موريتانيا في طريقها إلى انتخابات محسومة سلفًا لحساب “الجنرال” الحاكم محمد ولد عبد العزيز، الذي جاء إلى الحكم بانقلاب عسكري، وإن أكساه بشرعية صناديق الاقتراع “المفترى” عليها من قبل خريجي الثكنات العسكرية. وولد عبد العزيز بعدما رسخ وثبت أقدامه في بلاد شنقيط ها هو يذهب هذه المرة إلى صناديق الاقتراع من جديد وفي الطريق لا مرشح من المعارضة ينافسه، وليس هناك إلا أشبه بـ”كومبارس” سيخوضون السباق معه للتسويق الخارجي فقط في أفق “تتويجه” مرة أخرى رئيسا.

انتخابات أم مسرحية؟

الجنرال محمد ولد عبد العزيز جاء إلى السلطة بانقلاب عسكري في سنة 2008

الانتخابات الرئاسية التي ستجري في 21 يونيو الجاري لن تحمل مفاجآت تذكر، والنظام الحاكم الذي يقوده “عسكري” لن يكون متوجسًا إلا من “خصم” واحد ووحيد، هو نسبة إقبال الناخبين الموريتانيين على هذه “المهزلة” أو “المسرحية” الانتخابية، وفق توصيفات معارضين، على اعتبار أن الانتخابات التي يقاطعها جل ألوان طيف المعارضة السياسية، أو بالأحرى كل المعارضة “الحقيقية”، لن تكون انتخابات تستهوي الناخب، الذي كان يمني النفس أولًا أن تكون لدى السلطة الحاكمة “نية حسنة” مسبقًا وتخوض “الحوار الوطني” بمنطق “الأخذ والعطاء”، لا بمنطق فرض أمر الواقع كما حدث في الحوار الذي تم خلاله وضع “أجندة” سياسية من جانب السلطة فقط.

عوامل سياسية على رأسها مقاطعة المعارضة الأكثر تأثيرًا على الساحة وعزوف المواطن، وعوامل أخرى اجتماعية وطبيعية خاصة ما يهم منها تكاليف تنقل الموريتانيين من مكان إلى آخر، وفي ظل ظروف طبيعية صعبة بسبب الحر الذي يعرفه فصل الصيف بموريتانيا، كلها أسباب تنبئ بانتخابات لن يكون لها “طعم” ولا “لون”، وهو ما سيكرس، لا شك، وفق معارضين حالة التذمر وخيبة الأمل لدى المواطن الذي سئم من “لغة الخشب” التي يقابلها به النظام من قبيل إحداث “تنمية” و”إشراك المواطن” وغيرها من “المسكنات”.

مواطنة موريتانية تقترع في انتخابات سابقة

هذه الانتخابات المنتظر إجراؤها قريبًا ربما عُرفت نتائجها قبل أسابيع، وتحديدًا عندما قررت السلطات إجراءها في 21 يونيو، في حين كان الحوار جاريًا مع المعارضة، وهو ما اعتبرته الأخيرة وقتها إعلانا من جانب واحد هو السلطة، التي بخطوتها تلك إنما تريد “الصعود إلى الجبل”، وتمنح مسبقا الرئيس الحالي محمد ولد عبد العزيز ولاية جديدة، وهو الذي جاء إلى السلطة بانقلاب عسكري في سنة 2008 قبل أن ينظم انتخاباتٍ في السنة التي تلتها لاكتساب “شرعية” الصناديق المفقودة، وسجلت وقتها نسبة المشاركة 52 بالمائة، والتي يسعى ولد عبد العزيز في الانتخابات المقبلة تجاوزها لكسب المزيد من “الشعبية”.

المعارضة معارضات..

