هذا التقرير جزء من مشروع «الحج إلى واشنطن» لتغطية أنشطة لوبيات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة بين 2010-2020. ومعظم المعلومات الواردة في التقرير تستندُ لوثائق من قاعدة بيانات تابعة لوزارة العدل الأمريكية، تتبع لقانون «تسجيل الوكلاء الأجانب (فارا)»، الذي يلزم جماعات الضغط بالإفصاح عن أنشطتها وأموالها، وكافة الوثائق متاحةٌ للتصفح على الإنترنت.

يدخل ولي العهد السعودي الشاب محمد بن سلمان إلى قاعة مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار، أو ما سميَّ بدافوس الصحراء، في أكتوبر (تشرين الأول) 2017، ليقف الحضور مرحبين به وعيونهم تتبعه، وفي آمالهم «دولارات قد أينعت وحان قطافها»، يجلس ابن سلمان لينطلق مقطع مصوَّر عن مشروع مدينة نيوم وعن «نبض التغيير» في المملكة.

في تلك اللحظة، بدا للعالم أنَّ السعودية تعيش لحظة انتقالٍ تاريخيّ، من مملكةٍ تعيش في الماضي منطلقةً إلى المستقبل. ومن مملكةٍ تعتمد على النفط إلى مملكةٍ تُصدِّر ألواح الطاقة الشمسية والطاقة النظيفة. وحتى تعبر المملكة نحو هذه المرحلة، ستحتاج بكل تأكيد إلى روَّاد عالم الأعمال، وبالأخص رُواد عالم الترفيه الغربي؛ فالتغيير ليس اقتصاديًّا فحسب، بل هو تغيير لبنية المجتمع السعودي أيضًا.

سنتعرف في هذا التقرير إلى كواليس وتفاصيل محاولة ولي العهد السعودي لشراء شركة ترفيهية، انتهت بالفشل بعد جريمة اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي.

«والده مقاتل صهيوني».. آري إيمانويل المقرب من الوليد بن طلال وابن سلمان

آري إيإيمانويل، هو المدير التنفيذي لشركة «إنديفور- Endeavor»، وكالة الترفيه والإعلام الأضخم في هوليوود. ويعد إيمانويل أحد أقطاب عالم الترفيه في الولايات المتحدة والعالم. والده طبيب الأطفال بنيامين إيإيمانويل، صهيونيٌّ قاتَل مع المنظمات الصهيونية في فلسطين أثناء فترة الانتداب البريطاني.

ويصنف إيإيمانويل بشكل عام على أنَّه ديمقراطي؛ فأخوه الكبير راحام عمدة ولاية شيكاغو السابق، وعمل كبير موظفي البيت الأبيض بين 2009-2010 في إدارة الرئيس باراك أوباما، وتبرع إيمانويل لحملة هيلاري كلينتون في انتخابات عام 2016.

لدى شركة «إينديفور» القابضة العديد من الوكالات، مثل وكالة «دبليو إم إي –WME» ووكالة «آي إم جي – IMG» لإدارة شؤون المواهب مثل الممثلين والمغنين والرياضيين والشخصيات الإعلامية وغيرهم، وتملك الشركة العديد من المؤسسات الرياضية العالمية، مثل بطولة القتال النهائي (UFC)، وأيضًا مؤسسة ملكة جمال الكون (Miss Universe).

Embed from Getty Images

آري إيمانويل، المدير التنفيذي لشركة «إنديفور».

وفقًا لوثائق وزارة العدل الأمريكية في قاعدة بيانات قانون تسجيل الوكلاء الأجانب «فارا»؛ ففي 3 أبريل (نيسان) 2011 سجَّلت شركة الاستثمار المملوكة للأمير الوليد بن طلال «كي أر 5-KR-215» العاملة من جزيرة الكايمان، عقدًا مع شركة «آي إم جي» الهوليوودية، مقابل تقديم خدمات تسويقية لشركة الوليد بن طلال لتعزيز مصالحها التجارية. ووقع على العقد من طرف شركة الوليد، ندى الصقير، المديرة التنفيذية للشؤون الإدارية والمالية في المكتب الخاص للوليد بن طلال.

وسمَّى الوليد بن طلال شركته على اسم يخت فاخر «Kingdom 5KR». اليخت الذي بناه الملياردير عدنان خاشقجي، وباعه لسلطان بروناي، ومن ثم باعه السلطان لدونالد ترامب. وجدَّده ترامب وأطلق عليه اسم «أميرة ترامب»، وباعه للوليد بن طلال بـ20 مليون دولار، أثناء الركود العقاري عام 1990. وبحسب وثائق الشركة على موقع وزارة العدل، قدمت شركة «آي إم جي» خدماتها مقابل معدل مدفوعات 800 ألف دولار كل ستة شهور.

وبعد صعود الملك سلمان للحكم وصعود ابنه محمد معه عام 2015؛ أعلن ابن سلمان «رؤية السعودية 2030» في أبريل 2016، الرؤية التي وضعت أهدافًا لتنويع الاقتصاد، وتعزيز سوق التجارة والسياحة، وفي سياقها خُصصت ميزانية تتجاوز ملياري دولار لقطاع الترفيه.

وبعدما شاهد رجال الأعمال المليارات التي خرج بها دونالد ترامب من المملكة بعد زيارته الأولى في مايو (أيَّار) 2017، بدأت شبكات الأموال والمصالح تتشكل ليبحث كل طرف عن صيده. وكان إيإيمانويل أحد القاصدين للمال السعودي؛ فإمبراطوريته تعيش أزمة ديون خانقة وتحتاج لسيولة مالية؛ فقد قدِّرت قيمتها بـ6 مليارات و300 مليون دولار متضمنة الديون في أغسطس (آب) 2017.

إيمانويل يأخذ 400 مليون دولار في دقائق

ينقل كتاب «النفط والدم» تفاصيل عديدة عن حياة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وعن صعوده للسلطة في السعودية، وفي الكتاب يتحدث مؤلفاه وهما صحافيان، عن إيإيمانويل وعلاقته بولي العهد.

ووفقًا للكتاب، بدأ إيإيمانويل محادثاته مع ابن سلمان وصندوق الاستثمارات العامة السعودي في بداية فترة ترامب الرئاسية، واستغرق إتمام صفقة استثمار سعودي في شركة «إنديفور» شهورًا عديدة، بقيمة 400 مليون دولار، ولكن ياسر الرميان، حاكم الصندوق الاستثماري، راوغ إيمانويل وماطله؛ ما أحبطه من أسلوب التواصل.

وبعد إلحاح إيمانويل لإتمام الصفقة، قدم الرميان شرطًا لتستثمر السعودية في شركته: أن تحصل على كرسي في مجلس الإدارة، فرفض إيمانويل الطلب تمامًا ورد عليه بعرض إنشاء مجلس استشاري خاص بالرميان، الذي قال إنه سيعود بالجواب لاحقًا، آنذاك أيقن إيمانويل بأنَّ الصفقة ستتم فقط باجتماع مباشر مع محمد بن سلمان.

وكان إيإيمانويل من الذين حضروا مبادرة مستقبل الاستثمار في العاصمة الرياض في 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2017، وصحبه العديد من الشخصيات العالمية مثل ترافيز كالانيك، المدير التنفيذي لـ«أوبر»، وطوني بلير، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، وغيرهم من رجال الأعمال والسياسيين الدوليين. وفي حوارٍ مع إيإيمانويل في المؤتمر، تسأله المحاورة: «ما استراتيجيتك للتقليل من ديونك؟»، ليجيبها: «الكثير من السيولة».

لم يكن إيإيمانويل قد أخذ ما يريده بعد، فأثناء أيام المبادرة، اتفق إيمانويل مع ابن سلمان على عقد اجتماع خاص، وعندما حان موعده دخل مباشرةً على ابن سلمان، ووجده بالثوب السعودي دون شماغ أو عقال وأخبره بما لديه: «شروط العقد كالتالي: ستستثمر المملكة السعودية 400 مليون دولار من دون مقعد في مجلس الإدارة»، أجابه ابن سلمان «تم». لم يطل الاجتماع أكثر من سبع دقائق، وخرج إيإيمانويل بما يريد.

وفي 8 مارس (آذار) 2018، سجَّل صندوق الاستثمار العام السعودي عقدًا مع شركة المحاماة والضغط السياسي «Akin gump – أكين جامب»، للتواصل مع وزارة الخزانة الأمريكية، وتحديدًا مع لجنة الاستثمارات الأجنبية داخل أمريكا، وهي لجنة تشرف على صفقات الاستحواذ الأجنبي – غير الأمريكي – على شركات أمريكية، ومن صلاحياتها أن تعدِّل على الصفقات أو تعرقلها، وفي هذا الإطار تواصلت الشركة مع أيمن مير، مسؤول رفيع بوزارة الخزانة الأمريكية عملَ نائبًا لمساعد الوزير.

/

من وثائق شركة «أكين جامب» لصالح صندوق الاستثمارات العامة السعودي، ويظهر في الصورة الأولى توقيع ياسر الرميان، حاكم الصندوق، وفي الصورة الثانية بعضٌ من أنشطة الشركة واتصالاتها مع الحكومة الأمريكية وجهات في الكونجرس. المصدر: موقع وزارة العدل الأمريكية (1)، (2). 

وامتدَّت حملة الضغط لتشمل الكونجرس الأمريكي، فتواصلت الشركة مع موظفين رفيعي المستوى يعملون بلجنتي العلاقات الخارجية والبنكية بمجلس الشيوخ، ومع كبير الاقتصاديين في لجنة الخدمات المالية بمجلس النواب.

ويعمل في الشركة شخصيات مهمة، منها جيفري فيرهوف، من أهم العاملين بمجال الضغط السياسي، وهو جمهوري مختص بجمع التمويلات، وعمل معه في الشركة فريق من استشاريين قانونيين مختصين بقضايا استثمارات الصناديق السيادية وبشؤون لجنة الاستثمارات الأجنبية التابعة لوزارة الخزانة. وعلى الرغم من تقديم الشركة لخدماتها، فإن الوثائق لا تذكر أي مدفوعات، ولكن العقد نصَّ على 535 ألف دولار بدلًا من الخدمات التي قدمت على مدى شهرين من مارس (آذار) وحتى مايو 2018.

أثناء جولة محمد بن سلمان في الولايات المتحدة نهاية مارس 2018، والتي استمرت ثلاثة أسابيع والتقى فيها ابن سلمان كلًّا من ترامب في البيت الأبيض، وجيف بيزوس، الملياردير الأمريكي ومالك موقع «أمازون» للتسوق الإلكتروني، وتضمنت الجولة زيارة لمركز التقنية والأعمال في أمريكا، «السيليكون فالي».

وفي الرحلة استقبل ابن سلمان عمالقة سوق الترفيه والتكنولوجيا على عشاءٍ هوليوودي باستضافة المخرج الأمريكي براين جرازير، وكان آري إيمانويل من الحضور، لوضع الرتوش الأخيرة على صفقته مع الأمير السعوديّ.

ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مرتديًا جهاز الواقع الافتراضي أثناء زيارته لمكاتب شركة «فيسبوك» في سيليكون فالي، بالولايات المتحدة الأمريكية، عام 2018 

اغتيال خاشقجي يلاحق ابن سلمان في هوليوود

بعد جريمة اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي، واتهام ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، بالوقوف وراءها، استفاق العالم من أحلام وأوهام «تحديث المملكة» التي حشدت لها شركات العلاقات العامة مقابل ملايين من الدولارات. وبعد الجريمة بأيام، صرَّح إيإيمانويل في 15 أكتوبر (تشرين الأول) 2018، بأن ما حصل «مثير للقلق ومزعج»، ومع تكشُّف الدلائل وإشارتها إلى ولي العهد، ألغى الصفقة مع السعودية، ووظَّف حراسًا شخصيين لحمايته في أثناء سفره خوفًا من ردة فعل السعوديين.

وربما تتلخص تجربة إيإيمانويل مع ولي العهد السعودي بوصفه له «بالحيوان»، وفقًا لما ذكره كتاب «النفط والدم». وعلى كل حال لم يكن قرار إلغاء الصفقة خاصًّا بإيإيمانويل وحده؛ فوكالة المواهب التابعة لشركة «إنديفور» (WME) تمثل مصالح العديد من كبار الصحافيين مثل رونان فارو، وسوليداد أوبراين، اللذين ضغطا على إيإيمانويل لقطع علاقته مع المملكة السعودية، ولم يكن أيضًا من مصلحة إيإيمانويل الحفاظ على علاقته مع السعوديين في وسط الإعصار الإعلامي إبان جريمة الاغتيال.

أنهى إيإيمانويل تعاقده مع الأمير الوليد بن طلال في 31 أكتوبر 2018، في نهاية الشهر الذي نُفذت فيه جريمة اغتيال خاشقجي، ووفقًا لوثائق الشركة على موقع وزارة العدل، فقد بلغت مدفوعات الوليد بن طلال منذ 2011 للشركة 11 مليونًا و266 ألف دولار. وبعد أقل من أسبوع من إنهاء العقد، خرج الوليد على قناة «فوكس نيوز» الأمريكية يدافع ويبرئ ولي العهد محمد بن سلمان من أي تهمة متعلقة باغتيال خاشقجي.

لا تحقق لك دائمًا الأموال ما تريده في الولايات المتحدة، فأحيانًا السُّمعة وشبكات الزبائن تفرض واقعًا مختلفًا، ومن الواضح أن هذه واحدة من العواقب العديدة التي لم يتحسب لها ولي العهد السعودي.

هذا التقرير جزءٌ من مشروع «الحج إلى واشنطن»، لقراءة المزيد عن «لوبيات» الشرق الأوسط اضغط هنا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد