بنظرة سريعة على تشكيلة منتخب فرنسا، تستطيع أن تستنتج بسهولة كثافة اللاعبين ذوي الأصل العربي أو الأفريقي، فالأمر يبدو مألوفًا، ولكنك قد تستغرب من وضع «مايوت» تلك لجزيرة الواقعة على أراضٍ عربية وأفريقية، وتحمل الجنسية الفرنسية، بل وتعد جزءًا من الاتحاد الأوروبي.

«مايوت».. حلم راود الفرنسيين لقرون

في منطقة نائية، وقعت جزيرة صغيرة ولا تتعدى مساحتها 374 كيلومترًا، كانت تحمل اسمًا عربيًا قديمًا يُدعى «جزيرة الموت»؛ لما تُحاط به من شعب مرجانية تحطم السفن القادمة إليها، قبل أن يُشتق من اسمها القديم اسم أحدث لها يحمل اسم «مايوت».

ومع بُعد الجزيرة وقلة مساحتها قد تحتاج لعدسة مكبرة لرؤيتها في الخريطة، إلا أنها شغلت أحلام الفرنسيين على مدار قرون طويلة مضت وحتى الآن، فتاريخيًا لم تسلم الجزيرة الأفريقية والعربية الأصل من موجة الاحتلال الفرنسي التي غمرت قارة أفريقيا في الألفية الماضية.

وترجع القصة إلى القرن الخامس عشر عندما فتح العرب الجزيرة الأفريقية، ودخل أهلها الإسلام، واستمر الحكم العربي للجزيرة مستقرًا حتى نهايات القرن الثامن عشر، عندما غزت قبيلة «سكالافا» المدغشقرية الجزيرة للسيطرة عليها، ومع الوصول لبداية الأربعينيات من القرن التاسع عشر، تمكّن الاستعمار الفرنسي من احتلال الجزيرة وضمها إلى قائمة المستعمرات الفرنسية على الأراضي الأفريقية.

فرنسا: «مايوت» فرنسية رغم أنف الاعتراضات الأممية والقُمرية والأفريقية

لم تتوقف الرغبة الفرنسية في التحكم في «مايوت»، على تاريخها الاستعماري في القرون الماضية؛ وإنما ظلّت تلك الرغبة الفرنسية المتمسكة بـ«مايوت» حتى عقود حديثة، مع اعتراضات أمم أفريقية وعربية، لم تمنع فرنسا في النهاية من تحقيق رغبتها.

ومع الاستعمار الفرنسي للجزيرة لم يتخلّ سكانها عن الإسلام، الذي يعتنقه نحو 97% منهم، ولكن التأثر بالثقافة الفرنسية ظل حاضرًا مع مرور السنين، وحتى جاءت اللحظة الفارقة على سكان «مايوت» التي تُعد إحدى الجزر الأربعة لدولة جزر القمر العربية، عندما فُرض عليهم الاختيار ما بين خياريين: الأول نيل الاستقلال عن فرنسا والبقاء ضمن دولة جزر القمر، والثانية البقاء تحت الحكم الفرنسي، في استفتاء شعبي جرى عام 1974.

نتيجة الاستفتاء كانت واضحة وجلية: 95% من سكان جزر القمر يريدون الاستقلال عن الاحتلال الفرنسي، ولكن فرنسا أعادت الاستفتاء مرة أخرى عام 1976، غير أن النتيجة لم تتغير،ـ 95% من سكان جزر القمر صوتوا لصالح الاستقلال، ولكن ما لاحظته فرنسا هذه المرة هو حجم المصوتين للبقاء تحت الحكم الفرنسي، من جزيرة «مايوت» فقط، ووجدوا أن 65% من المصوتين في مايوت، صوتوا لصالح البقاء تحت الحكم الفرنسي.

واستغلت فرنسا تلك النسبة الداعمة للبقاء تحت حكمها في جزيرة «مايوت»؛ لإبقاء حكمها الفعلي على الجزيرة بشكل منفصل عن بقية الجزر الثلاثة التي اختارات الاستقلال، وهو قرار لم يُرضِ جزر القمر ولا الأمم المتحدة ولا الاتحاد الأفريقي، وفي عام 1979 أصدرت الأمم المتحدة قرارًا يؤكد سيادة دولة جزر القمر على جزيرة «مايوت»، وكذلك دعم الاتحاد الأفريقي مطالبة دولة جزر القمر بسيادة الجزيرة.

ومع الاعتراضات الأممية والأفريقية والقُمرية، استمرت المماطلة الفرنسية في تنفيذ القرار الأممي وظلت تحكم قبضتها على الجزيرة، لثلاثة عقود حتى شهر مارس (آذار) عام 2009، عندما جرى استفتاء في «مايوت»، أعرب خلاله 95% من سكان الجزيرة عن رغبتهم في البقاء تحت الحكم الفرنسي، وهو استفتاء دخل حيز التنفيذ رسمًيًا بعد عامين تحديد في مارس 2011؛ لتصبح بذلك «مايوت» جزءًا من أقاليم ما وراء البحار الفرنسية، وتصبح القسم الفرنسي رقم 101، وفي عام 2014 نالت «مايوت» اعتراف الاتحاد الأوروبي، مع أنها لم تحظ باعتراف الأمم المتحدة أو جزر القمر والاتحاد الأفريقي.

وتعد «مايوت» الآن جزءًا من فرنسا، يديرها عمدة معين في فرنسا ومجلس إداري منتخب، ويمثلها نائب في الجمعية الوطنية الفرنسية، بالإضافة إلى نائبين في مجلس الشيوخ الفرنسي، ويعمل نظامها القضائي على النموذج الفرنسي.

ويتضمن نظام التعليم في «مايوت» المدارس الإسلامية التقليدية التي تدرس القرآن، ومدارس ابتدائية وثانوية أسستها فرنسا، ويُسيطر المسلمون السنة على الأغلبية العظمى من سكان الجزيرة، بوجود 97% من المسلمين، بالإضافة إلى أقلية مسيحية كاثوليكية، ومع أن الفرنسية هي اللغة الرسمية لـ«مايوت»، إلا أن معظم سكانها يتحدثون اللُغة «القُمرية» القريبة من اللغة «السواحيلية»، ويُعد اليورو هو العملة الرسمية.

هجرة قُمرية للجزيرة «الفرنسية»

ارتباط «مايوت» بفرنسا وأوروبا جعل منها قبلة للمهاجرين من جزر القمر، فبدلًا من معاناة السفر إلى أوروبا وأخذ الإقامة والجنسية، أصبح يمكن لبعض المهاجرين لمايوت أن يلدوا أبناءهم هناك، ليحصلوا بذلك على الجنسية الفرنسية ويصبح وكأنه أحد مواطني الاتحاد الأوروبي.

وأدت تلك الإغراءات لتزايد حركة الهجرة غير الشرعية لمايوت ومقتل الآلاف غرقًا، وبالأخص بعدما فرضت فرنسا تأشيرة دخول لـ«مايوت» على مواطني جزر القمر عام 1995، فمنذ ذلك العام وحتى عام 2012 مات من 7 – 10 آلاف شخص أثناء محاولتهم الهجرة غير الشرعية لـ«مايوت» بحسب ما أفاد تقرير لمجلس الشيوخ الفرنسي ، فيما أشارت إحصاءات وزارة الهجرة الفرنسية إلى ترحيل سلطات مايوت نحو 16500 شخص، عام 2008.

وتنشأ بين الحين والآخر مشاكل في «مايوت» بسبب حركة الهجرة تلك مما يؤدي إلى طرد بعض الأجانب والمهاجرين الذين تبلغ نسبتهم نحو 40%، ففي مايو (أيار) 2016 على سبيل المثال، طردت سلطات «مايوت» ألف أجنبي، فعادة ما يتهم سكان «مايوت» الأجانب بأنهم يحتلون البلاد ويزيدون الضغط على خدماتها، ويرتفع مستوى الاتهامات إلى السرقة والاعتداءات والقتل، وقد اندلعت آخر احتجاجات مشابهة قبل عدة شهور في مارس (آذار) 2018.

Embed from Getty Images

جزء من احتجاجات في مايوت ضد المهاجرين

أصبحت «مايوت» جذابة أكثر لسكان جزر القمر، 70 كيلومتر فقط تفصلهم عن إمكانية حصول أبنائهم على أقوى جنسية في العالم وهي الجنسية الفرنسية، فبحسب المؤشر العالمي الأحدث لقوة الجنسية عام 2017 -والذي يتضمن تصنيف 209 دولة في العالم خلال 167 مركزًا، نظرًا إلى حصول بعض الدول على المركز نفسه.

فقد تصدرت فرنسا المؤشر، فيما حلّت جزر القمر في المركز رقم 12 عربيًا، ورقم 143 عالميًّا، في ذلك المؤشر الذي يصنف البلاد وفقًا لثلاث معايير أساسية، وهي: القوة الخارجية للجنسية، وحرية الإقامة، وحرية السفر، ويتضمن معيار حرية السفر قدرة حاملي الجنسية على السفر إلى أكبر عدد من بلدان العالم بدون تأشيرة، وهي عوامل جذبت بعض مواطني جزر القمر للانتقال لمايوت للقفز لأكثر من 140 مركزًا في مؤشر قوة الجنسية!

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!