المعارضة باتت بعيدة عن المطالب الشعبية

البعض من المعارضة “الجذرية” غير تلك المعارضة التي تقبل بـ”فتات” السلطة، كما يقول البعض، والتي تساهم في إعطاء مزيد من الشرعية لنظام فاقد لهذه الشرعية، يراهن على أن تكون نسبة المشاركة في هذه الانتخابات الرئاسية ضعيفة جدا وذلك لإرغام النظام على إلغائها، وهو ما يستبعده آخرون؛ بحيث يرى هؤلاء أن السلطة التي تصر على تقديم مرشح بعينه للترشح، لا شك أنها تضع بحسبانها كل الاحتمالات الواردة، ومنها بالأساس مسألة نسبة المشاركة.

ولعل “النموذج المصري”، الذي جعل “الانقلابيين” محرَجين بسبب ضعف المشاركة في الانتخابات الرئاسية المصرية الأخيرة مما اضطرهم إلى إضافة يوم ثالث للاقتراع، في سابقة لم تعرفها مصر من قبل، ما يزال ماثِلا أمام أعين السلطات الموريتانية التي “لن تدخر جهدًا” لرفع نسبة المشاركة بحيث لا تضطر إلى “الأسوأ” الذي قد يعكر عليها فرحة إعادة انتخابه مرشحها.

منافسون من رحم السلطة!

الانتخابات التي أعلن “منتدى الديمقراطية والوحدة” الذي يضم أحزاب المعارضة مقاطعته لها، وقبل ساعات من إغلاق باب الترشح لها، ربما ستكون أضعف انتخابات من حيث عدد المرشحين، منذ إقرار التعددية في موريتانيا عام 1991، بحيث يتداول الشارع الموريتاني اليوم بعض الأسماء المحسوبة في الغالب على النظام، والتي “ستنافسه” في “لعبة مكشوفة”، ومن هذه الأسماء مسعود ولد بلخير رئيس حزب التحالف الشعبي، وبيجل ولد هميد رئيس حزب “الوئام”.

مواطن موريتاني يطالب برحيل الرئيس الحالي

وإذا كانت أحزاب المعارضة ومنها حزب تكتل القوى الديمقراطية الرئيسي، بزعامة أحمد ولد دادة، التي قاطعت الانتخابات التشريعية التي جرت في ديسمبر من السنة الماضية، واتهمت الحكومة بتزوير الانتخابات التي فاز بها آنذاك حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم، تراهن اليوم على تحريك الشارع في اتجاه “العزوف” عن الذهاب إلى صناديق الاقتراع من أجل ممارسة مزيد من الضغوط على النظام لتقديم تنازلات “كبيرة”، بعدما تراجعت معظم أطياف المعارضة عن مطلب “إسقاط النظام”، فإن هناك من المراقبين من يشير إلى إمكانية تسجيل نسبة مشاركة “محترمة” في الانتخابات المقبلة، ضاربين المثل بنسبة المشاركة في الانتخابات البلدية والنيابية الأخيرة التي قاطعتها المعارضة، باستثناء التيار الإسلامي، إلا أنها سجلت إقبال الموريتانيين على المشاركة فيها.

ويبدو أن المعارضة الموريتانية بقدر ما باتت معارضات، بحيث يشكك البعض في كون جانب من هذه المعارضة ليست كذلك، وما هي إلا “معارضة شكلية” تؤثث المشهد السياسي، لم تعد تستهوي كثيرًا الشارع المورتاني، ولاسيما شريحة الشباب، الذين رفعوا ذات انتفاضات شعبية شعار “إسقاط النظام”؛ خاصة في ظل تشبث معظم المعارضين الحاليين بمجرد عودة السلطة إلى طاولة الحوار، وهو ما يعتبر نقطة قوة لفائدة النظام، الذاهب إلى الانتخابات بما يشبه الاطمئنان، بعدما رأى أن معارضيه يتوسلون إليه!

إنه ضعف هذه المعارضة الذي جعلها تشك قبل غيرها في قدرتها على التأثير في النظام لإرغامه على إعادة النظر في أجندته السياسية، بل إنها تشك حتى في قدرتها على التماسك، بحيث يتذكر الجميع موقف التيار الإسلامي في الانتخابات البلدية والتشريعية السابقة حين أعلن مقاطعته لتلك الانتخابات ثم عاد وشارك فيها، وهو ما يخشى البعض من تكراره في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد