذي‮ ‬وصف‮ ‬من‮ ‬طرف‮ ‬الجزائر‮ ‬بـ‮«‬الخطوة‮ ‬المهمة‮ ‬لتخفيف‮ ‬الأزمة‮ ‬الدبلوماسية‮ ‬بين‮ ‬البلدين».‬

واستقبلت المغرب هذا التفاهم والتقارب الجزائري الموريتاني بعد قطيعة وصلت حدّ طرد السفراء، بقيام الجيش المغربي بحركات تنشيطية على المثلث الرابط الحدود بين موريتانيا والجزائر، وقالت مصادر لصحيفة  الصباح المغربية أن إعادة انتشار ضباط شاركوا في حرب اليمن داخل المثلث الحدودي قد تم بدواعي «مراقبة تدفق الأسلحة».

مكافحة الإرهاب.. الملف الذي يجتمع عليه الإخوة المتخاصمون

تحولت  الصحراء الكبرى بين موريتانيا ومالي والجزائر إلى قاعدة خلفية للجماعات المسلحة، ما جعل مصالح الدول  الثلاث بما فيهم المغرب خصوصًا الجزائر وموريتانيا تجتمع بعد أن فرّقتها عدّة ملفات، الخطر الإرهابي على المنطقة زادت حدته ، إذ ضرب في العمق الموريتاني عدة مرات منذ عام 2005، أودى حتى الآن بحياة زهاء ثلاثين جنديا موريتانيا في هجمات متفرقة في الصحراء نفذها مقاتلو القاعدة ضد  الجيش  الموريتاني، بل وصلت عملياته إلى قلب العاصمة نواكشوط، حيث تم في شهر يونيو (حزيران) 2008 تفكيك تنظيم يعرف باسم «أنصار الله المرابطون»، كما قتل متشددون أربعة فرنسيين نهاية عام 2007 وسط البلاد، وتعرضت السفارة الإسرائيلية بنواكشوط قبل إغلاقها لهجوم مسلح في شهر فبراير(شباط) عام 2008، وفي يونيو (حزيران)  عام 2009 قتل مواطن أمريكي في وضح النهار وسط العاصمة على أيدي مسلحين من القاعدة، وفي الثامن من أغسطس (آب) الماضي نفذت القاعدة أول هجوم انتحاري لها على الأراضي الموريتانية مستهدفة السفارة الفرنسية بنواكشوط.

كل ذلك إلى جانب عمليات اختطاف الرهائن الأجانب التي تنامت، وآخرها تحذير الخارجية الأمريكية نهاية العام الماضي مواطنيها في موريتانيا بتوخي  الحذر نظرًا لوجود معلومات تفيد بوجود مخطط لاستهداف المصالح الأجنبية في نواكشوط. الجزائر من جهتها لم تسلم من خطر الإرهاب في الساحل حيث تعرضت في  يناير (كانون الثاني) عام 2013 لهجوم كبير استهدف منشأة  تيقنتورين النفطية وتم احتجاز أكثر من 650 رهينة، منها 150 شخصا من جنسية أجنبية، ما نتج عنه تدخل الجيش الوطني  الشعبي وإجهاضه للعملية ، وتعرضت الجزائر أيضا إلى هجوم آخر استهدف منشأة الخشيبة النفطية.

هذا الخطر عجّل من تقارب الجزائر مع موريتانيا والعمل على التنسيق الأمني المشترك لمحاربة ظاهرة الإرهاب، وهو ما تجلى في توقيع البلدين لمعاهدة التنسيق الأمني وفتح قاعدة عسكرية مشتركة مقرّها تمنراست الجزائرية، كما شهدت الحدود بين البلدين مراقبة كثيفة وتنسيقًا، أدى إلى إحباط و تقويض عمل المهربين والجهاديين.